اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | الأدب النبوي (ص) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الخطب والرسائل والخواطر - 5 2006-07-12 00:00:00 2006-07-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1389 http://arabic.irib.ir/programs/item/1389 تتفاوت الخطب والرسائل والوصايا في لغتها الأدبية: تبعاً لمتطلبات السياق. الرسائلفأما الرسائل فتتميز باللغة المترسلة أي خلوها من عناصر الايقاع والصورة، وبالاقتصاد الشديد، وبقصر حجمها... وهذا من نحو كتابه الى ملك الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عب دالله الى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد فأني ادعوك بدعاية الاسلام، أسلم تسلم، اسلم يؤتك الله اجرك مرتين، فان توليت فانما عليك اثم الاريسيين)، و «قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون». (46) فالملاحظ أن هذه الرسالة تماثل (البرقية) التي يراعي فيها ما امكن من الاقتصاد اللغوي بحيث لا يمكن أن يستغني عن كلمة واحدة منها، وقد تميزت باحكام ومتانة ايقاعها وهندستها وتقطيعها الى خطوط متوالية متجانسة مثل: العبارة (أسلم، تسلم: يؤتك الله اجرك مرتين)، كما تميزت بملاحظة السياق الذي وردت فيه، فاستشهدت بأية عن أهل الكتاب (والمرسل اليهم منهم)، وحملته مسؤولية التخلف بالنسبة الى رعاياه أيضاً (وهم الفلاحون الذين شكلوا غالبية مجتمعه)، وقد لوحظ السياق في رسائله الأخرى التي وجهها الى عظيم فارس والقبط حيث تضمنت نفس الدلالة والعبارة ولكنه (صلى الله عليه وآله) حملها اثم المجوس والاقباط: تحقيقاً للسياق الفني الذي أشرنا اليه. لكنه عندما وجه رسالته الى النجاشي سلك منحى ادبياً آخر يتناسب مع تركيبته الفكرية والنفسية.. لقد كتب اليه يقول: (... سلم انت، فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها الى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، حملته من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، واني ادعوك الى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله...) (47) فقد خاطبه مركزاً على المسيح (عليه السلام) الذي ينتسب اليه، كما استشهد بالآية الكريمة التي ضمنت صفات الله تعالى (ومنها: السلام)، والمح الى عيسى والبتول... وكل أولئك يتناسب مع عاطفته الدينية عن المسيح، حيث ان جوابه للنبي (صلى الله عليه وآله) تضمن التأكيد على أن عيسى لم يزد على ما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) مما يعني انه (صلى الله عليه وآله) خاطبه وفقاً لما يخبره عن تركيبته النفسية والعبادية... وأما رسائله إلى أمراء العرب فتختلف لغتها بطبيعة الحال، فمثلاً بعث برسالته الى ملكي عمان، وجاء فيها (إنكما ان أقررتما بالاسلام وليتكما، وان أبيتما أن تقرا بالاسلام فان ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما) (48) وكذلك في رسالته إلى أمير آخر، ملوحاً له بأن الاسلام (سيظهر الى منتهى الخف والحافر) مهدداً اياه بنفس اللغة السابقة التي ترهص بالفتح، حيث ان معرفته بمزاج العربي والموقع الجغرافي لبلده: سوغ له مثل هذه اللغة المهددة من جانب والملوحة ببقاء الملك له من جانب آخر. واما رسائله الى الامراء الذين استجابوا للرسالة الاسلامية أو الى ولاته في الأرض التي أسلمت، فتتفاوت لغتها ومضموناتها: حيث تضمن بعضها المصالحة، والبعض الآخر: التخيير بين الاسلام والجزية، والبعض الثالث: فرض الزكاة ونصبها المختلفة: بالنسبة للأمصار والقبائل الاسلامية، فضلاً عن التوصية بالمبادىء العامة المرتبطة بالصلاة وبإقامة الاحكام والقضاء ... فنياًبما أن الرسائل تعد «كتباً رسمية» حينئذ فان توشيحها بلغة الفن لا مسوغ له الا في نطاقها (اللفظي) وليس (الايقاعي والصوري)، حيث لحظنا أن تركيب الجملة وترتيب موقعها واختصارها وتركيزها ومراعاة السياق، تعوض عن (الصوت والصورة)... ومع ذلك فان مراعاة هذا الجانب حسب متطلبات السياق هو الذي يفرض نوع الصياغة الادبية. ففي كتابه (صلى الله عليه وآله) الى أحدهم وقد كان خطيباً وشاعراً لحظنا كيف استخدم النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الصورة عن ظهور الاسلام سيظهر الى منتهى (الخف) و(الحافر) فقد استخدم (الخف والحافر) رمزاً أو كناية عن الابل والخيل وهو امر يتناسب مع سمة المرسل اليه بصفته شاعراً أو خطيباً، ولكنه (صلى الله عليه وآله) حينما وجه رسالته الى أمير آخر كتب نفس المضمون بعبارة تجعل الخيل بدلاً من الرمز لها بالحافر. لذلك ينبغي ان نوكد هذه الحقيقة من أن (الأدب التشريعي) لا يعني بالفن من اجل كونه فناً الا اذا اقتضى‌ الموقف ذلك، والا كان بمقدوره (صلى الله عليه وآله) أن يحشد كتبه بعناصر الصورة والايقاع ويخضعها للتزويق الذي يطبع نتاج الشعراء او الخطباء في الغالب- وهو افصح العرب في ميدان الفن، لذلك فان (الخطابة) التي توفر عليها تظل مرشحة لعناصر (الصوت والصورة) أكثر من الكتاب الرسمي، كما أن الحديث يظل مرشحاً بنسبة اكثر من الخطبة، حيث ان الخطبة تعتمد البعد العاطفي في المقام الأول، لأن الموقف قد يتطلب ذلك للأسباب التي نبدأ الآن بالعرض لها. *******الخطب تظل خطب الرسول (صلى الله عليه وآله) حافلة بأشد أنواع الاثارة العاطفية‌ بالنسبة الى الجمهور، وليس بالنسبة الى النبي (صلى الله عليه وآله) لان النبي (صلى الله عليه وآله) يعتمد البعد العقلي في تعامله مع الله تعالى ويحيي مبادىء الله في كيانه اجمع، أما البعد العاطفي فيستثمره (صلى الله عليه وآله) من أجل الناس، أي انه يخاطبهم بلغتهم وعواطفهم لا بعاطفته ولغته... وقد سبقت الاشارة الى ان اهم ما يطبع الخطابة هو: بعدها العاطفي، اما الصوت أو الصورة فيأخذان درجة ثانوية بالنسبة الى الاثارة العاطفية، لذلك يلحظ أن (القيم اللفظية) بخاصة أدوات القسم والتوكيد والتساؤل وسواها هي التي يحتشد بها فن الخطبة. ويمكننا أن نستشهد بنماذج نقتطفها من بعض خطبه (صلى الله عليه وآله) لملاحظة هذا الجانب. جاء في احدى خطبه: (ما لي أرى حب الدنيا قد عذب على كثير من الناس حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم واجب، أما يتعظ آخرهم بأولهم؟ لقد جهلوا ونسوا كل موعظة في كتاب الله....) (49). ففي هذا النص، عنصر (التساؤل) الذي استهل به الخطبة (ما لي أرى حب الدنيا؟) ثم يتجه الى عنصر الصورة فينتخب أداة (كأن) التشبيهية في معرض التساؤل (حتى كان الموت) دون الاداة الاخرى (الكاف)‌ نظراً لأن الأداة الأخيرة تستخدم في تقرير الحقائق، بينا تستخدم (كأن) في التقرير والخطاب... ثم يكرر هذه الاداة (وكأن الحق في هذه الدنيا....) ثم يعود الى عنصر التساؤل (اما يتعظ آخرهم بأولهم؟) ثم يعقب ذلك بالسرد الذي يشرح ويقرر سبب التساؤل فيقول مقرراً بأسى وأسف: (لقد جهلوا، ونسلوا كل موعظة في كتاب الله تعالى...). اذاً: لاحظنا كيف ان النبي (صلى الله عليه وآله) سلك طرائق عاطفية لاستثارة الجمهور من خلال عنصر (التساؤل)... وهناك عنصر (القسم) الذي يلعب دوراً كبيراً في الاستثارة العاطفية، كما أن هناك (التوكيد) الي يشكل عنصراً كبيراً لأهميته في هذا الجانب. ولنقرأ هذا المقطع القصير من احدى خطبه: «والله الذي لا اله الا هو اني لرسول الله اليكم خاصة والى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالاحسان احساناً، وانها لجنة أبداً أو لنار أبداً» (50)... ان هذه الخطبة تتضمن القسم (والله الذي لا اله الا هو) و (والله لتموتن)، كما تتضمن ادوات التأكيد: (اللام) و(تشديد) النون، حتى أننا حين نستمع الى هذه العبارات المشددة، المصحوبة باللام، المتتابعة مع استهلال كل جملة (لتموتن، لتبعثن، لتحاسبن. لتجزون) نحس بالتصعيد العاطفي، «المصعق» «المثير» فيما يهزنا هزاً عنيفاً في غاية العنف. وتجيء (الصورة) و(الصوت) أدوات تساهم في تحقيق عنصر الاثارة في الخطبة، ولكن من دون تكثيف، فمثلاً في احدى خطبه (صلى الله عليه وآله) نجد أن هذه الأدوات تستخدم بنسبة هادئة على هذا النحو: (الا واني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرقوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم، يا ايها الناس لا ألفينكم بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كمجرى السيل الجرار، ألا وان علي بن أبي طالب أخي ووصيي يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) ففي هذا النص (صورة مباشرة) قائمة على المقدمة ونتائجها (فلا تسبقوهم: فتفرقوا) (ولا تقصروا عنهم: فتهلكوا) وصورة تركيبية هي التشبيه: (كمجرى السيل الجرار)، و (عنصر صوتي) هو التجانس (التأويل، التنزيل)، فالتجنيس والتشبيه جاءا مستخفيين هنا بالقياس الى بروزهما في خطبته عن شهر رمضان مثلاً: «ايها الناس: ‌انه قد أقبل عليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. شهر عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات، دعيتم فيه الى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامته، انفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب... ارفعوا أيديكم اليه بالدعاء في أوقات صلواتكم فانها أفضل الساعات، ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة الى عباده: يجيبهم اذا ناجوه، فيلبيهم اذا نادوه، ويعطيهم اذا سألوه ويستجيب لهم اذا دعوه، ان أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهروكم ثقيلة من أوزاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم... ان ابواب الجنان في هذا الشهر مفتحة...» (51)،‌ فهنا نجد صوراً استعارية: (أبواب الجنان، رهن الانفس، ضيافة الله وثقل الظهر) وصوراً تمثيلية: (الأنفاس هي تسبيح، النوم هو تعبد)، كما أن فيها عناصر صوتية: (استغفاركم، أوزاركم) (ناجوه، نادوه)، (سألوه، دعوه)، مضافاً الى توازن العبارات (أيامه أفضل الأيام) (لياليه أفضل الليالي) (ساعاته أفضل الساعات)... ومادامت (الخطب) تعتمد عنصر (الاثارة) للجمهور، فحينئذ لابد أن تعتمد بناء فنياً يقوم على مراعاة القوانين التي تحكم العمليات الذهنية والنفسية من حيث: الاستدلال والتدرج بعواطف الجمهور وترتيب المقدمات والنتائج، وطرح الموضوعات المتجانسة أو المتخالفة، مع وصلها بقوانين التداعي الذهني الخ. بيد انه من المؤسف أن نلحظ أن خطب الرسول (صلى الله عليه وآله) ومثلها غالبية النصوص التشريعية قد تعرضت لنقيصة أو تزيد أو تحريف بسبب مذهبي او اسباب فنية من سهو وخطأ في النسخ أو الطباعة... الخ، مما يتعذر على الدارس ان يتناول النص من خلال بنائه الهندسي لأن أقل تحريف أو تزيد أو نقصان يترك خللاً في بناء النص... لكن مع ذلك، يمكننا أن نلحظ - ولو اجمالاً - أن الخطبة يراعى فيها ترتيب الموضوعات وتخضع لعمارة فنية ذات احكام وامتاع،... ففي خطبته في حجة الوداع-مثلاً- بالرغم من تفاوت النصوص فيها، الا ان هيكل الخطبة يفصح عن احكام خطوطها...، فقد استهلت بالحمد والاستغفار والتشهد... الخ، ثم انتظمت في مقاطع يفتتح كل واحد منها بعبارة (أيها الناس)، ويختم بعبارة (اللهم اشهد) في غالبية المقاطع، وكل مقطع يتضمن موضوعاً محدداً أو موضوعات مختلفة لكنها متجانسة، ففي المقطع الاول يطرح الحمد، وفي الثاني مطالبة الجمهور بالاستماع، وفي الثالث تطرح قضية الدماء والاموال، وفي الرابع: قضية الأشهر الحرم، وصلتها بالقتال، وفي الخامس: تطرح قضية التعامل مع النساء، وفي السادس (وهو المقطع الذي لوحظ فيه طرح أكثر من موضوع وفيه قضية الثقلين: كتاب الله وعترة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث تفاوتت النصوص في صياغة عباراته وحذف بعضها بخاصة أن الحذف مرتبط بدافع مذهبي، مضافاً الى تضمنه موضوعاً اقتصادياً قد يبدو وكانه في موضع آخر...)، وفي المقطع السابع تطرح قضية تزكية الانسان من خلال التقوى وليس النسب والعنصر، وفي المقطع الثامن: طرحت قضية الارث والانتساب العائلي... فالخطبة - اذن- خاضعة لبناء هندسي ذي مقاطع ثمانية كل واحد فيها يبدأ - كما قلنا- بعبارة خاصة وينتهي بعبارة خاصة تتكرر في غالبية المقاطع، تناولت اهم الظواهر المتصلة بالحاجات الفكرية والجسمية والنفسية والاجتماعية. *******الخواطرالخاطرة، صياغة فنية لشعور (مفرد) أي: وقفة ذهنية عابرة عند بعض الظواهر التي تجتذب اهتمام الملاحظ،... وهذا من نحو الخاطرة التي صاغها النبي (صلى الله عليه وآله) حيال أحد ولاته ممن فقد ابنه فقال (صلى الله عليه وآله): «اما بعد: ‌فعظم الله لك الاجر، والهمك الصبر، ورزقنا واياك الشكر، ثم ان انفسنا واهلينا وموالينا من مواهب الله السنية وعوارفه المستودعة نمتع بها الى أجل معدود وتقبض لوقت معلوم، افترض علينا الشكر اذا أعطى، والصبر اذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله السنية وعوارفه المستودعة متعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير...» (52). فهنا خاطرة عن حادثة موت، أخضعها لصياغة محكمة من حيث البناء وأدواته. أما من حيث الادوات فأن الخاطرة المذكورة وشحت بقيم صوتية سجعاً وتجانساً (الأجر، الصبر، الشكر) (سرور، كثير) (معدود، معلوم) (اعطى، ابتلى) الخ، وقيم صورية استعارية (المواهب السنية، العوارف المستودعة)... واما من حيث البناء فقد أخضعه لخطوط محكمة وصلها بعضاً مع الآخر، فقد دعا للأب - في الاستهلال- بتوفر الاجر والصبر والشكر، ثم وصل بين هذه السمات الثلاث وبين معطيات الله تعالى من جانب، وطريقة التعامل مع هذه الظواهر من جانب آخر، فعندما دعا له بأن يشكر (ورزقنا واياك الشكر) أوضح في تضاعيف الخاطرة وظيفة الانسان حيال ذلك (ثم افترض علينا الشكر)، وعندما دعا له بالصبر (وألهمك الصبر) أوضح في تضاعيف الخاطرة: الوظيفة حيال الموت (والصبر اذا ابتلى)، وعندما دعا له بالأجر: (فعظم الله لك الأجر) أوضح في نهاية الخاطرة معطيات الله تعالى (وقبضه منك بأجر كبير).... وهكذا عندما تحدث قائلاً: «ان أنفسنا وأهلينا وموالينا من مواهب الله السنية وعوارفه المستودعة» أوضح في نهاية الخاطرة موقع الموت من ذلك فقال: «وكان ابنك من مواهب الله السنية وعوارفه المستودعة...». اذن: رأينا كيف أن هذه الخاطرة السريعة قد صيغت بنحو محكم كل الاحكام من حيث جميع المفردات التي طرحها في الخاطرة (الأجر، والصبر، والشكر، والمواهب السنية والعوارف المستودعة) فوصل بعضها مع الآخر، ورتب على كل منها مقدمات ونتائج، ووصل بين ما هو خاص (موت الابن) وما هو عام (معطيات الله) وطريقة التعامل مع المعطيات،... كل اولئك تم - عبر خاطرة سريعة- ولكنها جسدت عمارة فنية أحكمت خطوطها وفق المبني الهندسي الذي اوضحناه. ******* (46) جمهرة الرسائل: ص 23. (47) نفس المصدر: ص 36. (48) نفس المصدر: ص 46. (49) نهج الفصاحة: ص 651. (50) نفس المصدر: ص 654. (51) نفس المصدر: ج 1، ص 224، 225. (52) جمهرة الوسائل: ج 1، ص 65، 66. ******* العنصر الصوري - 4 2006-08-02 00:00:00 2006-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1485 http://arabic.irib.ir/programs/item/1485 قلنا ان الحديث النبوي قد يتوفر على صياغة الاشكال الصورية جميعاً، ففي صعيد: الصورة التشبيهية نجد انه (صلى الله عليه وآله) قد استخدم الصور التشبيهية في مستويات متنوعة: من حيث الاجمال والتفصيل والافراد والتركيب، الخ، واليك طائفة من الصور التشبيهية في مستوياتها المتنوعة: 1- الدال على الخير كفاعله. لا حسب كحسن الخلق. ليكن الرجل منكم كزاد الراكب. 2- الغل والحسد يأكلان الحسنات كما تأكل النار الحطب. (17) 3- اعبد الله كأنك تراه (18). اتقوا دعوة المظلوم فانها تصعد الى السماء كانها شرارة. (19) 4- لو كان لي مثل احد ذهباً لسرني الا تمر علي ثلاث وعندي منه شيء. (20) 5- الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر. (21) 6- ما شبهت خروج المؤمن من الدنيا الا مثل خروج الصبي من بطن امه من ذلك الغم. (22) 7- استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك. (23) 8- الله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضال الواجد. (24) 9- لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم. (25) 10- مثل المؤمن كمثل النحلة لا تأكل الا طيباً ولا تضع الا طيباً. (26) 11- مثل اهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تـخلف عنـها غـرق. (27) 12- مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وانتم تفلتون من يدي. (28) هذه الأنماط من التشبيهات تجسد مستويات متنوعة، حيث استخدم التشبيه من خلال أدواته الثلاث (الكاف، كأن، مثل) واستخدم من خلال العبارات التي تقوم مقام الأداة (بمنزلة، شبهت، استحياءك) واستخدم من خلال التفاوت (أفرح) (أهون)، واستخدم من خلال ما هو مجمل (كفاعله) وما هو مفصل كالتشبيهات الواردة عن الذهب والصبي والسفينة، واستخدم من خلال (المثل) أو (القصة) كالنماذج الثلاثة الأخيرة. *******الصورة التمثيليةهذا النمط من التركيب الصوري يستخدم بغزارة في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) حتى ليكاد يماثل أو يتجاوز عنصر (التشبيه). ولعل السر في ذلك هو: أن (التمثيل) بمثابة (تعريف) للشيء، و«التعريف» أوسع مجالاً من غيره في توضيح الدلالة وتحديدها وان كانت اشكاله محدودة لا تصل الى التنوع الذي نلحظه في التشبيه، واليك طائفة من «التمثيلات» ومستوياتها المتنوعة التي وردت في تصانيف كلامه (صلى الله عليه وآله): 1- (الصلاة: ميزان، فمن أوفى استوفى)، (النساء: حبالة الشيطان). (29) 2- (لسان القاضي: بين طريقين، اما الى الجنة واما الى نار). (30) 3- (ان أفواهكم: طرق للقرآن، فطيبوها بالسواك). (31) 3- (المسلمون: اخوة). (الندم: التوبة). (32) 4- (جمال المرء: فصاحة لسانه). (تحفة المؤمن: الموت). (33) 5- (جعلت الذنوب كلها في بيت، وجعل مفتاحها في شرب الخمر). (34) ان هذه النماذج (التمثيلية)، تفصح عن مستويات متنوعة من الصورة، فهناك: الصورة المفردة والمجملة (المسلمون اخوة) والصورة المضافة (النساء حبالة الشيطان) والصورة المفردة المفصلة (الصلاة: ميزان، فمن أوفى استوفى) والصورة المركبة (جعلت الذنوب). وهناك (التمثيل) القائم على تعريف الشيء (المسلمون اخوة) حيث عرف المؤمنين بأنهم اخوة، والتمثيل القائم على تحديد بعض خطوطه (ان افواهكم طرق للقرآن)، والتمثيل القائم على تجسيده (جعلت الذنوب كلها في بيت... )، وهناك (التمثيل) المضاد مثل (جمال المرء: فصاحة لسانه) مقابل التمثيل الاعتيادي، حيث عرف الجمال بكونه (فصاحة) مع ان المقصود هو كون الفصاحة: جمالاً، الا أنه (صلى الله عليه وآله) صاغ التمثيل بنحوه المضاد: تحسيساً بأهمية الفصاحة. وكذلك قوله (تحفة المؤمن: الموت) حيث عرف التحفة بأنها هي الموت مع ان المقصود هو ان الموت هو تحفة المومن: تحقيقاً لنفس الهدف ألا وهو التركيز ولفت الانتباه لما هو (تحفة) يتطلع اليها الانسان، بعكس الموت الذي قد يتلكاً الانسان في تقبله. *******الصورة الاستعاريةالملاحظ انه (صلى الله عليه وآله) يقل من (الصور الاستعارية) بالقياس الى (التشبيه) و(التمثيل) والا فان استخدامه لهذا العنصر يظل ملحوظاً: مادامت الاستعارة تسعف القارىء في فهمه لدلالة النص وتعميقه: من خلال مجانستها لتجارب الحياة المتنوعة وتناول التأثيرات فيما بينها، ويمكننا رصد مستويات الاستعارة في الكلام المأثور عنه في نماذج متنوعة، منها: 1- من عد غداً من أجله فقد اساء صحبة الموت. (35) 2- من ألقى جلباب الحياء... اذا أراد الله بقوم نماء رزقهم السماحة والعفاف، واذا أراد بقوم انقطاعاً: فتح عليهم باب الخيانة. (36) 3- ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين. (37) 4- يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل ما تلف من دينه اذا سلمت له دنياه. (38) 5- اذا اراد الله ان يوقع عبداً اعمى عليه الحيل. (39) 6- تعلموا العلم، فان تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح... وسالك بطالبه سبل الجنة. (40) 7- اذا أراد الله بعبده خيراً فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين والصدق. (41) هذه النماذج الاستعارية، تضمنت مستويات متنوعة عن التركيب: 1- فقد أعارت ما هو غير بشري، صفة بشرية (أساء صحبة الموت)، أعارت ما هو معنوي بشري صفة حسية بشرية (أعمى عليه الحيل)، أعارت ما هو غير حسي: صفة حسية (تلف الدين، وسلامة الدنيا)... 2- صاغت الاعارة بنمطيها: النمط الذي يخلع صفة جزئية على الشيء مثل: جلباب الحياء، باب الخيانة، قفل القلب، سبل الجنة الخ. والنمط الذي يخلع صفة كلية على الشيء مثل: تلف الدين سلامة الدنيا، رزق السماحة الخ... 3- داخلت بين الاستعارة وغيرها من الصور مثل (التمثيل) (تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح) ثم: فرعت على ذلك استعارة هي (وسالك بطالبه سبل الجنة). 4- فرعت على الاستعارة: صوراً متنوعة ملازمة لها مثل (فتح له قفل قلبه) وهذه هي الاستعارة، وقد فرع عليها ما هو ملازم لفتح القلب (وجعل فيه - أي القلب- اليقين والصدق...). *******الصورة الاستدلالية والرمزيةفي حديثنا عن الصور القرآنية الكريمة، أوضحنا أن الفارق بين الصور الرمزية والاستدلالية، أن الاولى يحذف فيها أحد طرفي الصورة ويرمز لها بالطرف الآخر. وأن الثانية يذكر فيها الطرف الأول ويستدل على الآخر: بالرمز بدلاً من الحذف. وقد استخدم النبي (صلى الله عليه وآله) في احاديثه كلاً من الصورتين، الا أنه اكثر من الصورة الاستدلالية وقلل الصورة الرمزية: لسبب واضح هو أن الرمز يقترن بشيء من التأمل الذهني لاستخلاص دلالته، بينا تتكفل الصورة الاستدلالية بتوضيح ذلك من خلال تقديمها ظاهرة حسية للتدليل على الشيء. واليك طائفة من الصور الاستدلالية والرمزية التي وردت في تضاعيف كلامه (صلى الله عليه وآله): 1- أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات هل يبقي من درنه شيء؟ (42) 2- كما لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينزل الفجار منازل الأخيار. (43) 3- من يدم يقرع الباب يوشك أن يفتح له. (44) 4- احثوا التراب في وجه المداحين. (45) فالنموذجان (1،2) يجسدان الصورة الاستدلالية في أمثلتها الحية التي تبلور وتجلي وتعمق الهدف المقصود، ففي الصورة التي تتحدث عن الاغتسال بالنهر خمس مرات يومياً: يتعمق مفهوم الصلاة ومعطياتها التي تتمثل في غسل ذنوب الانسان وتطهير أعماقه من أوساخ السلوك... وفي الصورة التي تتحدث عن القتاد (وهو الشجر الصلب الذي يحمل شوكاً حاداً) يتعمق مفهوم (التعاون مع الظالمين)، فالذي يتعاون مع الظالم يتخيل انه يمكنه من أن يفيد الآخرين، انما يقوم تخيله على أساس مخطىء حيث لا يمكن ان يتعاون الشر والخير،... وحينئذ يكون الاستدلال بأن القتاد لا يمكن ان ينتج ثمراً بقدر ما ينتج شوكاً، صورة (بديلة) تعمق وتوضح مفهوم التعاون مع الظالمين فيما لا ينتج الا شراً... أما النموذجان رقم (3،4) فيجسدان (رمزين) أولهما هو: قرع الباب وما يترتب على مداومة القرع من فتحه، حيث يرمز (القرع) الى العمل والمداومة عليه، ويرمز (الفتح) الى نتائج العمل،.. ويكون هدف الصورة الرمزية هو: أن عمل الخير يفضي الى المعطيات التي يتطلع اليها الانسان. واما الرمز الآخر (احثوا التراب في وجه المداحين) فإن (التراب) يرمز الى ضرورة اسكات الشخص المادح وعدم السماح له بممارسة هذا السلوك، نظراً لكونه: نابعاً اما عن سلوك مخادع يستهدف صاحبه كسب التقدير المادي والمعنوي، أو لاستتباعه جعل الممدوح يعجب بذاته مما فيه هلاك الانسان دون ادنى شك. *******(17) نهج الفصاحة: ص 432. (18) نفس المصدر: ص 65. (19) نفس المصدر: ص 8. (20) نفس المصدر: ص 496. (21) نفس المصدر: ص 406. (22) نفس المصدر: ص 546. (23) نفس المصدر: ص 53. (24) نفس المصدر: ص 466. (25) نفس المصدر: ص 472. (26) نفس المصدر: ص 561. (27) نفس المصدر: ص 560. (28) نفس المصدر: ص 565. (29) نفس المصدر: ص 635. (30) نفس المصدر: ص 472. (31) نفس المصدر: ص 120. (32) نفس المصدر: ص 626. (33) نفس المصدر: ص 236. (34) نفس المصدر: ص 276. (35)تحف العقول: ص 49. (36) نهج الفصاحة: ص 28. (37) نفس المصدر: ص 51. (38) تحف العقول: ص 52. (39) نهج الفصاحة: ص 32. (40) تحف العقول: ص 28. (41) نهج الفصاحة ص 27. (42) نفس المصدر: ص 695. (43) نفس المصدر: ص 462. (44) نفس المصدر: ص 622. (45) نفس المصدر: ص 16. ******* عناصر الحديث الفني - 3 2006-07-12 00:00:00 2006-07-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1388 http://arabic.irib.ir/programs/item/1388 يظل الحديث المأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) - كما قلنا- غنياً بعنصر (الصورة) أولاً وبعنصر (الصوت) ثانياً. وسبب ذلك أن الحديث بصفته متميزاً عن الاشكال الاخرى بقصره من جانب وبتضمنه لكل مبادىء الاسلام من جانب آخر: حينئذ فان الاهتمام بتوشيحه بعناصر الصورة والصوت يساهم في اجتذاب المتلقي وجعله معنياً به ومن ثم الافادة منه، وهو الهدف الرئيس من وراء صياغة الحديث. اما احتشاد الحديث بعنصر (الصورة) أولاً، فلان الصورة تساهم في تعميق الدلالة المستهدفة وتوضيحها: حيث ان التشبيه والاستعارة والرمز وسواها تجلي وتبلور وتوضح وتعمق الدلالة، وتجعل الاهتمام - بما ينطوي عليه الحديث من اهداف- اكثر دون ادنى شك. واما عنصر «الصوت» أو «الايقاع» حيث يجيء في المرتبة الثانوية‌ فلأنه ينطوي على بعد «جمالي» يجتذب المتلقي فيساهم في تشويقه على تلقي الحديث وحمله على النظر فيه، ومن ثم: الافادة منه من خلال اقترانه بما هو جميل، حيث ان اقتران الشيء بما هو محبب الى النفس يجعل الافادة من مضمونه: أسرع واعمق. وأياً كان، يعنينا ان نقدم نماذج من احاديث الرسول (صلى الله عليه وآله)، مشيرين الى انه (صلى الله عليه وآله) قد توفر على تقديم الحديث بكل مستوياته الفنية بحيث يمكننا - في مجال الصورة مثلاً- ان نرصد الاشكال التركيبية المختلفة في هذا الجانب، مثل: الصورة التشبيهية، الصورة التمثيلية، الصورة الاستعارية، الصورة الرمزية، الصورة التضمينية، الصورة الاستدلالية، مضافاً الى «الصورة المباشرة» التي تعنى بنقل ما هو (مرئي حسي) أو ما هو صوغ فني قائم على (التقابل) و(التوازي) و(التضاد) بين الظواهر.... والأمر نفسه بالنسبة الى عناصر (الصوت) أو (الايقاع) من حيث تنوع اشكاله: سجعاً، وتجانساً بين أصوات، وتوازن جمل، وتناسقها، وجرساً للمفردة، وايقاعاً داخلياً: يجانس بين صوت العبارة ودلالتها... ويحسن بنا الآن ان نعرض نماذج من الأحاديث وفقاً لمستوياتها الصورية والصوتية، بادئين اولاً بـ: ******* الاحاديث - 2 2006-08-02 00:00:00 2006-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1387 http://arabic.irib.ir/programs/item/1387 قلنا: أن أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) تحتل مساحة كبيرة من كلامه (صلى الله عليه وآله) طالما تتضمن: تذكيراً بمبادىء الله تعالى، وحثاً عليها: عقائدياً وفقهياً واخلاقياً والغالبية منها تأخذ شكلاً مستقلاً، نجهل كيفية صدورها، وان كنا نتوقع القاءها على شكل مواعظ ينثرها في مجالس خاصة، أو عامة، كما أن الكثير منها يرد في تضاعيف وصاياه (صلى الله عليه وآله) حيث تشكل سلسلة أحاديث متنوعة، فضلاً عما يرد منها خلال الخطب والرسائل الى ولاته. والحديث يتسم بالقصر في الغالب، ولكنه قد يطول حتى يمكن أن نعده (خاطرة)، ثم قد يمتد حتى يمكن عده (مقالة) أو شكلاً فنياً آخر كالمحاورة مثلاً... ويمكننا أن نلحظ المستويات التالية من الصياغة للحديث:*******الحديث العام وهو الحديث الذي يتضمن: ظاهرة مفردة مثل (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، (3) أو يتضمن ظاهرتين أو مقارنتين مثل (المؤمن دعب لعب، والمنافق قطب غـضب) (4)...، او يتضمن ثلاث ظواهر فصاعداً، مثل: (ان من البيان سحراً، ومن العلم جهلاً، ومن القول عياً) (5)، ومثل: (من أبتلي فصبر، واعطي فشكر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). (6) (الأحاديث المتقدمة: توكأت على الرمز، والاستعارة، والتقابل، والايقاع). *******الحديث المصنف وهذه الأحاديث قد تم صياغتها في ثنائيات، أو ثلاثيات، أو رباعيات.... مثل: (نعمتان مجهولتان) (ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب...) (7) (أربعة يذهبن ضلالاً: الأكل بعد الشبع... ). (8) *******الحديث العلمي وقد يأخذ الحديث شكل التصنيف العلمي لسمات الشخصية مثل (وأما علامة الصابر فأربعة...) ونجد بعض الأحاديث تعنى بسمات الشخصية الرئيسة والفرعية على نحو ما نلحظه في التصنيف العلمي المعاصر (في مجال علم نفس الشخصية)، وهذا من نحو تعريفه (صلى الله عليه وآله) للعقل: (ان العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب، فان لم تعقل حارت... وان الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل.. الخ)، ثم يعرض (صلى الله عليه وآله) عشر سمات رئيسة تتفرع كل واحدة من الاخرى (فتشعب من العقل: الحلم، ومن الحلم: العلم، ومن العلم: الرشد، ومن الرشد: العفاف، ومن العفاف: الصيانة، ومن الصيانة: الحياء، ومن الحياء: الرزانة، ومن الرزانة: المداومة على الخير، ومن المداومة على الخير: كراهية الشر، ومن كراهية الشر: طاعة الناصح)، ثم يفرع (صلى الله عليه وآله) على كل سمة عشر سمات اخرى فتصبح مائة سمة. (9) بل أن الأحاديث المتفرقة التي تجمع ضمن (وصايا) النبي (صلى الله عليه وآله) مثل وصيته (يا علي ثلاث يقبح بهن الصدق: النميمة، واخبارك الرجل عن أهله بما يكره، وتكذيبك الرجل عن الخبر) (10)، أمثلة هذه الأحاديث تظل خاضعة لملاحظات عبادية ترصد سمات الانسان وفق منهج علمي دقيق، سوف نعرض له لاحقاً. وبالرغم من أن أمثلة هذا التصنيف ينتسب الى (المعرفة النفسية) وليس (الأدب)، الا ان الصياغة اللغوية لها ذات طابع أدبي، حيث لحظنا في التصنيف الأول: تشبيهاً ومجازاً (مثل أخبث الدواب)، (فقال له أقبل، فأقبل)، ونلحظ حتى في التصنيف سمة (التقابل من خلال التضاد) وهذا من نحو: واما العلم فيتشعب منه الغنى وان كان فقيراً، والجود وان كان بخيلاً، والمهابة وان كان هيناً، والسلامة وان كان سقيماً،.... *******الحديث القصصي وهو الحديث الذي يأخذ شكل (المحاورة الأدبية)، وهذا من نحو محاورته (صلى الله عليه وآله) للسائل الذي سأله عن (العقل) وقدم له التصنيف العلمي المشار اليه، ثم واصل كلامه مع الشخص، وأرشده الى الطريقة التي يتغلب من خلاله على كيد الشيطان،‌ فقال له: (فاذا أتاك - اي الشيطان- وقال: قد ذهب مالك، فقل: الحمد الله الذي أعطى واخذ، وأذهب عني الزكاة فلا زكاة علي، اذا قال لك، الناس يظلمونك وانت لا تظلم، فقل: انما السبيل يوم القيامة على الذين يظلمون الناس وما على المحسنين من سبيل. اذا اتاك وقال: ما اكثر احسانك يريد ان يدخلك العجب، فقل: اساءتي اكثر من احساني. واذا اتاك وقال: ما اكثر صلاتك، فقل: غفلتي اكثر من صلاتي. واذا قال لك: لم تعطي الناس، فقل: ما اخذ اكثر مما اعطي...). (11) فالملاحظ هنا أن (المحاورة) ذات طابع قصصي ممتع يجريها النبي (صلى الله عليه وآله) على لسان الشيطان والانسان، حيث يجسد مثل هذا الشكل الادبي: عنصراً حيوياً منطوياً على التشويق في متابعة هذا الحوار الذي يأخذ طابع (الحوار الداخلي)، الذي يجريه الانسان بينه وبين نفسه حينها يوسوس له الشيطان بعمل السوء... فاذا كان الحديث المباشر يحمل فاعلية التأثير بنحو عام، فان الحديث غير المباشر - اي الذي يعتمد شكلاً قصصياً او غيره- يظل بدوره اداة اخرى يستخدمها المشرع الاسلامي في احداث تأثير اشد واكثر امتاعاً: على هذا النحو الذي لحظناه في صياغة النبي (صلى الله عليه وآله) للمحاورة المشار اليها. ان المحاورة القصصية التي يصوغها النبي (صلى الله عليه وآله) تظل منتسبة الى ما هو (واقع) وليس اصطناعاً لمواقف او حوادث، فهو (صلى الله عليه وآله) يترسم خطى القرآن الكريم في الركون الى ما هو (واقع) حتى في المحاورة التالية التي يجريها النبي على لسان العناصر الكونية من أرض وجبل وحديد و... الخ، فلو تابعنا المحاورة المذكورة التي سأل فيها السائل: عن العقل وتابع فيها النبي (صلى الله عليه وآله) ارشاداته للسائل المذكور: لوجدناه يتابع ارشاده لهذا السائل فينتقل به الى الظاهرة الكونية وكيفية ابداعها، فيجري هذه المحاورة بين عناصر الكون (على نحو المجاز) الا أن هذا المجاز نفسه (واقع) وليس وهماً، يقول النص: (ان الارض فخرت وقالت: اي شيء يغلبني؟ فخلق الله الجبال فأثبتها على ظهرها أوتاداً من أن يمتد بما عليها فذلت الأرض واستقرت. ثم ان الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت: أي شيء يغلبني؟ فخلق الحديد، فقطعها فذلت...) (12) فالمحاورة هنا بين الارض والجبل، والجبل والحديد الخ، تنطوي على دلالة (مجازية) لما هو (واقعي) اي: أن الله تعالى سخر العناصر الكونية وذللها من حيث التفاعلات الحادثة فيما بينها لتفيد المخلوقات منها على شتى مستوياتها، وهذا من نحو قوله تعالى: (فقال لها وللأرض ائتيا: طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) فمخاطبته تعالى لهذه القوى هي (ارادته تعالى) وآتينا هما طائعين وهو تجسيد لذلك سواء أكان هذا التجسيد حركة أم فكراً أم احساساً أم كلاماً صامتاً او منطوقاً.. يضاف الى ذلك أن تسبيح الكون الذي لا نفقهه - بصريح الآيات القرآنية التي تشير الى ذلك - وتأبي الأرض والجبال لتحمل الأمانة - بصريح الآية الكريمة: «انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال...». هذه الحقائق تشير الى ان النبي (صلى الله عليه وآله) حينما يصوغ حواراً على ألسنة عناصر الكون - وقد كان داود وسليمان يتعاملان مع بعض هذه العناصر- فانه ليختلف عن البشر العادي الذي لا يفقه شيئاً من اسرار الكون،... لذلك فان امثلة هذه المحاورة لابد من ان تنطوي على (واقع): كل ما في الامر، ان المحاورة تستهدف - من خلال لغة المجاز- لفت النظر الى حقائق الظواهر الكونية وتسخيرها للمخلوقات (الانسانية منها بخاصة حيث اسجد الملائكة لها: تحسيساً بخطورتها التي تقتاد بالشخص الى ان يصبح افضل من الملائكة في حالة الطاعة وان يصبح احط من البهائم في حالة المعصية). واذا كان النص المتقدم يتضمن عنصر (المحاورة)، فهناك من النصوص ما يتضمن عنصر (الحكاية) او الحديث المشفوع بـ(المثل) الذي لحظناه في (الصورة) القرآنية الكريمة... لقد نسب الى النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (اني ضربت للدنيا مثلاً ولابن آدم عند الموت: مثله: مثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: انك كنت لي خليلاً وكنت أبر الثلاثة عندي، وقد نزل بي من امر الله ما ترى فماذا عندك؟.. فيقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر الله قد غلبني ولا استطيع أن انفس كربتك ولا افرج غمك، ولا اؤخر ساعتك، لكن ها أناذا بين يديك فخذني زاداً تذهب به معك فانه ينفعك) ثم يتحدث الثاني بنفس اللغة فيشير الى انه تولى غسله وتكفينه، ويأتي دور الثالث فيقول الرجل له: (كنت أهون الثلاثة علي وكنت لك مضيعاً وفيك زاهداً فما عندك؟) ويجيبه: (اني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة ادخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج منه ولا أفارقك أبداً. هذا ماله وأهله وعمله. (13) واضح، أن احاديث كثيرة تشير الى هذا الجانب وتجري حواراً على ألسنة هذا الثلاثي بالنحو المذكور حيث تجسد أمثلة هذا الحوار تعبيراً (مجازياً)، عما ينفع وعما لا ينفع من السلوك، وحيث يظل (العمل الصالح) هو المستهدف من ذلك. *******الحديث الفني يظل الحديث المأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) أكبر النصوص حجماً - كما أشرنا-، كما يظل أشدها احتفاء بقيم الصوت والصورة. والسر في ذلك (من حيث ضخامة العدد) أن الحديث - ونعني به القصير حجماً فيما لا يتجاوز نطاق الجملة أو اكثر- يتكفل ببيان مئات أو آلاف الظواهر العبادية المختلفة: وهذا ما لا يتوفر في الخطب والرسائل مثلاً الا ان يتخللها الحديث القصير، وحينئذ فان (الحديث) هو الذي يأخذ استقلاله من خلال الخطبة أو الرسالة أو الوصية: فيكثر عدده حينئذ. *******الحديث والوصايا ويلاحظ أن (الوصايا) المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) ومنها وصاياه للامام علي (عليه السلام) تظل - في واقعها- مجموعة أحاديث من نحو: (يا علي: إنه لا فقر أشد من الجهل، ولا مال اعود من العقل... الخ، يا علي: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان... الخ، يا علي: ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس وطيب الكلام والصبر على الأذى.. الخ). (14) وهكذا تمضي الوصية بنشر أحاديث مستقلة من جانب ولكنها متجانسة من جانب آخر، حتى انه (صلى الله عليه وآله) اخضع هذه الأحاديث لهيكل فني من حيث الخطوط التي تجمع بين الأحديث، فهو (صلى الله عليه وآله) عندما يستهل كل مجموعة أو مقطع بمخاطبة الامام علي (عليه السلام): يردفها بأحاديث متجانسة، وهذا من نحو المقطع التالي: (يا علي: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الفترة، وافة السماحة: المن...) (15) فالجامع بينها هو مصطلح (آفة) حيث وصله بالكذب والنسيان والفترة والمن من حيث صلتها بالحديث والعلم والعبادة والسماحة... ومن نحو (يا علي: ثلاث من ابواب البر:‌ سخاء النفس، وطيب الكلام، والصبر على الأذى. ومن نحو (يا علي: ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك،‌ والاصلاح بين الناس) (16) فالمكيدة في الحرب، وعدة الزوجة، والاصلاح بين الناس: تجسد سلوكاً مشتركاً يستخدم فيه (الكذب) الذي يفضي الى عمل الخير، فاستخدام الحيلة حيال العدويعد انتصاراً للخير لأنه الانتصار على العدو - وهو الشر- انتصار للخير وكذلك الاصلاح بين الناس، فعندما تكذب على أحد المتخاصمين وتقول له: ان خصمك قد مدحك، حينئذ تكون بهذا الكذب قد مسحت ما في اعماق هذا الرجل من حقد وثورة على غريمه،... وكذلك عندما تعد زوجتك بشراء حاجة وانت على معرفة كاملة بأن هذه الحاجة لا ضرورة لها أو انها توثر على دخلك: حينئذ تكون قد مارست عملية اقتصاد تعصمك من الافلاس والمتاعب: بخاصة ان المرأة - غالباً- تصدر عن سلوك عاطفي لا تفكر من خلاله بدخل الرجل وامكاناته او لا تفكر من خلاله بنتائج اقتناء الحاجة غير الضرورية، ‌اما لاستتباع ذلك فساداً أو ترفاً يتنافى مع ضرورة تدريب الانسان على تناول ما هو ضروري فحسب. ومهماً يكن، فان ما نستهدفه من هذا العرض للاحاديث هو: انها تخضع فنياً الى تخطيط فكر تتلاحم من خلاله موضوعات هذه الاحاديث وتخضع لخيط فكري يوحد بينها، بالنحو الذي لحظناه. ******* (3) نفس المصدر: ص 334. (4) تحف العقول: المكتبة الاسلامية، طهران، ص 49. (5) نهج الفصاحة: ص 185. (6) التوحيد: للصدوق، منشورات جماعة المدرسين، ص 113. (7) نهج الفصاحة: ص 362. (8) تحف العقول: ص 10. (9) نفس المصدر: ص 16، 19. (10) نفس المصدر: ص 11. (11) نفس المصدر: 24. (12) نفس المصدر: ص 25. (13) نهج الفصاحة: ص 688. (14) تحف العقول: ص 7. (15) نفس المصدر: ص 7. (16) نفس المصدر: ص 9. ******* الادب النبوي - 1 2006-08-02 00:00:00 2006-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1251 http://arabic.irib.ir/programs/item/1251 ألمح القرآن الكريم الى ان النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى، وهذا الالماح ينسحب ليس على النص القرآني بل على‌ السنة النبوية في مختلف مظاهرها، ومنها تصريحه (صلى الله عليه وآله) بانه افصح العرب … والفصاحة هنا - كما هي وجهة نظر علماء البلاغة الموروثين في صف كبير منهم - هي البلاغة، أي مترادفة، وليست مقصورة على الكلمة من جانب ولا على البعد الصوتي من جانب آخر، بل تتجاوزه الى البعد الادراكي في مختلف انماطه الجمالية… وفي تصورنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) عندنا يقرر بأنه (افصح العرب) لا (ابلغهم) مع ملاحظة ان المعصوم (صلى الله عليه وآله) لا يستخدم العبارة كاستخدامنا - نحن العاديين من البشر- بلى يجيء الاستخدام معصوماً من الخطأ أو الخلل الفني أيضاً، ولذلك نحتمل مقدماً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) يقصد من العبارة المذكورة ما يتناول الجانب الصوتي والدلالي والكلام، ‌فيصف ذاته (صلى الله عليه وآله) بأنه أفصح العربى... واذا أدركنا هذه الحقيقة، فلنا - حينئذ- أن نستخلص مدى (ادبية) النصوص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) مما تعني ان فصاحته التي يتفرد بها مماثلة للمعرفة اللدنية التي الهمها الله لمحمد (صلى الله عليه وآله) واذا كانت المعايير البشرية في ميدان الفصاحة والبلاغة تقترن بمدى التجربة التي يمارسها الفرد، فان المعصوم (عليه السلام) يظل على صلة وثقى بها من جانب، كما يظل بمنأى عن هذه المعايير من جانب آخر، أي ما تفرضه المعايير الاجتماعية التي تصاحبها الحذلقة والزخرف والتخيل الموهوم والفضول: في الأدب البشري العادي. من هنا نجد أن المأثور من كلامه (صلى الله عليه وآله) يجمع بين ما هو (عام) من اللغة التوصيلية وبين ما هو (خاص) من اللغة الموشحة بعناصر صورية أو ايقاعية، علماً ان العنصر (اللفظي) يراعى من خلاله احكام العبارة وانتخابها واخضاعها لمتطلبات التقديم والحذف والاختزال وادوات الوصل والاعتراض والتعقيب والتأكيد، هذه المستويات اللفظية والتركيبية تلعب دوراً كبيراً في جعل العبارة (فنية) الطابع: دون أن ينحصر الفن أو الفصاحة أو البلاغة في قيمها الصورية والايقاعية، وحتى «العنصر الايقاعي» فان انتخاب العبارة من حيث جرسها وموقعها من مجموع النص ومن حيث طولها أو قصرها: أولئك جميعاً تشكل عنصراً «ايقاعياً» له أهميته دون أن ينحصر الايقاع في الوحدات الصوتية المنتظمة من قافية او سجع او وزن أو توازن بين الجمل،.. بل حتى العنصر (الصوري) لا ينحصر في رصد العلاقة بين ظاهرتين واستخلاص صورة رمزية او استعارية‌ او تشبيهية منها، بل أن رصد ما هو (واقع) فعلاً مثل صورة جعل الأصابع في الآذان واستغشاء الثياب على الوجوه، كما سبقت الاشارة الى‌ ذلك في حديثنا عن الصورة القرآنية الكريمة يظل موسوماً بنفس الأهمية التي تنطوي عليها الصورة المركبة، طالما يظل السياق هو الذي يحدد قيمة الصورة وما ينبغي ان تكون عليه من طابع مباشر أو غير مباشر... وفي ضوء هذه الحقائق، نتقدم الى عرض سريع للنصوص النبوية الكريمة التي تعد مادة أدبية لها قيمتها الكبيرة فنياً ومضمونياً بحيث أصبحت - في الوقت ذاته- مصدراً ثانوياً للاقتباس والتضمين الأدبي بعد القرآن الكريم، حيث يبرز الأدب الجديد متأثراً بهذين المصدرين (القرآن والسنة النبوية) مضافاً الى بروز العصور الأدبية اللاحقة التي تضيف الى ذلك مصادر أخرى - وفي مقدمتها أدب الامام علي (عليه السلام) بخاصة، واهل البيت (عليهم السلام) بعامة - كما سنرى ذلك لاحقاً. المهم، أن نبدأ الآن بما هو مأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فنقول: يمكن الذهاب الى أن (الأحاديث) المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) تحتل المساحة العظمى من ذلك، تليها (الرسائل) التي وجهها الى رؤساء الدول والامارات، وولاته وسواهم، ثم الخطب والوصايا. والسر في ذلك، أن (الأحاديث) هي التي تضطلع - في الغالب- بتوصيل المبادىء الاسلامية الى الآخرين، وأما الخطب - فبالرغم من أنها تتضمن كثيراً من مادة (حديثية) أيضاً، الا ان اقترانها بوجود (المناسبات) يجعلها اقل حجماً من الاحاديث دون أدنى شك، وكذلك الرسائل نظراً لانحصارها بدءً - في رسائل سياسية فرضتها حقبة معينة من تأريخ الاسلام، وانحصارها - استمرارياً- في كتبه الى الولاة الذين يتحدد عددهم دون ادنى شك والأمر نفسه بالنسبة الى وصاياه (صلى الله عليه وآله) حيث تنحصر في عدد محدود واما الأشكال الأدبية الأخرى فلم يتوفر عليها (صلى الله عليه وآله) وفي مقدمتها الشعر حيث ان الشعر (في حد ذاته) تعبير عاطفي عن الحقائق وهو امر يتنافى مع شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) وشخصيات أهل البيت (عليهم السلام) كما سنرى، مضافاً الى أن القرآن الكريم نزه النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك بقوله تعالى: «وما ينبغي له»، بل أن النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه في بعض أحاديثه أشار الى قضية الشعر وبغضه لهذا الفن الى درجة انه قرنه ببغض الاوثان ايضاً حيث قال (صلى الله عليه وآله): ‌«لما نشأت بغضت الي الأوثان وبغض الي الشعر». (1) أما ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله): من «الرجز» في بعض المعارك: فلعله من متطلبات المناخ العسكري الذي يتطلب تأجيج العواطف لحمل الآخرين على مواصلة الجهاد في سوح المعركة... كما أن مباركته (صلى الله عليه وآله) لبعض الشعراء أو تثمينه للشعر في بعض الأحاديث فيقابلها ما ورد عنه من أحاديث تضاد ذلك مثل (لأن يمتلىء جوف احدكم قيحاً، خير من أن يمتلىء شعراً)، (2) حيث يمكن أن يستخلص مورخ الأدب من خلال جمعه بين هذه الاحاديث بأن الشعر بعامة موسوم بالكراهة الا في سياقات خاصة يتطلبها الموقف، بخاصة اذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الشعر يحتل أهمية ضخمة عند العرب آنذاك، وحينئذ فان استخدامه وسيلة اعلامية: يظل أمراً طبيعياً تفرضه طبيعة التركيبة الاجتماعية، ولذلك طلب من الشعراء ان يهجوا المشركين مثلاً، واما عدا ذلك فيظل الشعر كما صرح (صلى الله عليه وآله) بذلك وكما هي طبيعته التي تعتمد الانفعال الحاد في التعبير عن الحقائق - امراً غير مرغوب فيه: بخاصة في مقام النبوة والامامة، بل في مطلق المقامات لذلك لا يمكن الذهاب الى ان ذم الشعر ينحصر في ما هو سلبي منه، لأنه لو كان كذلك لكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول الشعر- كما يقول النثر، فكما انه استخدم الخطبة والخاطرة والمقالة والحديث والمحاورة وغيرها ادوات لتوصيل رسالة الاسلام، كان بمقدوره ان يستخدم الشعر ايضاً... لكن بما انه لم يستخدم هذا السلاح حينئذ نستخلص بكونه غير مرغوب فيه للاسباب العاطفية التي تقترن به. يضاف الى ذلك: أن ما ورد من النهي عن انشاد الشعر في المسجد او الاوقات الخاصة، لا يمكن حمله على ما هو سلبي من الشعر، لأن الشعر السلبي منهي عنه في الحالات جميعاً سواء أكان في المسجد أم في غيره كما هو واضح. ******* (1) نفس المصدر: ص 482. (2) نفس المصدر: ص 470. *******