اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | نور من كربلا http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb عثر الدهر ويرجوا أن يقالا - 16 2017-11-05 12:10:13 2017-11-05 12:10:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/15411 http://arabic.irib.ir/programs/item/15411 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. أطيب التحيات نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج نستنير فيه بنور آخر من أنوار كربلاء والقيام الحسيني والزينبي المقدس. أيها الإفاضل، بين النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – وفي عديد من أحاديثه الشريفة المروية في المصادر المعتبرة عند مختلف الفرق الإسلامية.. عمق أبعاد مظلومية سبطه الحسين الشهيد وفاجعة عاشوراء الدامية وما تلاها من فجائع نزلت بأهل بيته المكرمين.. كان ذلك قبل وقوع الفاجعة تنبيهاً منه – صلى الله عليه وآله – لأمته ولسائر أجيال المسلمين على ما يضمره أعداؤه من أشياع آل أبي سفيان لأهل بيته الكرام – عليهم السلام -. وكان – صلى الله عليه وآله – أول الباكين على سبطه الحسين لعظم تلك الفاجعة.. فدموع من يقتدى به في هذا البكاء المقدس تشع بأنوار البراءة من أعداء المحمدية البيضاء من أشياع آل أبي سفيان ونظائرهم من الأولين والآخرين.. وهذه الأنوار هي التي تجعل شعار أنصار خاتم الأوصياء المحمديين (يا لثارات الحسين) فهم المحمديون الصادقون في نصرة الحق وإزالة كل ظلم وجور أدى الى وقوع تلك الفاجعة العظمى. تحت عنوان (عثرة للدهر.. لا تقال) كتب الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة في إطلالة على إحدى روائع الأدب الحسيني يقول: من أفق عال ينظر السيد حيدر الحلي، ومن هذا الأفق يتكلم، الفاجعة ما مثلها فاجعة، والخطب أعظم ما في العالم من خطوب.. يبكي له حتى من لم يعرف في حياته البكاء، لكن السيد حيدر لا يبكي! لا يريد أن يبكي! إنه يعاند البكاء، حتى لو جاءته العبرة على رغمه، فإنه يبادر إلى الإمساك بها وضيعها من الحدوث، البكاء منفس عن الحزن المحتدم، ومخفف من اللوعة المضطرمة في الداخل.. وهو لا يريد لحزنه متنفساً ولا للوعته التي أخذت بكظمه ما يخفف منها اللهيب، دعوه يحترق.. إنه محترق بنار كربلاء! إنه رجل هاشمي مثكول، مهموم ومكظوم، والرزية التي اقترف جريمتها آل أمية وآل أبي سفيان يوم عاشوراء أصابت قلبه السويداء، ورنحت الكرامة المتألهة وألقتها بهوان على التراب. ذبحوا – يوم ذبحوا أبا عبدالله السيد الحسين في طف كربلاء – كل معاني الرحمة والهدى وعذوبة أسرار التوحيد، ما بقي شيء ليقدس أو يخشى عليه، كل شيء انتهك واستبيح، حتى حرمة عيال محمد اللائي ما عرف العالم الطهر والعفة والصون والحياء إلا من بيوتهن.. ما الذي صنعوه بهذه الحرمة في الأسر الغاشم والسبي المهين؟! لا يحتمل السيد حيدر ولو استذكاراً لما حدث في كربلاء.. لن يبكي.. إنه يبتغي شيئاً آخر يشفي به – دفعة واحدة – عذابه الداخلي، وينشد الثأر للكرامة الإلهية المهدورة والشرف المحمدي الذي أهين! عثر الدهر ويرجوا أن يقالا*** إنها إذن عثرة عثرها الدهر يوم عاشوراء وكبا فيها لوجهه، عظيمة عثرة الدهر هذه، جسيمة هائلة لا أهيب منها ولا أخطر، وما ارتكب في كربلاء الحسين شيء لا يصدق، شيء لا يمكن الصفح عنه بحال أو تناسيه، ولا يجوز لأحد أن يمد يده الى هذا الدهر يقيل عثرته وينهضه من كبوته، إن هذا محال: عثر الدهر ويرجوا أن يقالاتربت كفّك من راج محالا ويبين أن مراد الشاعر من عثرة الدهر هنا: مجموع الحوادث الدامية الفظيعة التي اقترفها أهل الدنيا وأبناء الزمان في عاشوراء، إن خطاب السيد حيدر – وهو خطاب عاتب لائم شديد – إنما هو لمجموع هذا الذي جناه الضالون في الزمان والمكان: عثر الدهر ويرجو أن يقلا تربت كفك من راج محالا اي عذر لك في عاصفة نسفتَ من لكَ قد كانوا الجبالا فتراجع وتنصّلِ ندماً أو تخادع واطلبِ المكرَ احتيالا قتلت عُذرك إذ أنزلَتها بالذرى من هاشم تدعو نِزالا لا أقالتني المقادير إذا كنت ممن لك بادهر أقالا أيذكر الدهر هذا بما جنت يداه في مذبحة عاشوراء المدوية الممتدة الجليلة الحمراء؟! أيقول له: إن من قتلوا عطاشى ظماءً في كربلاء هم سقاة حوض الكوثر في قيامة الله؟! أيذكره أن هؤلاء الشهداء الأصفياء الأعزاء هم أهل الشجاعة في العالم وهم سخاء السخاء وجود الجود؟! أيقول له: إن من أسرت نساؤهم وبناتهم سبي أهل الكفر هم منبع الشرف والحسب ومعدن النبل والكرامة وكل خصال الخير والمحبة والنور؟! أزلالَ العفوِ تبغي.. وعلى أهل حوض الله حرمت الزلالا؟! المطاعين إذا شبت وغى والمطاعيمُ إذا هبَّت شِمالا والمحامين على أحسابهم جهد ما تحمي المغاوير الحجالا ولهم كل طموح لا يرى خد جبار الوغى غلا نعالا أرخصوها للعوالي مهجاً قد شرها منهم الله فغالى قال السيد حيدر للدهر هذا، وقال غير هذا.. دون أن يشفي شيئاً مما يكابد من آلام؛ فآلام كربلاء فوق ما يعرف الناس من الآلام، إن الموت أحب إليه من نسيان فجائع أبي عبدالله الحسين وآل أبي عبدالله الحسين: نَسيت نفسيَ جسمي أو فلا ذكرت إلاّ عن الدنيا ارتحالا حين تنسى أوجهاً من هاشم ضمّها التربُ هلالاً فهلالا عترَةُ الوحى غدت في قتلها حُرماتُ الله في الطفّ حلالا تلك أبناء علي غودرت بدماها القوم تستشفي ضلالا إلى من يتوجه السيد حيدر ليشكو بثه وحزنه على هذه الرزايا التي تأخذ بالخناق وتضيق الأنفاس؟! من من الناس يتفهم حقيقة ما حدث في مصائب كربلاء؟! ومن الأولى أن ينتهض وينتفض مخلفاً الدنيا وراء ظهره، ولا يشغله شاغل إلا كربلاء؟! إن كل شيء في كربلاء، وكل شيء فيها ديس وأهين يوم عاشوراء: يا حشا الدين ويا قلبَ الهدى كابدا ما عشما داء عضالا نسيت أبناء قهر وترها أم على ماذا أحالته اتكالا فَمن الحاملُ عنّي آيةً لهم لو هزت الطود لزالا إنه مرسل رسالة عاجلة إلى أهله في مكة من بني عبد المطلب شيبة الحمد.. يستنهض ويحشم ويحشد، هذه الرسالة تقيم حتى الميت من قبره، و"لو هزت الطود لزالا" كما قال سيقول في رسالته أشياء كثيرة لبني شيبة الحمد الذين تقدم زمانهم، فلم يشهدوا يوم عاشوراء، يذكر بما صنع بفلذة فؤاد النبي الحبيب وبضعة علي وفاطمة، وبما جرى على الفتية الهاشميين الصباح البيض الوجوه المحمديين، ولم يسلم من أبشع القتل حتى أطفالهم الرضعان، أما الأسر والسبي فمحنته لا جواب لها غير القتال حتى الظفر أو الموت، هو ذا الشاعر يحمل رسوله وصيته: قف على البطحاء واهتف ببني شيبة الحمد وقل: قوموا عجالى! كم رضاع الضيم؟! لا شب لكم ناشئ، أو تجعلوا الموت فصالا كم قرار البيض في الغمد؟! أما آن أن تهتز للضرب انسلالا؟! طحنت أبناء حرب هامكم برحى حرب لها كانوا الثقالا! وطئوا آنافكم في كربلا وطأة دكت على السهل الجبالا وانتضوا قضباً هندية بسوى الهامات لا ترضى الصقالا حق للسيد حيدر الحلي ما يفعل في حرارة شعره، إن غيرته الحسينية لا تخيله.. هذه المحزونة المخزونة في عمق فؤاده وصميم قلبه، كبركان متفجر في الداخل محتدماً لا يجد له منفذاً للخروج، أعان الله قلبه وجعل معاناته هذه الجليلة النبيلة ذخراً له الى يوم آت من أيام الزمان.. هو يوم نشر الرايات المقدسة المطالب أصحابها بثارات الشهيد الحسين.. صلوات الله على الحسين. ختاماً تقبلوا منا أيها الأطائب أطيب الشكر على طيب إستماعكم لحلقة اليوم من برنامجكم (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في أمان الله. البكاء على الحسين سيد الشهداء – صلوات الله عليه – 2 - 15 2017-10-28 12:11:40 2017-10-28 12:11:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/15376 http://arabic.irib.ir/programs/item/15376 سلام من الله عليكم أيها الأطائب.. طابت أوقاتكم بكل خير ورحمة وبركات.. بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج فأهلاً بكم ومرحباً. أيها الأفاضل.. من أنوار البكاء على مصائب كربلاء ما يزين الباكين على الحسين عليه السلام بقبسات من خصاله المحمدية الرائقة فيتحلون بقبسات من الشجاعة والبسالة والإباء والفداء وسائر الخصال الحسينية الغراء.. وهذا أمر طبيعي لمن أخلص في البكاء على الحبيب المشع بأسمى الجماليات إذ أن الدموع الصادقة تفتح القلب على حب خصال الحبيب الشهيد جمعاء وبالتالي تكون وقود تحرك دؤوب للتحلي بتلكم الخصال – من حيث يعلم الباكي ومن حيث لا يعلم -. وهذا هو الموضوع الذي نتلمس بعض أبعاده في هذا اللقاء ونحن نسبر بعض ما كتبه أحد أعلام الأدب الحسيني كتب عنه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة تحت عنوان (تطلع.. إلى ما فوق الحزن والدموع!) قال: إذا تحدثت عن السيد حيدر الحلي.. تحدثت عن أشهر شعراء الأسى والثكل الحسيني في القرون الأخيرة، وهو المتقدم في حماسته الرثائية – أو رثائه الحماسي – على شعراء عصره جميعاً في العراق إبان القرن الهجري الثالث عشر، وقصائده الحسينية التي تبلغ ثلاثاً وعشرين قصيدة المقروءة في ديوانه.. ما يزال العديد منها يسمع بصوت شجي في مجالس العزاء والتفجع والبكاء في أيام المحرم من كل عام وفي غيرها من الأيام، سمة بارزة للسيد حيدر.. نابعة من صدقه وفوار حزنه ومتانة شعره، مما أمده الله تبارك وتعالى به من توفيق. ليست قصيدته العينية هي الوحدية التي أسكنها حزنه المتصاعد وغيرته الهاشمية وثورته المحرضة، لكنها من أشهر قصائده ومن أسيَر شعره على منابر المناحة والرثاء. منذ البدء يسكن الشاعر إحساس بالخلو والفقد.. حتى وهو يحكي عن الديار العافية والبروع التي ارتحل عنها أهلوها الأحباء، لا الربيع في هذه الربوع بربيع، ولا أنيس فيها من الأصحاب الذين تلتئم بهم مجالس الأنس، وترتاح إليها النفس: قد عهدنا الربوع وهي ربيع أين لا أين أُنسها المجموعُ : شملها النوى صدعنه إنّما شمل صبري المصدوع سبق الدمع حين قلت سقتها فتركت السما وقلت الدموع هذه حادثة مؤسفة محزنة للقلب لكن الأوجع الأفجع حادثة أخرى غير فراق الأصحاب المؤانسين، ما راع قلب السيد حيدر.. أمر أجل من فقدان الأنيس الذي ألف مخالطته وأعظم، إنه أمر لا يصح – في رؤيته – أن يقابل إلا بالجزع، الصبر هنا لا يليق بجلالة ما حدث ولا يلائم عظم المصاب، حتى ماء العيون لا يكفي للتجاوب مع رزايا طف كربلاء: لم يَرُعني نوى الخليط ولكن من جوى الطف راعني مايروع قد عذلت الجزوع وهو صبور وعذرت الصبور وهو جزوع عجباً للعيون لم تغد بيضاً لمصاب تحمر فيه الدموع وأساً شابت الليالي عليه وهو للحشر في القلوب رضيع إن حكى السيد حيدر عن الواقعة العاشورائية فإنه يلامس مآسي حوادثها ملامسة إشارية خفيفة ولا يوغل في التفاصيل، لكنه يتلقى هذه الملامسة بكثير من الألم الموجع وكثير من الغيظ الطافح بالغيرة على الحسين وآل الحسين، الحسين السيد البطل الفذ في ملحمة الملاحم هو مركز إشعاع بجلال عظيم. معركته التي يخوضها مع جموع الأعداء ما تبدو لواصفها إلا مليئة بالعلو والعزم الغالب والرهبة المدهشة: أيّ يوم رعباً به رجف الدهـ ر..إلى أن منه اصطفقن الضلوع يوم صكت بالطف هاشم وجه الـ موت فالموت من لقاها مروع موقف لا البصير فيه بصير لاندهاش ولا السميع سميع فلشمس النهار فيه مغيب ولشمس الحديد فيه طلوع أينما طارت النفس شعاعاً فلطير الردى عليها وقوع إنك لتحس في هذا الشعر من العزة والبسالة وعنفوان الشهامة الحسينية ما يملأ الصدر فخراً واعتزازاً بالإنتماء – بأي مرتبة – الى الحسين الوصف البطولي هذا يزخ في قلوب سامعيه طاقة من العزم والحزم والتماسك المجدول بلون من التعاطف القوي الحميم. وإذا ما أراد الشاعر أن يحكي عن إحساسه بحضور فتيان آل محمد الرجال، يقودهم سيد الأسرة الوتر الفرد أبوعبدالله الحسين.. رأيت في تثويره – على شدة تركيزه وإيجازه – تجليات العزة الشامخة، والشجاعة الفذة التي لا تكون لغير الحسين، وصولات الشهامة التي لا تستطاع: قد تواصت بالصبر فيه رجال في حشى الموت من لِقاها صُدوع سكنت منهم النفوس جسوماً هي بأساً حفائظٌ ودروع سد فيهم ثغر المنية شهم لثنايا الثغر المخوف طلوع طمعت أن تسومه القوم خسفاً وأبى الله والحسام الصنيع كيف يلوي على الدنية جيداً لِسوى الله ما لواه الخضوع فأبى أن يعيش إلا عزيزاً أو تجلّى الكفاحُ وهو صريعُ فتلقى الجموع فرداً، ولكن كل عضو في الروع منه جموع زوج السيف بالنفوس، ولكن مهرها الموت، والخضاب النجيع كان لابد للملحمة الجليلة من ختام: فرد مستوحد قباله عشرات الآلاف من السيوف والرماح والسهام التي اللؤم والغدر من أهون ما لأصحابها من أوصاف. صرع حبيب الله الحسين رجلاً لا كالرجال، وبطلاً فوق ما تحلم به آمال الأبطال، لكن المأساة لم تقف عند هذا الحد! هذه بنات رسول الله وأطفال بيت الوحي والقرآن غدوا مستفردين مستوحدين، ما لهم من رجال آل محمد كافل ولا حمي، لو كان في القتلة الجناة بعض نخوة ووجدان لربما هان الأمر، لكنهم ما ازدادوا – بعد عظيم جنايتهم – إلا رجساً إلى رجسهم، وإلا شقاء فوق شقاء، إنهم يفرغون أحقادهم المتعفنة الآن على من أسروا من عيال آل محمد ومن سبوه أعنف سبي، لهذا المشهد – الذي يلهب غيرة من له غيرة – ثار السيد حيدر الحلي، إذ يتملى مشهد الأسر والسبي والشتم والضرب الجبان: لو تراها والعيسُ جشّمها الحا دي من السير فوق ما تستطيع فترفق بها فما هي إلا ناظرٌ دامعٌ وقلبٌ مروعُ لاتسمها جذب البرى أو تدري ربه الخدر ماالبرى والنسوع؟! والبرى والنسوع هي قيود الحديد وحبال الأسر.. مشهد السبايا الفاطميات وسط زمر اللئام الأجلاف مشهد لا يحتمل، ولن يجدي البكاء عليهن ولا التأسف وضرب الجباه من شدة الغيظ والحنق، لا يرضى السيد حيدر – بشهامته العلوية – إلا بالإندفاع الى حرب شعواء للإنتقام والثأر للدماء المطولة المهدورة، ولهذه المذلة التي سيقت بها الفاطميات المروعات: قوضي ياخيام عليا نزار فلقد قوّض العمادُ الرفيع ودعي صَكّةَ الجباهِ لويٌّ ليس يُجديك صكُّها والدموع أفلطما بالراحتين فهلا بسيوف لا تنقيها الدروع وبكاء بالدمع حزناً فهلا بدم الطعن والرماحُ شروع غيرة فوارة هي ما يعتمل في صدر السيد حيدر الحلي، وانتظار متوثب مترقب لساعة الحسم. وبهذا يتضح مستمعينا الأفاضل، أن أبرز ما يثمره البكاء على المصاب الحسيني هو إيقاد أنوار الغيرة المقدسية على الحرمات الإلهية في قلوب الباكين على الحسين صلوات الله عليه، وهذه الغيرة القدسية هي التي تجعلهم الحماة الصادقين للدين الحق يحامون أبداً عنه ويسعون لتحكيم قيمه المقدسة في أنفسهم وفي الآخرين. وبهذا نصل الى ختام حلقة أخرى من برنامج (نور من كربلاء) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. شكراً لكم وفي أمان الله... البكاء على الحسين سيد الشهداء – صلوات الله عليه – 1 - 14 2017-10-24 10:34:45 2017-10-24 10:34:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/15362 http://arabic.irib.ir/programs/item/15362 السلام عليكم مستمعينا الأعزاء ورحمة الله وبركاته.. أطيب تحية نحييكم بها ونحن ندعوكم لمرافقتنا في حلقة اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل؛ من الأنوار القدسية التي يشع بها البكاء على الحسين سيد الشهداء – صلوات الله عليه – نور الإخلاص في حب من يحب الله محبه؛ وهو حب يجعل الباكي على الحسين يتحرر من جميع أشكال الطمع حتى في الثواب؛ وينقله الى الأفق الأسمى في ابتغاء مرضاة الله جل جلاله.. إنه أفق حمل الأمانة الإلهية والتحرر من أسر الهموم الصغيرة وحمل الهموم الكبرى المتمثلة في إنقاذ الخلق كل ظلم وجور.. وهذا ما نطل عليه في هذا اللقاء ونحن نعيش مع أخينا الأستاذ الأديب إبراهيم رفاعة أجواء إحدى خالدات القصائد الحسينية، فتحت عنوان (قصيدة يقولها الشاعر لنفسه) كتب الحاج رفاعة يقول: يتراءى من قراءة قصيدة اليوم أن قائلها قد قالها لنفسه في المقام الأول، ولم يكن نظره منذ بدء إنشائها إلى قارئ أو سامع، إنها من الشعر الذي يتغنى به صاحبه لبنه وبين نفسه، وهذا عادة ما يكون من أصدق الشعر، هموم قلب تدور داخل القلب، ومعاناة تنتج نوعاً من الدندنة الحزينة والأنين الشجي الممتد. صاحب القصيدة غير محسوب في عداد الشعراء النكثرين من قول الشعر؛ إذ هو أدخل في سلك المعنيين بالعلوم الشرعية ممن لهم تذوق للأدب والشعر، إنه الشيخ عبد الأمير الأعسم الزبيدي النجفي المتوفى في منتصف القرن الثالث عشر تقريباً، بعد أن عاش في مدينة النجف ما يقارب السبعين عاماً.. رحمة الله عليه. قصيدته الحسينية هذه قصيدة متميزة في شعر المراثي، ولقيت بعد نشرها إقبالاً وتفاعلاً، وغدت من ضمن الشعر الحسيني الذي ما يزال يناح به إلى اليوم على منابر النعي والبكاء، وقد أهلها لهذا الإنتشار والقبول: صدق ما فيها من عاطفة وشعور، وما تتصف به من سلالة المعنى وجمال الإيقاع، وعدت – من خلال واقعة خاصة يعرفها عارفوه – من المراثي المقبولة عند أهل البيت عليه السلام. قد أوهنت جلدي الديار الخالية من أهلها ما للديار وما ليه ومتى ساء لت الدار عن أربابها يعد الصدى منها سؤالي ثانيه هذه أول قصيدة عبدالأمير الأعسم.. البالغ تعداد أبياتها أربعة وثلاثين بيتاً من الشعر، يدل لفظها وموسيقاها على تأمل حزين ينساب هادئاً كمجرى ماء يتسلسل باطمئنان، ثم تأتي القافية في آخر كل بيت متواشجة بالحس الآسي الحزين والجرس المتناغم الرنين، فإذا الياء المفتوحة والهاء الساكنة في القافية كأنها زفرة أنين يختم به الشاعر كل بيت من أبياته. إن نور كربلاء الذي توقد به قلب الأعسم جعله يتجه – في البدء – إلى ديار آل محمد التي خلت منهم بعد مقتلة عاشوراء، واستشهد فيها رجال وفتيان وأطفال ليس لهم على وجه الأرض شبيه. قلبه الخافق المهيم يعلم بما جرى على أهل الديار، لكنه يظل يسألها عن أهلها كمن لا يصدق ما جرى.. فما يسمع إلا صدى سؤاله يردده – بأسىً وشجن – صمن الدار! قد أوهنت جلدي الديار الخالية من أهلها ما للديار وما ليه ومتى ساء لت الدار عن أربابها يعد الصدى منها سؤالي ثانيه هذا أول اللوعة والألم: ديار أهل البيت التي طالما كانت ملاذاً ومعاذاً لكل من تنوبه نائبة.. فإذا هي التي حلت بها النوائب والمصائب! من هذا التضاد بين الماضي والحاضر ينطلق حس الشاعر ليتقط صوراً أخرى تنقل إلى القارئ والسامع الإحساس غير المعلن بالتحسر والغم والوجد، إن المقايسة بين الأمس واليوم – من خلال ظارهة التضاد – تسبغ على القصيدة شجن الظلامة ولوعة الفقد: ولقد يعز على رسول الله أن تسبى نساه الى يزيد الطاغيه ويرى حسينا وهو قرة عينه ورجاله لم تبق منهم باقيه فجسامهم تحت السنابك بالعرا ورؤوسهم فوق الرماح العالية ويرى ديار أمية معمورةً وديار أهل البيت منهم خاليه وحتى إذا خاطب الشاعر مرتكب مجزرة عاشوراء: الشقي يزيد بن معاوية.. فإن التضاد يظل حاضراً في رسم المعنى، قال وهو يستذكر مقاتلة بني أمية لرسول الله فيما مضى: تاللَه إنك يا يزيد قتلته سراً بقتلك للحسين علانيه ترقى منابر قومت أعوادها بظبى أبيه لا أبيك معاويه الشاعر عبدالأمير الأعسم يبكي في قصيدته حزناً ومواساة لأبي عبدالله الشهيد المستوحد المظلوم، إن باطن الشاعر يتنور ويتبلور بالبكاء وبفيض الدموع؛ إذ الدمعة عالم حي قائم بنفسه: يغسل ويطهر ويخفف وينور الأعماق السحيقة في الإنسان، نحن أيضاً نبكي مع هذا الباكي ذي الشجن الملتاع: يا ابن النبي المصطفى ووصيه واخا الزكي ابن البتول الزاكيه ذكرنا بالعظمة الحسينية المتألهة، وبأنوار الخمسة الأصفياء أهله من أصحاب الكساء الذين اكتملت دائرتهم به سلام الله عليه: يا ابن النبي المصطفى ووصيه واخا الزكي ابن البتول الزاكيه تبكيك عيني لا لأجل مثوبة لكنما عيني لأجلك باكيه تبتل منكم كربلا بدم.. ولا تبتل مني بالدموع الجاريه وهذا نوع من البكاء نادر نفيس: تبكيك عيني لا لأجل مثوبة لكنما عيني لأجلك باكيه لا طلباً لأجر على البكاء ولا انتظاراً لثواب، من مات أبوه الحنون العزيز لا يبكي عليه وينتحب إلا لأنه يحب أباه الراحل الفقيد، إنه البكاء على الحسين لا لشيء إلا لأنه الحسين الجدير بالحب والبكاء.. دون أي رجاء لمنفعة دنيوية كانت أم أخروية، وهذه درجة وضاءة من الإخلاص في الحب. إن رزية الشهيد الغريب المفجعة المروعة قد أنست الشاعر رزاياه الشخصية – كما إشراقة الشمس الساطعة: يتوارى معها نور الشمعة المضاءة في وضح النهار. ويصدق الأعسم – وهو صادق في كل ما رأى من عاشوراء – حين يشعر ويدرك أن قضية كربلاء الحسين ستظل تملأ الحاضر كله، وتظل صابغة المستقبل بصبغتها الحمراء التي لا ينقطع نداؤها الى يوم قيامة موتى أهل الأرض للنشور والحساب: أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الآتيه وفجائع الأيام تبقى مدة وتزول وهي إلى القيامه باقيه وفي محكمة القيامة الكبرى – على أعين الخلق أجمعين – تحضر قضية كربلاء، هي أول ملفات هذه المحكمة وأخطر الملفات، الشاكية الآن: إمرأة جلالها من جلال الله.. يرضى الله إذا رضيت، ويغضب إذا غضب، إنها فاطمة الصديقة الزهراء أم الحسين المقتول وزوج الوصي وبنت النبي، هي من تتقدم بهيبة تطأطئ لها كل أهل القيامة.. شاكية إلى ربها تتظلم: وإذ أتت بنت النبي لربها تشكو ولا تخفى عليه خافيه رب انتقم ممن أبادوا عترتي وسبوا على عجف النياق بناتيه واللَه يغضب للبتول بدون أن تشكو فكيف إذا أنته شاكيه فهنالك الجبار يأمر هبهباً أن لا تبقي من عداه باقيه وهبهب: بئر في قعر جهنم يعذب فيها الجبارون، إذا انفتح غطاؤها ضج أهل النار من حرارته وعذابه. بهذه الصورة المهيبة الرهيبة يخرج عبدالأمير الأعسم من قصيدته.. ليظل قلب المرء مواجاً بجلال الرزية العاشورائية، ولينحاز من فوره الى نور الحق الأسطع الذي ينبثق من جراحات كربلاء. وهكذا مستمعينا الأكارم تكون إنتقالة الباكين على الحسين من دائرة الهموم الشخصية الصغيرة الى الأفق الرحيب للهموم الكبرى التي ماج بها قلب أبي عبد الله الحسين – صلوات الله عليه – وهي الهموم المقدسة التي بحملها يدركون الفتح المبين ويلحقون بركب الأنصار الصادقين للآخذ بثارات الحسين، بقية الله وكشاف الكرب والبلوى الموعود بأن يزيل الله على يديه هموم البشرية جمعاء فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا. ختاماً تقبلوا منا أيها الأطائب أطيب الشكر على طيب إستماعكم لحلقة اليوم من برنامجكم (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم بكل خير وبركة وأمان. الفطرة التي تتحدث - 13 2017-10-16 13:39:11 2017-10-16 13:39:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/15333 http://arabic.irib.ir/programs/item/15333 سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. معكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج، فأهلاً بكم ومرحباً. أيها الأفاضل، للتفاعل الوجداني مع وقائع القيام الحسيني المقدس أثر مشهود في تفجير ليس دموع الوجد والحزن فقط بل دموع الشوق لآيات السمو وجماليات الشجاعة الفريدة بأزكى صورها ومراتبها وهي تتجلى بما لا نظير له في مواقف أعلام هذا القيام جميعاً لا سيما عميدهم الحسين سيد الشهداء صلوات الله عليه. ودموع الشوق هذه تمثل الزاد الروحي القدسي الذي يغذي ينابيع الصبر والإستقامة على أشد الصعاب وينميها في قلوب الباكين على الحسين ويزينهم بأهم خصال الأنصار الصادقين لبقية الله المهدي الموعود – عجل الله فرجه – وهذا ما نتناوله في لقاء اليوم من خلال ما كتبه عن أحد أعلام الأدب الحسيني العلماء أخونا الأستاذ الأديب إبراهيم رفاعة حيث قال تحت عنوان الفطرة التي تتحدث: ثمة رائعة لعلاء الدين علي بن الحسين الحلي الشفهيني من شعراء القرن الثامن وأدبائه ومن أعلام العلماء فيه. قصيدة يشيع فيها التأمل العميق.. من خلال إيقاع مجتب ولفظ رقيق، هي إحدى سبعه الطوال التي قالها خالصة لأهل البيت عليهم السلام، وخص كربلاء الحسين بمساحة واسعة منها وأفق فسيح. ويلوح من أبيات مقدمة القصيدة أن صاحبها قد أبدعها بعد أن تقدم به العمر، وذبلت من قبل نضارة الشباب، ولم يبق في يديه إلا حنكة التجارب وخلاصة رحلة الحياة، أما أحبابه فقد عبروا قبله ولم يتركوا له غير التشوق وغير الإلمام بمنازلهم التي خلت من بعدهم: ولقد وقفت على منازل من أهوى.. وفيض مدامعي غمر أبكي اشتياقاً كلما ذكروا وأخو الغرام يهيجه الذكر لكن الشاعر سرعان ما يتنبه ويكف عن تذكار أهله وأقربائه الراحلين؛ فإن البكاء – حق البكاء – له موطن آخر هو الأبقى، وله موضع غير هذا هو الأعلق الأنقى، سيجمع عواطفه الفوارة ومشاعره المدارة ليصرفها كلها الى موضوع قدسي.. هو من الحياة في الصميم، ومن حقائق التوحيد في مركز للدائرة: هلا صبرت على المصاب بهم وعلى المصيبة يحمد الصبر وجعلت رزءك للحسين، ففي رزء ابن فاطمة لك الأجر هذا مدخل علاء الدين الشفهيني في هذه القصيدة الى حرم كربلاء، كأنما هو إذن دخوله إلى عالم سيخطو على ثراه بتمهل وتؤدة.. فهاهنا كل شيء مقدس مضمخ بعطر الأسرار، لأن هاهنا شهيد الله الوتر أباعبدالله الحسين، منذ الوهلة الأولى يستشعر علاء الدين العظمة تهيمن على المكان، ويجد الجلال المهيب متلبساً بكل ذرة من ذرات الهواء. وتتراءى له لمحات من المشهد العاشورائي السني الجليل.. كأنه يراها من وراء زجاجة حلم متماوج شفيف. هذا هو الحسين! وحيداً فريداً.. لكن عزيمته لدى القتال جيش لهام يلتهم جموع الأعداء، وتمر أمام الشاعر صور البطولة الغالبة والقوة الباسلة؛ فمرة تظهر صورة الصقر الذي يملك الجو ويبدد الأسراب، وأخرى يلمح الشاعر صورة الأسد الذي تهاب هجمته صغار البهائم، ثم تحضر الصورة الأروع الأمتع ممتدة متعالية لتهيمن على المشهد كله! الصورة التي عاينها الشفهيني للفارس الحسين وهو يخوض معركة المصير.. ندر أن لمحتها رؤية شاعر آخر، صورة من مشهد عال لبطولة باذخة العظمة خارقة الإقتدار، إنها الفطرة والنقاء والإحساس العميق بالجلال الحسيني هو ما أبدع للشفهيني هذه الصورة لطاقة بطل هي فوق طاقة البشر. ها هو يزال يلمح الحسين في المشاهد العاشورائية، ويثبت من بينها هذا المشهد العملاق: وكأنه فوق الجواد – وفي متن الحسام دماؤهم هدر – أسد على فلك، وفي يده الـ مريخ قاني اللون محمر! مشهد مشبع – ولا ريب – بالعظمة والهيبة والجلال: فارس عملاق يمتطي الفلك السماوي الدوار، حاملاً بيده الكوكب الأحمر سيفاً طالما شرب وشبع من دماء الجناة. هذه الهيبة الرهيبة ما تزال ملازمة لأبي عبدالله الشهيد حتى بعد أن صرع طريحاً على الأرض، إن خوف اولئك القتلة من بأس الحسين يرجف قلوبهم حتى وهو في الرمق الأخير: تأباه إجلالاً.. فتزجرها فئة يقود عصاتها شمر! كل شيء يبكي الحسين.. هذا الشهيد المستوحد المظلوم، الكون في مناحة ثكل، والعوالم في مأتم حزن صارخ مصبوغ بالدم: وبكت ملائكة السماء له حزناً، ووجه الأرض مغبر والدهر مشقوق الرداء، ولا عجب يشق رداءه الدهر ناشرة ذوائبها وعليه لا يستقبح النشر برزت له في زي ثاكلة أثيابها دموية حمر وبكت عليه المعصرات دماً فأديم خد الأرض محمر هذه المناحة الكونية كأنما هي مشاركة وجدانية صادقة من كائنات الله لعزيزات الله كرائم الحسين في مناحة الثكل والفجيعة، ومواساة للفواطم المحمديات المصونات فيما حل بهن من كارثة الأسر والسبي والندب والبكاء: بأبي كريمات الحسين.. وما من دونهن لناظر ستر لا ظل سجف يكتنفن به عن كل أفاك، ولا خدر حملوا على الأقتاب عارية شعثاً، وليس لكسرهم جبر لا راحم لهم يرق، ولا فيما أصابهم له نكر لا حاجة للشاعر بعد هذه المشاهد المزلزلة لأن يعتبر من أشجان قلبه ولواعج فؤاده، لكنه رغم ذلك عبر فقال: يا بن الهداة الأكرمين ومن شرف الفخار بهم ولا فخر قسماً بمثواك الشريف وما ضمت منى والركن والحجر ما طائر فقد الفراخ فلا يؤويه بعد فراخه وكرُ بأشدّ من حزني عليك ولا الـ خنساء جدّد حزنها صخر إن الإنتماء الحسيني المواج الهادر هو من يرسم للشفهيني ما يغلب عليه من انفعال ومن آمال، هو ذا يختار أن يقدم حياته لمولاه الحسين لو كان حاضراً كربلاء، وإذ يتعذر عليه – بحاجز الزمن بينه وبين الواقعة – فإنه سيدخل في حزن قسري وبكاؤ طويل يؤججه جمر شعره المتوقد: ولقد وددت بأن أراك وقد قلّ النصير وفاتك النصر حتّى أكون لك الفداء كما كرماً فداك بنفسه الحر ولئن تفاوت بيننا زمن عن نصركم وتقادم العصر فلا بكيّنك ما حييت أسى حتّى يواري أعظمي القبر ولأمنحنّك كل نادبة يعنو لنظم قريضها الشعر إن الشاعر بانتظار إحدى اثنتين: إما امتداد التذكر والتفجع الى القيامة، أو الفوز بالسرور بإدراكه القيام العظيم المترقب لحفيد الحسين الإمام المدخر ليوم الثأر الكبير: ومصاب يومك يابن فاطمة ميعادنا وسلوّنا الحشر أو فرحة بظهور قائمكم فيها لنا الإقبال والبشر إذن – مستمعينا الأفاضل – فإن في البكاء على المصاب الحسيني نور متوقد باستمرار يقوي عزائم الباكين على الحسين في تحمل مصاعب ومشاق الجهاد في سبيل حفظ ونشر القيم الإلهية المقدسة التي جلاها بنهضة سيد الشهداء – صلوات الله عليه – وفي ذلك التحلي بأسمى وأهم صفات الأنصار الصادقين للمهدي الموعود الذي يطهر الله على يديه أرضه من كل ظلم وجور ويملأها بكل قسط وعدل عجل الله فرجه الشريف. وبهذا نصل أيها الإخوة والأخوات الى ختام حلقة أخرى من برنامج (نور من كربلاء) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله... الشرارة الموقظة - 12 2017-10-11 13:38:47 2017-10-11 13:38:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/15313 http://arabic.irib.ir/programs/item/15313 السلام عليكم مستمعينا الأطائب ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل، من أكرم الأنوار الكربلائية التي تزدهي بها قلوب المحمديين الصادقين وهو يكون على مصائب العترة المحمدية.. نور ترسيخ الإنتماء لأهل بيت النبوة المحمدية وهو نور يرتقي بهم الى أسمى مراتب نصرة القيم الإلهية التي حملها أهل البيت المحمدي المبارك عليهم السلام وهذا هو ما يحدثنا عنه الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب عن نتاجات أحد أعلام الأديب الحسيني فقال تحت عنوان الشرارة الموقظة: لعلاء الدين الشفهيني سبع قصائد طوال سكب فيها توجعه وتفجيعه لظلامات أهل البيت الأطهار وكان لسيد الشهداء فيها أوفى نصيب. والشفهيني علاء الدين علي بن الحسين الحلي عالم نابه وأديب مقتدر وشاعر جيد الشعر، كانت وفاته في النصف الأول من القرن الثامن، ذو نفس شعري طويل، ولغة تمتاز بالعذوبة والوضوح، رغم اهتمامه البين بالمجانسات اللفظية.. ابتغاء للجمال التعبيري الشائع في عصره، وطلباً لرنين الإيقاع اللفظي المستعذب آنذاك. تتشابه سبعه الطوال عادة في المضمون العام.. لكنه في كل واحدة من قصائده هذه يضيف شيئاً تخلو منه أخواتها، أو ينظر إلى موضوعه العام في أهل البيت من زاوية نظر متفاوتة. ومهما يكن.. فنحن الآن أمام قصيدة من قصائده كافية الروي، فيها حلاوة ملموسة وصفاء في موسيقى الشعر.. على الرغم من موضوعها الآسي الحزين. أول ما نلاحظ في كافية علاء الدين الشفهيني هذه – كما هو حال سائر شعره – هذا الإرتباط الروحي الوثيق بينه وبين آل محمد النجباء.. كأنما هم – سلام الله عليهم – أهله، وكأن قضيتهم هي قضيته ومصائبهم مصائبه، ولا غرو، فهو المنتمي إليهم انتماء اعتقاد عميق، وانتماء صدق في المشايعة والمبايعة، واعتراف بفضلهم الغامر إذ اهتدى بهم أطيب اهتداء، والمرء حين تنعقد عروق قلبه على اعتقاد.. فإن وجوده يصبح جزءً متلاحماً بهذا الإعتقاد لا يمكنه أن يتجاهله أو يتخلى عنه بأي حال، اللهم إلا إذا أراد هو أن يخرج منه باختياره.. شأنه شأن أهل الإنكفاء والإرتداد، أعاذكم الله وإيانا من الإنكفاء والإرتداد. كان لفاجعة كربلاء في قلب الشفهيني فعل الشرارة التي أيقظت غيرته الإيمانية الى الأبد، وفجرت في داخله وجعاً لا يهدأ ولا يستريح. وشرارة كربلاء هذه التي يتمازج فيها الحزن بالإبتهاج.. تجعل المرء صاحب قضية، وذا هدف نبيل يطوي من أجله الدقائق والساعات، لقد عبر المرء عندئذ – كما فعل الشفهيني – حالة التراخي التي تشبه حالة الخشبة الطافية على وجه الماء، وانتمى إلى موقف له أركانه ومعالمه وما من موقف أرسخ أركاناً وأبهى معالم من الوقوف مع الحسين في أهل عاشوراء، وهذا ما يزخر به – من خلال شعره – قلب الشفهيني علاء الدين. تعرف علي بن الحسين الحلي الشفهيني على طرف من خلق آل محمد المستمد من نور الله، فراعه الموقف الآخر المضاد الذي تشبع بظلامه وقتامه خصومهم من آل أبي سفيان، موقف الإمام الحسين وموقف جده النبي وأبيه الوصي.. موقف واحد لا يتجزأ؛ لأن أهل البيت الأبرار نور إلهي واحد لا يعرف التفاوت والإختلاف. يتشعشع أمام ناظري قلب الشاعر مشهد رسول الله جد الحسين يوم عفا العفو الكريم عن أعدائه من قريش الذين أطلقهم بعد أن أسرهم في فتح مكة، وفيهم آل أبي سفيان.. وكانوا آذوه وطردوه وقاتلوه ألد ما يكون الأذى والتطريد والقتال. ويتجلى له أيضاً مشهد أبي الحسين علي المرتضى وهو يصفح الصفح الجميل عمن خالفوه وعاندوه وحاربوه.. كما فعل بأهل فتنة الجمل، وكما سمحت يداه في صفين لأعدائه أنصار معاوية بالماء وقد كانوا منعوه وجنده الماء! لم يكن من رسول الله وأخيه علي – وهما عذوبة نور الأنوار – إلا الموقف الشهم المتعالي المفعم بالرجولة والجمال، ثم لم يكن من آل أبي سفيان وشيعتهم إلا التقتيل لآل محمد وعلي، وإلا الإرهاب والسلب والنهب، وإلا أسر حرائر الوحي والنبوة.. ثم سبيهن أعنف وأصلف سبي.. "وكل إناء بالذي فيه ينضح". كان الأولى – لمن له حظ من رجولة – أن يعفو في كربلاء عمن لغوغاء الناس خارجاً عن دينهم، رغم أن دينهم دين الضرار الذي لا يختلف عن مسجد الضرار، هو ذا قلب الشاعر الشفهيني ينفجر بالعقاب للظالمين المنكوسين.. ولكن لا حياة لمن تعاتب، قال علاء الدين: وعليك خزي يا أميّة دائماً يبقى كما في النار دام بقاكِ هلا صفحت عن الحسين ورهطه صفح الوصيّ أبيه عن آباك؟! وعففت يوم الطف عفّة جدّه الـ ــمبعوث يوم الفتح عن طلقاك؟! أفهل يدٌ سلبت إماءَك مثلما سلبت كريماتِ الحسين يداك؟! أم هل برزن بفتح مكة حسراً كنسائه يوم الطفوف نساك؟! لا ينتظر من ظلام بني أمية المتوحش الغائض في أوحال الرجس أن يسجل – ولو مرة واحدة – موقفاً يمكن أن يوصف بالكريم، من أين يأتي بالكرم من طبعه الذي نشأ عليه طبع فاسد لئيم؟! إنهم هم من فعلوا فعلتهم الوحشية النكراء في كربلاء: سيد شباب أهل الجنة الطريح المذبوح، والأطفال المحمديون اليتامى المسبيون المرعوبون من سياط وزعقات اولئك الوحوش البشرية الذين يتخطفونهم حول مخيم الحسين – عليه السلام – قال العالم الشفهيني: لهفي على الجسد المغادر بالعرا شلواً تقلبّه حدود ظُباك لهفي على الخد التريب تخدّه سفهاً بأطراف القنا سُفهاك لهفي لآلك يا رسول الله في أيدي الطغاة نوائحاً وبواكي ما بين نادبة وبين مروعة في أسر كل معاندٍ أفّاك! أما هذه المرأة الوقور الصبور المتزملة بجلال الله الصديقة زينب الكبرى شقيقة الحسين، إنهم بعد تفجيعها وترويعها تهم دناءه نفوسهم الوضيعة أن تسلبها الآن رداء الحشمة والجلال: تالله لا أنساك زينب والعدا قسراً تجاذب عنكِ فضل رداك لم أنس لا والله وجهك إذ هوت بالردن ساترةً له يمناك حتى إذا همّوا بسلبك صحت باسـ ــم أبيك واستصرخت ثمّ أخاك قلب علاء الدين الشفهيني يكاد يقفز من صدره مخترقاً قفص الضلوع! يؤسفه أنه لم يكن حاضراً عاشوراء، ولو حضر لقاتل نصرة للسيد الحسين حتى يقتل أضحية بين يديه! وإذ يعود الشاعر إلى نفسه وتصطدمه حقيقة أن الفاجعة قد وقعت قبل أمد طويل.. يتلفت مفتشاً عما لديه من سلاح يقاتل به الآن انتصاراً لسيد الشهداء، فما يجد من سلاح إلا البكاء المتفجع الغضوب، وإلا خاطره الشعري ولسانه الذرب الحاد القول كشفرة السيف، قال يخاطب نفس الحسين القدسية: اني ليقلقني التلهف والأسى إذ لم أكن بالطف من شهداك لأقيك من حر السيوف بمهجتي وأكون إذ عز الفداء فداك ولئن تطاول بعد حينك بيننا حينٌ ولم أك مسعداً سعداك ؟ فلا بكينك ما استطعت بخاطرٍ تحكي غرائبه غروب مداك وبمقول ذرب اللسان أشد من جند مجنّدة على أعداك وهكذا – مستمعينا الأفاضل – يتحول التفاعل الوجداني العميق مع المصائب الحسينية الى نور متفجر في قلوب الباكين على الحسين، يرتقي بهم الى منازل الإنتماء لآل محمد – صلى الله عليه وآله – ونصرة دينه الحق الذي ارتضاه الله لعباده منهاجاً للرقي بهم الى أعلى مراتب الرفعة والكرامة والحياة الطيبة. ختاماً نشكركم أيها الأكارم على كرم الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله... طاقات الإيمان - 11 2017-10-09 09:28:09 2017-10-09 09:28:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/15298 http://arabic.irib.ir/programs/item/15298 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأطائب، كثيرون هم الذين اهتدوا الى الإسلام المحمدي الحق؛ إسلام مدرسة الثقلين الزاكية ببركة التعرف الى النهضة القدسية والمظلومية المفجعة لسيد الشهداء أبي عبدالله الحسين – صلوات الله عليه -. وهذه ظاهرة مشهودة منذ أيام كربلاء الى عصرنا الحاضر، يزيدها نورانية أثر البكاء على الحسين في بعث روح النصرة لله رب الحسين ولدينه الحق الذي هدانا إليه مصباح الهدى المحمدي الحسين عليه السلام. فكان لهذا البكاء نورانية مقتبسة من مصباح الهدى تفجر في الإنسان طاقات الإيمان الصادق لدى الباكين على الحسين صلوات الله عليه.. وهذه الحقيقة نراها متجلية في سيرة أحد كبار العلماء الأدباء الذين اعتنقوا الإسلام وهو الذي يحدثنا عنه الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان (طاقات الإيمان) يقول: هذا مهيار الديلمي البغدادي.. شاعر كبير من شعراء العربية إبان القرنين الرابع والخامس، وهو أشهر شعراء عصره بعد أستاذه الشريف الرضي، وكان قد تحول إلى اعتناق الإسلام على يد السيد الرضي – رضوان الله عليه – وطفح شعر الديلمي العالي المتين بالإعتزاز بأهل البيت وبافتخاره بالإنتماء إليهم.. منفتح القلب على حبهم ومودتهم. وإذا كان حب المرء لآل محمد صلوات الله عليهم علامة على طهارة مولده وطيب عنصره.. فإن مهياراً قد دلّ بهذا الحب الصادق والولاء لأهل البيت على أنه من الحائزين لهذه الطهارة والفائزين بهذا الطيب. وإذ اجتمع له تعليم الشريف الرضي إياه وحنوه عليه.. ازداد الرجل ألقاً على ألق، وهو القائل يخاطب آل محمد ويذكر منتهم عليه في نقله من ظلمة الشرك إلى جمال التوحيد: حبكم كان فك أسري من الشر ك.. وفي منكبي له أغلال كم تزملت بالمذلة.. حتى قمت في ثوب عزكم أختال بركات لكم محت من فؤادي ما أمل الضلال عم وخال ويقيني أن سوف تصدق آما لي بكم يوم تكذب الآمال أبوالحسن مهيار الديلمي هذا الذي تنور بنور أهل البيت الأطهار.. لابد أن تهوله فاجعة أبي عبدالله الحسين الدامية في كربلاء، لابد أن قلبه قد توقد بهذه المأساة الموجعة التي ضربت قلب التوحيد، فتفجر شظايا نور علوي تلقاها ذوو الحظ العظيم، ودخل في حرارتها الحسينية المحمدية أهل المحبة والمودة في حياة جديدة مديدة هي جنائن حمراء محيية نابتة من عشقية الحسين. أول ما تلقاه مهيار من رزايا كربلاء هذا الحزن المنور الذي يرسخ لآل محمد وشائج الإنتماء، هو ذا يذكر مصابه هو بآل علي الشهداء سلام الله عليه وعليهم أجمعين في "فائية" له: مصابي – على بعد داري – بهم مصاب الأليف بفقد الأليف وليس صديقي غير الحزين ليوم الحسين، وغير الأسوف ويستذكر مهيار سيد الشهداء.. فيتراءى له "وجهه الأغر التريب الذي يشهر على الرمح أسنى ضياء من الشمس" والسيف الغشوم الذي غدا أداة يوم عاشوراء لعظمى الجنايات قد سود بالخزي وجوه كل سيوف العالم: تفلل سيف به ضرجوك، لسود خزياً وجوه السيوف! أما الشاعر فأوقعته فجائع كربلاء في مرارة مريرة وحساسية مفرطة، لا الماء الزلال في مذاقه زلال، ولا الثياب الرقيقة الشفيفة يتحملها بدنه: أمرّ بفي عليك الزلال وآلم جلدي وقع الشوف أتحمل فقدك ذاك العظيم جوارح جسمي هذا الضعيف؟! وتستهوي مهياراً أسرار كربلاء وبالتحديد: أسرار ضريح السيد العميد الحسين الشهيد، لأول مرة يتعرف عليها هذا الشاعر، فإنه لم يجد لها مثيلاً في سواها من البقاع، من أين يجيء هذا العطر الملكوتي البواح في كربلاء؟! أهو عطر سيد الشهداء روحي فداه، أم هو من عجائب التربة الطيبة التي دفن فيها بدنه الشريف؟! كأنما الأرض في كربلاء ليست تراباً، بل مسكاً من مسك الجنان خالط تربة الطفوف.. وهو ما حمله الزائرون إليه وأتوه به في بغداد: أنشرك ما حمل الزائرون أم المسك خالط ترب الطفوف؟! كأن ضريحك زهر الربيـ ـــــع هبت عليه نسيم الخريف! ويودع مهيار إقباله على كربلاء الحسين قصيدة فائية أخرى لا تقل روعة عن سابقتها، إن قلبه المتوله ناظر في كربلاء إلى المزار، سر خفي يجذبه إليه.. جعله يكتفي من زيارته بما يصل إليه في بغداد من نفحات هدايا حسينية فائقة، إنه متواصل مع سيده الشهيد عبر هذه الرسائل النفسية التي يحملها إليه الزائرون، أو يحملها هو الزائرين: أيا عاطشاً في مصرع لو شهدته سقيتك فيه من دموعي الذوارف سقى غلتي بحر بقبرك، إنني على غير إلمام به غير آسف وأهدى إليه الزائرون تحيتي لأشرف، إن عيني له لم تشارف وعادوا، فذروا بين جنبي تربة شفائي مما استحقبوا في المخاوف ولا غرو في هذا من مهيار الديلمي، فإنه قد اتخذ قراره وحسم موقفه التوحيدي القوي.. في والولاية والبراءة: الولاية لآل محمد والبراءة ممن عاند هداهم، بيد أنه يلاحظ ما عليه ملاحظته؛ خوفاً – في الظروف العصيبة – على من يحب من أهل الولاء: أسر لمن والاك حب موافق وأبدي لمن عاداك سب مخالف! ويظل أبوالحسن مهيار الديلمي يذكر أفضال آل محمد وجميل أياديهم عليه – إنهم هم – صلوات الله عليهم – من استنقذه وهداه، وهم من فجر في داخله طاقات الإيمان والمعرفة وفن القول.. وإلا فإنه كان عند أهله من بلاد الديلم عند بحر قزوين آلة عاطلة مركونة وسيفاً لا يعمل. ومن الوفاء لأهل البيت.. هذا الذي يموج في قرارة نفس مهيار: أنه وظف هذه الهبات الكريمة التي وهبوها إياه في التغني بجمال عظمتهم، وفي الإنتصار لهم بسيف لسانه الذي يمتشقه حين يقتضي الموقف هذا الإنتصار: وجردتموني، وقد كنت في يد الشرك كالصارم المغمد ولازال شعري.. من نائح ينقل فيكم إلى منشد وما فاتني نصركم باللسان إذا فاتني نصركم باليد أيها الإخوة والأخوات، من هذه الرحلة القصيرة مع أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة في رحاب الشاعر الولائي العالم مهيار الديلمي رضوان الله عليه نخلص الى حقيقة أن أنوار البكاء على الحسين صلوات الله عليه تفجر في المؤمن ينابيع التوحيد الخالص عبر أسمى مصاديقه وهو الإندفاع الصادق في نصرة الله ونصرة دينه الحق المتمثل في مدرسة الثقلين؛ أي البكاء القدسي على سيد الشهداء صلوات الله عليه يبعث في قلب المؤمن الروح الجهادية الخالصة بأشمل صورها ويوجهها في اتجاه النصرة النقية لله من خلال ترسيخ ركني الولاية لأوليائه والبراءة من أعدائه الذين ارتكب أئمتهم فاجعة كربلاء الدامية. وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامج (نور من كربلاء) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم على كرم المتابعة وفي أمان الله. ومضة .. من برق كربلاء - 10 2017-10-04 12:54:22 2017-10-04 12:54:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/15284 http://arabic.irib.ir/programs/item/15284 سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات.. أزكى التحيات نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل، عن أهم آثار القيام الحسيني المقدس بعث وتقوية روح النصرة والولاء لله الحق من خلال تقوية روح الولاء والنصرة لصفوته المنتجبين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا الأثر من الأنوار التي تتوهج في قلوب الباكين على الحسين وعلى مظلوميته عليه السلام فتجعلهم يجتهدون في نصرة الحق الإلهي والدين الإلهي بكل وسيلة تتاح لهم... وهذا هو موضوع حلقة اليوم وهو محور ما كتبه للبرنامج أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث قال تحت عنوان (ومضة .. من برق كربلاء): "رائية" دالة على وزن قائلها ووقار شخصيته، وعلى اقتداره الشعري بلغة جزلة متينة.. يعرف البصير بالشعر أنها من لغة القرن الرابع أو الخامس، وهي فعلاً كذلك؛ فقائلها المتوفى سنة 436 بعد عمر ناهز الثمانين هو علي بن الحسين بن موسى الموسوي نقيب الطالبيين في العراق، الشهير بالشريف المرتضى، وأخو الشريف الرضي. والمرتضى كان – وما يزال – من أكابر العلماء وأعاظم الشعراء، ومن تفرد – على نطاق واسع – للدفاع عن نهج أجداده أهل البيت عليهم السلام، فكانت مؤلفاته صوت نصرة لآل محمد صلوات الله عليهم في العلم بشتى ميادينه، كما كان شعره – وما يزال أيضاً – صوت انتصار. لامست قلب الشريف المرتضى ومضة من برق كربلاء، فالتهب قلبه مشرقاً بنور متوثب حزين، ولومض كربلاء – دائماً – فعل أشبه ما يكون بفعل لمسة "الكهرباء" لكنها كهرباء حركة وطاقة تهب القلب حرارة غاضبة وتوقداً بالضياء. آل محمد صلوات الله عليهم.. أهله وأحبابه، ومن لا يعدل بهم أحداً من الخلق، إنهم أحباء الله وأصفياؤه الذين جعلهم منبع النور في العالم ومصدر كل خير. مر بديارهم وبدورهم حفيدهم علي بن الحسين المرتضى.. بعدما وقعت واقعة عاشوراء، فإذا كل شيء قد تبدل وكل شيء أمسى خلاف ما كان عليه من الحياة المتدفقة والخصوبة المحيية، وإذا شموسها وأقمارها المحمدية المتألهة غائبة، وإذا الليل هو الذي يغطي الأرض. لابد أن يبكي الشريف المرتضى، والبكاء من أظهر علامات إنسانية الإنسان، ولابد أن يغضب وأن يهيمن عليه الخنق والغيظ، إن لم يغضب المرء لحرمات الله الكبيرة التي تستباح جهاراً.. فلمن يغضب إذن، ولمن يدخر مشاعر الغيظ والرفض والغليان؟! يبدأ الشاعر وهو يستعرض ديار أهله الخالية بمشاعر مستطلعة داخلها أسىً حزين على هذا التغير في المشهد الذي تبصره عيناه، إنه يستنطق الديار ويكلمها؛ لأنه يعرفها ناطقة زاخرة بالحياة: يا ديار الأحباب، كيف تحولـ ت قفاراً، ولم تكوني قفاراً؟! ومحت منك حادثات الليالي - رغم أنفي – الشموس والأقمار؟! ورأتك العيون ليلاً بهيماً بعد أن كنت للعيون نهارا؟! لم يكن المرتضى وحده من وقف على الديار واستنطق الآثار، إنما اتخذ له رفيقاً يرافقه في زيارته ديار الأحباب، وأحسب أن هذا الرفيق ليس رجلاً آخر منفصلاً عن شخصية الشاعر، بل إنه إنما يخاطب نفسه حين يخاطب هذا الرفيق الإفتراضي. هذا الفقد وهذا الوجد لابد أن يمضي به إلى مركز الواقعة العظمى التي غيبت أعزاء قلبه وأحباء روحه المستشهدين، إنه يعرف أين يذهب، وأين هو موضع المقتلة الرهيبة إنه ذاهب إلى طفوف كربلاء: يا خليلي، كن طائعاً لي ما دمـ ـــــــــت خليلاً، وإن ركبت الخطارا عج بأرض الطفوف عيسك واعقلـ ـــــــــــهن فيها، ولا تجزهن دارا وابك لي مسعداً لحزني وامنـحــــــ ـــــــني دموعاً إن كن فيك غزارا فلنا في الطفوف قتلى – ولا ذنـ ـــــــــــب سوى البغي من عدىً – وأسارى لماذا تتدفق موجات الحزن سراعاً الى فؤاده وتستقر في أعماقه فجأة بلا استئذان؟! إنها "كهرباء" الطفوف.. لا تستأذن ولا تستجيز أحداً في فعلها المباغت الفوري، أيستأذن البرق أحداً منا إذا ما انفتق فوقنا فجأة وأضاء؟! إن المرتضى من أبناء آل محمد ومن شيعتهم أيضاً، وهم سلام الله عليهم القائلون: شيعتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، هكذا.. دونما تفكر ودونما اختيار. إن يوم الطفوف رنحني حز ناً عليكم، وما شربت عقارا! إنه كمن أسكره هذا الحزن الغلاب ورنحه وهو يمشي.. حتى كاد يسقط على الأرض، ليس شراباً ما شربه الشاعر، وإن كان ظاهر حاله يشبه حال من أثمله الشراب، إنه الحزن الحسيني العميق.. يرنح حتى صخور الجبال. تضيق به الأرض الفضاء لدى استحضاره صور عاشوراء، وتستبد به أحزان لا أول لها ولا آخر، فلا يغدو للأنس والتنعم عندها من معنى، لابد أن يحيد عن الراحة ويزور عن اللذات؛ فالمصيبة شاملة تهيمن على كل شيء، والمهوم تطغى على ما سواها من مشاعر الإنسان: إن يوم الطفوف رنحني حز ناً عليكم، وما شربت عقارا وإذا ما ذكرت منه الذي ما كنت أنساه.. ضيق الأقطارا ورمى بي على الهموم، وألقى حيداً عن تنعمي وازورارا إن الشريف المرتضى لا يرضى مكتفياً بالهم والحزن والبكاء، ليس البكاء والتفجع والتلوع بكاف لالتئام الجروح، ولا لشفاء الصدور، إن هذا الرجال الممسوس بالوميض العاشورئي المكهرب إنما يريد "الفعل" يضيق عن همته العالية ما ينطق به من الشعر والقول، ويلتمس السبيل لينطلق إلى نصرة آل محمد المظلومين المقتولين انطلاقاً عملياً في ميدان القتل والقتال.. إسترداداً للحقوق التي عدواناً سلبت، وانتقاماً للدماء التي ظلماً سفكت. إن قضية الثأر في صدر هذا الرجل سر مكتوم لطالما حدث به نفسه زماناً مديداً، وإنه فرط تفجعه وتوجعه كاد يهتك الستر ويكشف السر، فيخرج به من الكتمان إلى العلن: كدت – لما رأيت إقدامهم فيـ ــه عليكم – أن أهتك الأستارا وأقول الذي كتمت زماناً وتوراى عن الحشاما توارى لست أرضى في نصركم – وقد احتجـــــ تم الى النصر – مني الأشعارا غير أني متى نصرتم بطعن أو بضرب.. أسابق النصارا يعلم الشريف المرتضى أن وقت القيام لثأر الحسين وثارات آل محمد لم يحن أوانه بعد، ممنوع عليه هذا الإقدام قبل أن يأذن الله به، فما هو صانع الآن وفجائع كربلاء تتأكل قلبه ولا تدعه يستريح ليس له الآن – سلاحاً – إلا سلاح الكلمة وإلا حسام الشعر، وما عليه إلا الصبر والإصطبار.. والله سبحانه المستعان: والى أن يزول عن كفي المنـ ـع خذوا اليوم من لساني انتصارا وأمرنا بالصبر.. كي يأتي الأمـ ـــر، وما كلنا يطيق اصطبارا! مستمعينا الأكارم وهكذا يتضح أن تقوية الدائمة لروح النصرة الإيمانية لله عزوجل ولأوليائه الصادقين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين هي من أهم الآثار الوجدانية للقيام الحسيني المقدس، آثار دائمة التفجر والتوهج تتمظهر بمصاديق شتى لهذه النصرة دون أن تنقطع في سلوك الباكين على الحسين عليه السلام. وبهذا نصل أيها الأعزاء الى ختام حلقة أخرى من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. شكراً لكم وفي أمان الله... الشاعر الشريف الرضي 2 - 9 2017-09-25 11:41:16 2017-09-25 11:41:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/15257 http://arabic.irib.ir/programs/item/15257 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته.. بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، فأهلاً بكم ومرحباً. إيقاد نور وجذوة الرفض للظلم وحفظها في قلوب الباكين على الحسين عليه السلام؛ هو من أهم الآثار التي يحصل عليها الإنسان من خلال صدق تفاعله مع المظلومية الحسينية، وبالتالي فهو من الآثار المستمرة للقيام الحسيني المقدس.. هذه الحقيقة نتلمسها أيها الإخوة والأخوات متجلية في كثير من نتاجات شعراء الولاء كما يتضح من الموضوع الذي اخترناه لهذا اللقاء من كتابات الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة، فقد كتب حفظه الله تحت عنوان (الهمة المتوثبة للثأر) يقول: النور الحسيني البهي الذي دخل قلب الشريف واستقر فيه.. منحه إشراقاً ومزيد حياة، ومن مزايا نور أبي عبدالله الحسين صلوات الله عليه: أنه يهب – لمن دخل قلبه – حياة زكية، ويرفع نظر قلبه المعنوي من جواذب التراب الهابطة إلى الآفاق العالية المواجة بالبهجة والسعادة والنور. وقد ازداد الرضي – رضوان الله عليه – بما غذى فؤاده من نور سيده الحسين أألقاً على ألق ونوراً على نور؛ فهو الرجل المؤمن الصادق الصفي، وهو السيد العلوي الذي تصله بالشهيد المظلوم صلة البنوة، إذ هو نابع في نسبه الشريف من دوحة الحسين هذه السامقة الباسقة الطيبة الكوثرية الثمار. وللشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي قصائد جلى فيها رؤيته واستجابة قلبه لحوادث يوم الحسين في طف طربلاء، وفي شعره الذي قاله في حياته – إبان القرن الرابع وأوائل القرن الخامس – ما هو أشد لوعة وأكثر إيلاماً من سائر مراثيه.. حتى أن إحدى قصائده ما تزال إلى اليوم سائرة بين الناس، وهي من مشهور ما ينشد في مجالس النعي والعزاء، أعني قصيدته التي مطلعها: كربلا! لا زلت كربلاً وبلا ما لقي عندك آل المصطفى؟! رحم الله الشريف الرضي، وزاده في أخراه سعادة ومزيد قرب ورضوان. قصيدة الرضي التي نتذزق فيها طعم الأسى العميق في هذا اللقاء رائية الروي.. ترينا هذا الشاعر العالم الذواق – من داخله – محزوناً غاضباً متوثب الهمة للإقتصاص. إنه السيد المفجوع المنكوب الذي قتل أهله أطايب الخلق وأبيدوا يوم عاشوراء، وسبيت عماته الفاطميات المصونات بعد قتل الأحبة وأعز الأعزاء. مناحة كبرى ومصاب لا يداوى ولا يبرأ له جرحن ثم يأتي خلي قلب من الهم والحزن يلوم الشاعر على حزنه المديد ودمعه الذي ينطف كالمطر: ورب قائلة – والهم يتحفني بناظر من نطاف الدمع ممطور: خفض عليك، فللأحزان آونة وما القيم على حزن بمعذور! فقلت: هيهات، فات السمع لائمه لا يعرف الحزن إلا يوم عاشور لا سبيل الى تخفيف الأسى أو سلو الأحزان؛ فما في العالم شيء أكبر من الحسين لينسي الحسين، إن حزن العوالم على أي مصاب آخر – إذا تركز وتجمع كله في نقطة واحدة – لا يعدل الحزن على أبي عبدالله الحسين، إذ الحزن عليه حقيقة الحزن وذروة كل الأسى والأشجان. يتمثل الرضي في خاطره مشاهد أهله الأبرار الأنوار ذبائح عاشوراء، فأي رزية من رزاياهم ينسى، وأي فاجعة ممكن أن تهون؟! هذا مثلاً مشهد مما يتملاه الشاعر، فيرتجف له وجوده كله وتأخذ بتلابيبه موجعة الآلام: وخر للموت.. لا كف تقلبه إلا بوطء من الجرد المحاضير ظمآن سلى نجيع الطعن غلته عن بارد من عباب الماء مقروركأن بيض المواضي وهي تنهبه نار تحكم في جسم من النور لله ملقىً على الرمضاء، غص به فم الردى، بعد إقدام وتشمير تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه وقد أقام ثلاثاً غير مقبور ويستشعر الرضي قربه القريب من جده الشهيد المستفرد المظلوم، إن جده إذن هو أولى من يخاطب، وأحب من يبوح له قلبه بالشكوى والمعاناة: يا جد، لا زال لي هم يحرضني على الدموع، ووجد غير مقهور إن السلو لمحظور على كبدي وما السلو على قلب بمحظور وما دام المرء لا ينسى ولا يسلو، فإن الهم جاثم مقيم، هذا الهم الغالب الذي لا يقهر، هو ما يفجر الدمع، ويفتح للعيون أبواباً للأنصاب الدائم والإنسكاب. ثم إن مصائب آل محمد الأصفياء الأبرار.. لم تتوقف عند فجائع كربلاء، وإن كانت هي أشد مصائبهم تحزيناً وإيلاماً.. فمنذ أن جعل الله أهل البيت شموس هداية وأقمار رحمة وإنقاذ وهم – على أيدي فراعنة الأرض وشياطين الإنس – ينابذون ويحاربون ويقتلون: أكل يوم لآل المصطفى قمر يهوي يوقع العوالي والمباتير؟! وكل يوم لهم بيضاء صافية يشوبها الدهر من رنق وتكدير؟! الأحزان طاغية شاملة.. وما من باب للخروج! وما عسى الرضي يصنع ليشفي صدره من اولئك القتلة المردة تحكموا – مع قتلهم لأولياء الله وأحبائه – برقاب أمة المسلمين؟! إنه حقاً عاجز لا يستطيع.. كما غيره في مثل هذا عاجز لا يستطيع. إن الثأر للحسين العظيم لا يقدر عليه إلا رجل هو وارث للحسين عظيم، وما دام الله جل جلاله قد عدّ هذا الشهيد الفريد ثأره.. فلا مفر إذن من يوم الثأر، ولو بعد حين. وهذا ما كان الشريف الرضي يترقبه ويتهيأ له، ليفوز بكرامة المشاركة، ويجوز فخر الثأر لدم جده المهدور المطول، ويا ويل الجناة من يومهم الذي يوعدون! بني أمية، ما الأسياف نائمة عن ساهر في أقاصي الأرض موتور وبنو أمية قبيلة سوء، وهم أيضاً خط.. تلقاه أرقط كالحية في حنايا التاريخ، وفي حاضر هذه الأيام، من رضي بفعل اولئك القتلة السفاحين فهو منهم بلا شك.. في أي زمان كان وفي أي مكان، أليس الإنسان هو موقف الإنسان؟! إن ساعة الثأر والإنتقام لحرمات الله المستباحة في كربلاء آتية لا ريب فيها.. يكاد ربها يخفيها؛ ليتمايز الفريقان: فريق في الثائرين لله، وفريق حق عليهم القتل والهوان. هكذا هدى السيد المرتضى قلبه المجبول من أنوار دماء كربلاء: بني أمية، ما الأسياف نائمة عن ساهر في أقاصي الأرض موتور والبارقات تلوى في مغامدها والسابقات تمطى في المضامير إني لأرقب يوماً لا خفاء له عريان يقلق منه كل مغرور وللصوارم ما شاءت مضاربها من الرقاب شراب غير منزور بالحسين الإلهي الحبيب إذن حقيقة الهداية وعذوبة النور، وبخصومه والراضين بخصومتهم حقيقة الضلال ووحشة الظلام. وهكذا يتضح مستمعينا الأفاضل عميق أثر التفاعل الوجداني مع المظلومية الحسينية في توهج أنوار البراءة من الظلم والظلام والظالمين في قلوب الباكين على الحسين عليه السلام وهذه من أبرز الآثار المشهودة للقيام الحسيني المقدس. نشكركم أيها الإخوة والأخوات على طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في أمان الله. الشاعر الشريف الرضي 1 - 8 2017-09-27 13:01:19 2017-09-27 13:01:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/15266 http://arabic.irib.ir/programs/item/15266 السلام عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة الله وبركاته.. أهلاً بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج ووقفة عند أثر آخر من الآثار المباركة أو ينابيع الحماسة الكريمة التي يفجرها القيام الحسيني المقدس في قلوب الباكين على الحسين لتفيض جداول رواء ثرّ تسقي شجرة الحياة الكريمة الطيبة. في هذا اللقاء لنا وقفة عند القيام الحسيني ونور بعث وترسيخ روح الغيرة الإيمانية على المقدسات الإلهية.. كتب الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة تحت عنوان (الغيرة الطافحة) يقول: هذه بكائية جليلة تفجرت من صدر رجل جليل، رجل عالم مليء علماً، وأديب طافح أدباً، وشاعر متوهج شعراً، وهو الى هذا كله ذو سؤدد وشرف ومنزلة سامية، إذ كان 0 في أواخر القرن الرابع – نقيب الطالبيين في العراق، ومن هنا لحقه لقب الشريف. إنه محمد بن الحسين بن موسى الموسوي الذي عرف بالشريف الرضي، كما عرف أخوه العالم الإمامي الكبير بالشريف المرتضى، وهما من الذرية النبوية الطاهرة، من نسل الإمام الشهيد موسى بن جعفر الكاظم سلام الله عليه. وللشريف الرضي – كما لأخيه المرتضى – بصر بفاجعة كربلاء.. حفظ التعبير عن لواعجهما القلبية شعرهما الكثير الذي وصل إلينا، وكانت لمراثي كربلاء في هذا الشعر مزية متميزة وآهات عميقة زخارة بالثكل والشجن وثقيل الحزن. للشريف الرضي – من بين شعره – قصيدة لامية، هي من فن الشعر في الذروة ومن جمال التعبير في الطليعة، كأنما هي لوحة فنية باطنية حية تقرأ فيها الأسى والحرقة واللوعة وطويل الأحزان، كما تقرأ فيها هذه الغيرة على حرمات آل محمد، وهذه الحمية العلوية المتوثبة التي تكاد تنفجر صارخة ثأراً للدم الحسيني المطلول، وانتصافاً لظلامات السبيات العقائل الفاطميات المصونات المأخوذات قسراً الى أجلف جلف من حكام المسلمين. يبكي الرضي ويتأرم غيظاً على فجائع عاشوراء، وحق له أن يبكي وأن يحتدم في داخله الغيظ بطلاً غيوراً أبياً للذل والهوان، لكن ثمة ما يمنعه من الإنطلاق! القصيدة الرائعة هذه تحكي حكاية الثكل والثأر المكظوم المكتوم، ومن أعجب ما في قصيدة هذا السيد الشريف أنها تنقل الى داخل مشاعرك – إذا تأملتها بروية – ما يعتلج في صدره من توقد وثورة غاضبة وعزم على الثأر جارف كالسيل.. فإذا الغليان يسري من صدر الرضي إلى صدرك، وإذا أنت المعني بهذا الأسى المجرح وإذا أنت المتوثب للثأر، وهذا في الفن الشعري كاشف عن درجة عالية من درجات الرقي؛ لأن هذا الشعر طفح من مرتبة رفيعة من مراتب الصدق. منذ مطلع القصيدة التي سنقف عند أبيات منها.. تتراءى في مشاعر هذا السيد حكمة محزونة لا يستنيم صاحبها إلى خدر الدنيا، ويرى العبور عنها غاية لابد أن يبلغها المرء: راحل أنت .. والليالي نزول ومضر بك البقاء الطويل غاية الناس في الزمان فناء وكذا غاية الغصون الذبول هذا كان تمهيداً من الشريف الرضي ليدخل في عالم عاشوراء.. هذا العالم الدامي المفجع الذي يحيل القلب مأتماً دائماً مناحة عزاء، لكن المشهد الذي رسمه الرضي بكلماته فيه مزية معبرة عن مشاعره الفوارة، وهو السيد النبيل الأبي المنحدر نسباً من الشهيد المظلوم أبي عبد الله الحسين. مزية هذا المشهد في قصيدة الرضي أن الوصف الحركي فيه تمازجه مشاعره الهاشمية المتفجرة، وتخالط صور الرزايا فيه أحاسيس الحزن والتفجع والمفاداة: أي يوم أدمى المدامع فيه حادث رائع وخطب جليل؟! يوم عاشور الذي لا أعان الـ صحب فيه، ولا أجار القبيل يا ابن بنت الرسول، ضيعت العهـ د رجال، والحافظون قليل ثم تنطق غيره الرضي على لسانه إزاء ما لقي آل الله وسيدهم الحسين من مصائب وكروب: أتراني أعير وجهي صوناً وعلى وجهه تجدل الخيول؟! أتراني ألذ ماء.. ولما يرو من مهجة الإمام الغليل؟! والسبايا على النجائب تستا ق، وقد نالت الجيوب الذيول؟! قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل وتنقبن بالأنامل، والدمـ ــع على كل ذي نقاب دليل وتشاكين، والشكاة بكاء وتنادين، والنداء عويل أي رزايا كربلاء يبكيها الشاعر ذو الهمة العالية الغيور؟ رزايا متصلة داخل بعضها في عمق بعض، تجرحه الآن غربة جده الحسين الشهيد في كربلاء، ومقتله الفجيع بأيدي أراذل الأعداء، الرضي غدا أيضاً غريب الصبر، قتيل النوم والرقاد، وما عساه يصنع بهذا الشوق العارم الباكي الطامح إلى اللقاء بسيد الشهداء؟! ألا ليته قتيلاً معه دفاعاً عنه، أو ليته – في الأقل – مقيم في كربلاء يسقي ثراها بدموع عينيه: يا غريب الديار، صبري غريب وقتيل الأعداء، نومي قتيل بي نزاع يطفى إليك وشوق وغرام وزفرة وعويل ليت أني ضجيع قبرك، أو أن ثراه بدمعي مطلول الومضة التي مست قلب هذا الشاعر الكبير من نور كربلاء هيأته إلى الإقدام الجاد على أخذ الثأر العظيم، أليس الإمام الحسين ثار الله وابن ثاره؟! ومن أولى من أصحاب الإيمان والتوحيد – لا سيما ذراري أهل البيت عليهم السلام – لأن يبادروا إلى اقتحام المخاطر لإنجاز هذه المهمة التاريخية المقدسة؟! لكن الثأر ممنوع الآن على الشريف الرضي بالنهج الذي فكر فيه.. إلا أن يحين وقته المترقب المذخور. هو ذا أعد العدة، لكن سلاحه معطل عن العمل رغماً عنه، وجياده مسرجة حاضرة، بيد أنها لن تفارق مرابطها، لكن الشوق ما يزال طافحاً، والصورة تملأ منه القلب والخيال: يا بني أحمد، إلى كم سناني غائب من طعانه ممطول؟! وجيادي مربوطة والمطايا ومقامي يروع عنه الدخيل كم إلى كم تعلو الطغاة، وكم يحـ ــــــكم في كل فاضل مفضول؟! ليت أني أبقى، فأمترق النا س، وفي الكف صارم مسلول وأجر القنا لثارات يوم الطف.. يستلحق الرعيل الرعيل إن هذا التهيؤ من الشريف الرضي ليقطع علائقه النفسية بالدنيا من حوله – وهو في مركز إجتماعي مرموق – إنما هو فتح له وظفر.. فاز به من نور أبي عبدالله الحسين. وأخيراً.. فالشاعر يفخر بانتمائه إلى أهل البيت الطاهرين، كما يفخر أن يكون المحزون لأحزانهم.. المبادر إلى نصرتهم في المبادرين: أنا مولاكم، وإن كنت منكم والدي حيدر وأمي البتول وإذا الناس أدركوا غاية الفخـــ ر شآهم من قال: جدي الرسول وبهذا نصل مستمعينا الكرام الى ختام حلقة أخرى من برنامج (نور من كربلاء) كان موضوعها آثار القيام الحسيني المقدس في بعض وترسيخ روح الغيرة على المقدسات الإلهية من الباكين على الحسين عليه السلام، شكراً لكم على كرم المتابعة ولكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران خالص الدعوات دمتم في أمان الله. الشاعر صاحب بن عباد - 7 2017-05-17 12:05:16 2017-05-17 12:05:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/14785 http://arabic.irib.ir/programs/item/14785 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج فأهلاً بكم ومرحباً. أيها الأفاضل، في البكاء على الحسين – عليه السلام – نور إلهي مشهود يرسخ محبة جد الحسين الهادي المختار صلوات ربي عليه وآله الأطهار. هذا النور ينبثق من فطرة التعاطف مع المظلوم فكيف إذا كان المظلوم هو أشرف الكائنات وأعظمهم بركة على الخلائق أي النبي الأكرم المبعوث رحمة للعالمين – صلى الله عليه وآله الطاهرين – فمن الواضح لمن سبر وقائع كربلاء الدامية أن هدف أشياع آل أبي سفيان من قتل الحسين وآله يوم عاشوراء هو إبادة أهل البيت المحمدي وإطفاء النور المحمدي أي قتل النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – وفي أفظع صور الجفاء لمن حكموا المسلمين بإسمه وهذا من أبشع مصاديق الظلم الفضيع لسيد المرسلين – صلى الله عليه وآله -. من هنا كان في البكاء على الحسين نور الوفاء لرسول الله وبالتالي نور البراءة من أعدائه والثبات على صراطه الإلهي المستقيم. تحت عنوان شعر النور كتب الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة يقول: الصاحب بن عباد أيضاً يبكي الحسين، وماله لا يبكي ولم يقد قلبه من الحجر! حتى الحجر يوم الطف بكى الحسين، ألم يؤكد محدثون ومؤرخون – من غير شيعة أهل البيت – أنه لم يرفع حجر في الدنيا يوم عاشوراء إلا رأوا دماً يشخب من تحته؟! ابن سعد قائد عسكر قتل الحسين كذلك بكى الحسين.. رغماً عنه بكى الحسين إذ رىه وحيداً صريعاً يجود بنفسه المقدسة، من يملك عينيه أن لا يبكي فجائع شهيد الله الأعز إلا أصحاب القلوب الميتة التي ما شمت يوماً رفة حياة، وما ذاقت طعماً لإنسانية أو وجدان؟! الصاحب بن عباد بكى الحسين، وهو جدير بهذا البكاء؛ لأنها ذو قلب وفقه الله تبارك وتعالى للإنفتاح على أهل البيت الأبرار الأطهار، فكان لهم منه: الحب والصدق والإفتخار بهم والإعتزاز. والصاحب هذا لم يكن في زمانه مغموراً غير مشهور، ولا كان رجلاً من عامة الناس وعوام الخلق، بل هو كاتب عد أحد كتاب الدنيا الأربعة، وهو عالم شهير وأديب كبير وشاعر بحبه آل محمد جهير، وهو – فوق ذلك كله – وزير.. تسنم منصب الوزارة للبويهيين إبان القرن الرابع ثماني عشرة سنة في الري وبغداد. الحب لأهل البيت والبغض لأعدائهم من مزاياه، شعره نطق بهذا معبراً عن مكنون ضميره، قال – فيما قال – يخاطب أحد الأمويين من معاصريه: ذروني وآل المصطفى خيرة الورى فإن لهم حبي كما لكم بغضي ولو أن عضوي مال عن آل أحمد لشاهدت بعضي قد تبرأ من بعضي! وقال عن وثيق تمسكه بنور سيده ومولاه علي أمير المؤمنين: أبا حسن، لو كان حبك مدخلي جهنم.. كان الفوز عندي جحيمها وكيف يخاف النار من هو موقن بأنك مولاه وأنت قسيمها؟! يسمون الشعر الذي يعنى بندب الفقيد والتحسر على مآثره "رثاء" للميت، ويسمون القصيدة التي تتغنى بأوصافه ومحامده "مرثية" من المراثي، هذا يصح لعامة من مات أو قتل من الناس. أما الشعر الذي يتحرك قلب صاحبه عظمة لأبي عبدالله الحسين وأسىً حزيناً على فجائعه وفجائع أهله وأصحابه في عاشوراء العشق والدم والعروج القدسي الفريد.. فهو أكثر من مألوف الشعر، وأرقى من مجرد الرثاء، إنه "شعر نور" خاص.. معطر بالحزن، ومضمخ بالأحمر القاني، وصاعد – مقبولاً – الى الله. المرء – في بكائه الحسين – إنما يعزي الله في فقيده وشهيده وحبيبه الأعز؛ فالحسين – روحي فداه – خامس الخمسة الأطياب الذين مجد الله محبتهم في القرآن، وعظم ذكرهم بما لم يعظم به أحداً من الأولين والآخرين، إنهم هداة العالم أولياء الله وأحباؤه المتفردون. للصاحب بن عباد هذا قصيدة نور من هذا النمط.. انبثقت من حركة قلبه الذي طاف حول ملحمة العشق الألهي الحسيني في كربلاء، وهي قصيدة من قصائد أخرى له في هذا النور. بدأ ابن عباد قصيدته بالبكاء.. مخاطباً عينه التي تجود بجاري الدموع، ولعله أنشأ قصيدته وهو يبكي شهيد كربلاء، فجاءت معطرة بماء العيون: عين.. جودي على الشهيد القتيل واتركي الخد كالمحل المحيل قلبه وعينه يبكيان، فإن أثرت دموع عينيه في خده فجعلته متغير اللون.. فما أثر بكاء قلبه إذن في قلبه؟! هذا البكاء – على عظمته ونفاسة قدره – لا يجده الشاعر يرقى الى عظمة الشهيد الغريب المظلوم، لو بكى حتى تصير دموعه سيولاً تملأ البحار.. ما وفى بكاؤه حتى لحق أحد أنصار الحسين: كيف يشفي البكاء في قتل مولا ي إمام التنزيل والتأويل؟! ولو أن البحار صارت دموعي ما كفتني لمسلم بن عقيل بدأ الصاحب يلامس نقطة من عظمة سيد شباب أهل الجنة قتيل عاشوراء، ولعل هذه الملامسة وأخواتها هي مما يفجر في داخله بركان الأسى المغيظ ويدفق شلال الأحزان والدموع، أشار الى شهيد الله بأنه "إمام التنزيل والتأويل" كما سيشير الى معرفة له مهمة بأبي عبدالله الحسين: قاتلوا الله والنبي ومولا هم علياً، إذ قالتوا ابن الرسول ثم لم يشفهم سوى قتل نفس هي نفس التكبير والتهليل هي نفس الحسين نفس رسول الله، نفس الوصي، نفس البتول كل مشهد من مشاهد مديحة كربلاء، عالم قائم بنفسه، وملحمة صاعقة بمفردها.. يستحضر الشاعر المحزون الغاضب ذكرها المفجع ودموعه سافحة على خديه: والحسين الممنوع شربة ماء بين حر الظبى وحر الغليل مثكل بابنه، وقد ضمه وهـ و غريق من الدماء الهمول فجعوه من بعده برضيع هل سمعتم بمرضع مقتول؟! ثم لم يشفهم سوى قتل نفس هي نفس التكبير والتهليل ذبحوه ذبح الأضاحي، فيا قلــ ب تصدع على العزيز الذليل! وطئوا جسمه وقد قطعوه ويلهم من عقاب يوم وبيل نصبوه على القنا.. فدمائي لا دموعي تسيل كل مسيل واستباحوا بنات فاطمة الزهـ راء لما صرخن حول القتيل حملوهن – قد كشفن – على الأقــ تاب.. سبياً بالعنف والتهويل الأبيات بينة واضحة الصراخ، جهيرة في تجريحها وتقطيعها قلوب أهل الإيمان وأصحاب الوجدان. مرة أخرى يعترق الصاحب بن عباد بأن بكاءه مهما اشتد وعلا غير لائق بحرمة شهيد فاطمة البتول. هذه النقطة تلح عليه؛ لما يستشعر من عظم المصيبة وهو المأساة، آه .. لو أمكن أن تذوب روحه وتسيل بدل أن تسيل من عينيه الدموع! لن يخسر المرء شيئاً مهما بذل – ولو روحه – في طريق الحسين، ما يبذله المرء في طريق الحسين هو الباقي، وكل ما عداه ينفد ويزول. يا بني المصطفى، بكيت وأبكيــ ت، ونفسي لم تأت بعد بسولي أي بسؤلي ومطلبي ليت روحي ذابت دموعاً، فأبكي للذي نالكم من التذليل فولائي لكم عتادي وزادي يوم ألقاكم على سلسبيل هذه واحدة من قصائد "شعر نور الحسين" الذي أضاء قلب الصاحب بن عباد، فجرى على لسانه مجرى رقراق الماء. مستمعينا الأفاضل؛ هكذا يتضح عظيم آثار البكاء على الحسين في جعل المؤمن يتنور بأنوار جد الحسين الحبيب المصطفى الأمين فهو – صلوات الله عليه وآله الطاهرين – كان المستهدف الأول لأشياع آل أبي سفيان وكان محو ذكره هدفهم الأول؛ من هنا صار البكاء على الحسين النور الذي يثبت الباكين على الحسين على الصراط المستقيم وعلى المحمدية النقية البيضاء. وبهذا ننهي أيها الأطائب حلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته آمنين والحمد لله رب العالمين. الشاعر أبو الحسن علي بن حماد العبدي البصري - 6 2017-02-07 13:02:55 2017-02-07 13:02:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/14486 http://arabic.irib.ir/programs/item/14486 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. أزكى التحيات نهديها لكم في مطلع حلقة اليوم من هذا البرنامج، فأهلاً بكم ومرحبا. أيها الأفاضل؛ المستفاد بوضوح من الأحاديث الشريفة أن البكاء على الحسين عليه السلام والتفاعل الوجداني الصادق مع قيم نهضته القدسية، هما أقوى وسائل إنقاذ المؤمنين من الفتن المضلة بحفظ حركتهم وسيرهم على الصراط الإلهي المستقيم والتمسك بالعروة الوثقى المنجية من كل ضلالة أي القرآن الكريم والعترة المحمدية الطاهرة كما نص على حديث الثقلين المتواتر. والبكاء على الحسين عليه السلام يقوي ارتباط المؤمن بوارث الحسين والآخذ بثاراته قائم المحمديين إمام العصر المهدي الموعود، ويجعله بذلك في حركة مستمرة للتقرب الى الله للتمهيد لظهور بقيته وخليفته المهدي عجل الله فرجه؛ وبذلك تكون النجاة من ميتة الجاهلية. وهذا ما يتجلى في الإشعار الحسينية لأحد كبار العلماء المحدثين رضوان الله عليه وعنه يحدثنا الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة قال حفظه الله تحت عنوان إشراقة شمس كربلاء: صوت من القرن الرابع اخترقت قلبه رزية واقعة الطف وجرحته، فأوقدت أحزانه وأسالت دموع عينيه، ويبدو أن صاحب هذا الصوت شديد الإحساس، قريب الإنفعال، سريع إستجابة القلب لفجائع آل محمد.. لا سيما فجائع كربلاء. إنه أبو الحسن علي بن حماد العبدي البصري الذي كان – الى جوار شاعريته – من حفظة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ومن الفياضين بالمودة لهم والمعتزين بالإنتماء إليهم وهذا مما نقرأه في قصائده المتعددة التي ما تزال مائلة حاضرة الى اليوم. شعر ابن حماد العبدي في الإمام الحسين سلام الله عليه، وفي تعاطيه مع فاجعة عاشوراء.. تتجلى من ثناياه عدة إشراقات تلخص موقفه ونوع إستجابته القلبية للحدث الدامي الكبير المتشعشع في كربلاء. وأبرز ما يومض في شعر هذا الشاعر من إشراقات: حزنه الشديد ولوعته المستمرة، وانجذابه الى كربلاء الحسين زيارة واستلهاماً، ونفوره من الناصبين للحسين ولأهل البيت العداء، ورجاؤه الأخروي بالفوز والفلاح، ثم انتظاره ليوم الثأر ملتحقاً بركاب الآخذ بثارات الحسين وآل الحسين صلوات الله عليهم. أول إشراقة لإبن حماد من شمس كربلاء: توهجه بالأسى والبكاء الذي صبغ بلونه أيام حياته، وأدخله – رضوان الله عليه – في مآتم عاشورائية لا يعذر نفسه إذا تخلى عنها، إنه يرى هذه المشاركة الروحية البكائية حقاً في عنقه لآل محمد الأطهار، لن يصغي في شأنها الى لوم اللائمين: أفي يوم عاشور ألام على البكا ولو أن عيني من دم دمعها يجري؟! إذا لم أقم في يوم عاشور مأتماً ولم أندب الأطهار فيه.. فما عذري؟ سأبكيك عمري يا ابن بنت محمد وأسعد من يبكي عليك مدى عمري حتى في أيام الأعياد لا ينسى قلبه المتعلق بمولاه الحسين لا يدعه ينسى، وإن عيد الناس من حوله وأقاموا مجالس الأفراح، إنهم يجددون في العيد ثيابهم، وهو أيضاً يجدد، لكنه يجدد لوعته وزفرات فؤاده، فكل يوم يرى ابن حماد أنه يوم عاشوراء: هن بالعيد – إن أردت – سوائي أي عيد لمستباح العزاء؟! إن في مأتمي عن العيد شغلاً فاله عني، وخلني بشجائي فإذا عيد الورى بسرور كان عيدي بزفرة وبكاء وإذا جددوا ثيابهم جد دت ثوبي من لوعتي وضنائي وهو حاضر الجواب لمن يستكثرون عليه هذا، ويبلغ ذروة من رهافة الحس الأخلاقي الجميل إذ يستشعر الحياء من الحسين؛ لأنه ما يزال عائشاً في الدنيا التي قتل فيها الحسين: وقليل لو مت هماً ووجداً لمصاب الغريب في كربلاء أألذّ الحياة بعد قتيل الـ طف ظلماً؟! إذن لقل حيائي! ولعل شوق علي بن حماد هذا الى المزار الحسيني في كربلاء الشهادة فرع لهذه الأحزان الطافحة وللاعج الحنين، وهذا الشوق هو الإشراق الثاني الذي عبر عنه في عدة مواضع من شعره، نكتفي منها بقوله: مودتكم أجر النبي محمد عليه، فآمنا بذلك وصدقنا فنحن مواليكم تحن قلوبنا إليكم إذا إلف إلى إلفه حنا نزوركم سعياً، وقل لحقكم لو انا على أحداقنا لكم زرنا ولو بضعت أجسادنا في هواكم إذن لم نحل عنه بحال ولا زلنا إن إيمان الشاعر ويقينه بنقاء خط آل محمد مما هو جلي واضح في كثير من أشعاره، ويرى أن الخير والفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة إنما يؤتاه من اهتدى بهدى آل محمد ولامس قلبه قلوبهم، فصار يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم: أنا مولاكم ابن حماد أعدد تكم في غد ليوم جزائي ورجائي أن لا أخيب لديكم واعتقادي بكم بلوغ رجائي وهو موقن كل اليقين أنه سينال ما أمل، ويبلغ بآل محمد ما رجائي سيعطي ابن حماد من الآل سؤله ويعلوه ظل في الأنام ظليل فآمل آل الله ينجو، وغيره يتاه بهم عن قصده ويميل أما المعاندون الذين اختاروا الإنزلاق الى الدرب الأسود الوعر الذي يفضي بسالكيه الى باب الجحيم.. فهم من نصبوا العداء لأحباء الله آل محمد سلام الله عليهم، وهم من يواجههم الشاعر – في إشراقه الرابع – بالبراءة والخصام، قال يخاطب أهل البيت: وما ذنبنا عند النواصب ويلهم سوى أننا قوم بما دنتم دنا فإن كان هذا ذنبنا فتيقنوا بأن عليه لا انثنينا ولا نثنى ولما رفضنا رافضيكم ورهطهم رفضنا وعودينا، وبالرفض نبزنا وفي معنى قريب من هذا، قال في قصيدة عينية: فإن عاب النواصب ذاك مني فلا أعدمت ذَ يّاك المعابا وإن يك حب أهل البيت ذنبي فلست بمبتغ عنه متابا الى جوار التفجع الباكي الذي يشيع في شعر ابن حماد.. ثمة أمل كبير يراوده بين الوقت والآخر، هو أمل ظهور صاحب الثأر الذي ادخره الله تعالى لهذه المهمة المنقذة، وهذا خامس إشراقات كربلاء في قلب علي بن حماد العبدي: فيا غائباً في خطة القدس حاضراً ويا ناظراً من حيث ندري ولا ندري متى ينجز الوعد الذي قد وعدته وتأتي به الأوقات من زاهر العصر؟ حقيق على الرحمن إنجاز وعده وتبليغه.. حتى نرى راية النصر لعل ابن حماد يجرد سيفه ويقتص من أعداء سادته الغر فإن قصرت كفي بيومي فإنني سأقتلهم باللعن في محكم الشعر وهكذا نلاحظ – مستمعينا الأفاضل – ومن خلال هذه الرحلة في الأشعار الحسينية للعالم الأديب والمحدث الحافظ الشيخ علي بن حماد البصري، كيف تتكامل آثار أنوار النهضة الحسينية في قلوب المؤمنين الباكين على الحسين – عليه السلام – لتجعلهم في حركة دؤوبة في السعي للتمهيد لظهور الإمام المهدي الموعود – عجل الله فرجه – وإنهاء كل ظلم وجور؛ وبهذا السعي الإيماني الدؤوب يتقربون الى الله وينجون من كل ضلالة ومن ميتة الجاهلية وهم يجسدون صدق تمسكهم بإمام زمانهم المهدي المنتظر – أرواحنا فداه -. ختاماً تقبلوا منا جزيل الشكر لحسن متابعتكم لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله. الشاعر دعبل بن علي الخزاعي (كل شيء يبكي الحسين) - 5 2016-12-27 12:09:30 2016-12-27 12:09:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/14335 http://arabic.irib.ir/programs/item/14335 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. معكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج نستنير فيها بنور آخر من الأنوار الإلهية التي تنبثق من القيام الحسيني.. إنه نور البراءة من أعداء الله ورسوله الظالمين وإدانة فعالهم وفي ذلك صيانة النفس من الوقوع في الظلم بمختلف مراتبة وهذا من أهم الثمار الزاكية للبكاء على المظلومية الحسينية.. ونجدها في عديد من نماذج الشعر الحسيني الصادق ومنها ما يحدثنا عنه أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان (كل شيء يبكي الحسين) يقول: غير القصيدة التائية المطولة.. لدعبل بن علي الخزاعي شعر آخر غي الإمام الحسين روحي فداه، منه قصيدة رائية، وأبيات عينيه وأخرى دالية، ثم أبيات تائية أيضاً. هذا غير ما ضاع من شعره أو أضيع عمداً من قبل مناوئيه، إذ كان دعبل قوياً في فنه الشعري إبان القرنين الثاني والثالث، قوياً في اعتقاده بأهل البيت سلام الله عليهم وفي محبته الطافحة لهم، فاتخذ شعره مرآة تجلي محبته.. وسلاحاً لمواجهة أعدائهم الذين يضمرون أو يظهرون لهم البغض والشنان. أما تائيته التي لها حديث آخر مستقل.. فهي القصيدة الخالدة المتلألئة الفصيحة الإعلان عن حبه القدسي لآل محمد، والصريحة في بيان أشجانه وأحزانه على المصائب التي اجترحها بحقهم حكام المسلمين المتسلطين، وهي القصيدة التي أنشدها دعبل في مرو بخراسان في محضر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وبكى لدى ذكر مصائب أهل البيت المضطهدين المظلومين، حتى غشي عليه أكثر من مرة. مباركة هي تائية دعبل في الشعر، ومفلح هو دعبل في الشعراء. في شعره الآخر.. يبكي الحسين ويستبكي، ومن مزايا شعر دعبل أنه ينظر نظرة كلية الى ظلامات آل محمد.. تلك التي حفرت في ذاكرة الحياة أعمق حفر، وما يزال لها أبقى أثر، ثم يفرد ظلامة شهيد الله الذبيح أبي عبدالله الحسين بمناحة خاصة، آل محمد – في رؤية دعبل الخزاعي – كما هم في الواقع – وحدة واحدة لا تتجزأ، لكن منهم ألقه الخاص وظهوره المتميز، أما ألق الغريب المظلوم المستفرد فهو ألق أحمر مدمى.. كأنه في وسط صفاء سماء العالم شمس مشرقة حمراء. كل شيء يبكي الحسين، هذا الشاعر هو أيضاً شيء من أشياء العالم.. منخرط في المناحة الشاملة، كأن من يمتنع عن البكاء أو يأنف.. ذرة تائهة داخلة في ظلمة العدم! إن كنت محزوناً فما لك ترقد؟! هلا بكيت لمن بكاه محمد؟! هلا بكيت على الحسين وأهله؟! إن البكاء لمثلهم قد يحمد لتصنعضع الإسلام يوم مصابه فالجود يبكي فقد والسؤدد فلقد بكته في السماء ملائك زهر كرام راكعون وسجد ثم يستذكر أطرافاً من فاجعة كربلاء، وما تضج به من أسىً وثكل مريع: لم يحفظوا حق النبي محمد إذ جرعوه حرارة ما تبرد قتلوا الحسين فأكثلوا بسبطه فالثكل من بعد الحسين مبرد كيف القرار؟! وفي السبايا زينب تدعو بفرط حرارة: يا أحمد! هذا حسين بالسيوف مبضع متلطخ بدمائه مستشهد؟! يا جد، من ثكلي وطول مصيبتي ولما أعانيه أقوم وأقعد أما أبيات جعبل العينية الخمسة.. فيبدو أنها وحدها الباقية من قصيدة له طويلة، أما سائرها فأهمله من رواها من مؤرخي الأدب المتعصبين على الحق، وما حفظ إلا هذه الخمسة، في هذه الأبيات التي أفلتت من التضييع والإبادة.. مشهد مأساوي من أشد المشاهد إيلاماً وتجريحاً للقلوب: رأس ابن بنت محمد ووصيه - يا للرجال – على قناة يرفع دعبل يندب الرجال للإنتفاض والإنقضاض، لكن.. لا رجال! كلهم يرون بأعينهم القمر المحمدي المبضع المصبوغ بدم الشهادة محمولاً على رمح طويل.. يطاف به – تشهيراً وشماتة – في مدن المسلمين، وما يرف لأحد من الموتى جفن! ومع هذا كله.. يغلب على مشهد الرأس الأقدس بهاء الجمال، بهاء خارق وجمال من نوع فريد.. تود كل روضة غناء بالزهر والعطر أن تكون موضع قبره.. فائزة باحتضان جسد النور: رأس ابن بنت محمد ووصيه - يا للرجال – على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبسمع لا جازع من ذا ولا متخشع أيقظت أجفاناً وكنت لها كرىً وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع كحلت بمنظرك العيون عماية وأصم نعيك كل أذن تسمع ما روضة إلا تمنت أنها لك مضجع، ولخط قبرك موضع وفي أبياته التائية الأخرى – غير مطولة المعروفة – يبكي دعبل حزناً ويسكب العبرات، هو ذا يخاطب نفسه ويحادثها من خلال الدموع: أتسكب دمع العين بالعبرات وبت تقاسي شدة الزفرات وتبكي لآثار لآل محمد فقد ضاق منك الصدر بالحسرات ألا فابكهم حقاً، وبل عليهم عيوناً لريب الدهر منسكبات ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم وداهية من أعظم النكبات سقى الله أجداثاً على أرض كربلا مرابيع أمطار من المزنات وصلى على روح الحسين حبيبه قتيلاً لدى النهرين بالفلوات أنا الظامئ العطشان في أرض غربة قتيلاً ومظلوماً بغير ترات وقد رفعوا رأس الحسين على القنا وساقوا نساء ولها خفرات الحزن المجرح المرنح الذي يستبد بصميم قلبه سيفجر دعاء على من تولى كبر مذبحة عاشوراء وقذائف لعنات، عمر بن سعد ومن تبعه من شيعة آل أبي سفيان أثبتوا – بفعلتهم الشنيعة الفظيعة – أنهم "لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة" لا يصونون لله حرمة، ولا يحفظون عهداً من العهود، تجرأوا بفضاضة وفضاعة على أكرم أهل العالم خامس الخمسة الطيبين الأطهرين: تقتيلاً وذبحاً وتمثيلاً وشتماً ونهباً.. دون أن يبالوا بشيء، ثم – يا ويلهم – لما فرغوا من مذبحة الحسين وأهله وقفوا لصلاة المغرب يصلون! ما أخيب المرتكس على رأسه في الضلال وما أتعس المنكوس من "الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"! دعبل لا يطيق خطاب ابن سعد، لكنه على رغمه سيخاطبه، تعبيراً عن غضبات قلبه التي تغلي باستمرار: فقل لابن سعد، عذب الله روحه: ستلقى عذاب النار باللعنات سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا وأقنت بالآصال والغدوات على معشر ضلوا جميعاً، وضيعوا مقال رسول الله بالشبهات وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (نور من كربلاء) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. في امان الله. الشاعر دعبل بن علي الخزاعي - 4 2016-11-26 12:40:57 2016-11-26 12:40:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/14236 http://arabic.irib.ir/programs/item/14236 نور من كربلاء – 4 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله أعمالكم وتقربكم إليه عزوجل بإحياء الشعائر الحسينية القدسية وهي من زاكيات مصاديق نصرة الله وأوليائه عليهم السلام. نور الإعداد والتعبئة لنصرة الله وأوليائه وإقامة قيم العدالة الإلهية الشاملة هو من الأنوار الرئيسة التي يبعثها في قلب صدق التفجع لمظلوميات شهداء كربلاء وسباياها عليهم جميعاً سلام الله. وهذا، مستمعينا الأفاضل، ما نجده متجلياً في العديد من نتاجات الأديب الحسيني الحمامي ومنها النموذج الذي يحدثنا عنه في هذا اللقاء أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان: مرثية.. في محضر الإمام الرضا عليه السلام يقول: دعبل بن علي الخزاعي شعره في آل محمد صلوات الله عليهم شعر متميز، متميز بالفن، ومتميز بالموقف. في الفن هو من كبار شعراء القرن الثاني والثالث، وهو في الموقف من الثابتين على الولاء لأهل البيت سلام الله عليهم، ومن الشاهرين ألسنتهم للبراءة من أعدائهم والطعن على ظالميهم، هذه الجرأة التي عرف بها دعبل وجسارته في المواجهة لابد أن يدفع لها ثمناً غير قليل، وكان بغض المعتصم العباسي له وعزمه على قتله قبل أن يفر دعبل ويتوارى في الجبال.. واحدة من صور الإضطهاد الذي لقيه هذا الشاعر الفحل النبيل، دعبل نفسه عرفنا بمكابدته الإيذاء لجهره بما يعتقد إذ قال: أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها! وشعره الذي قاله في أهل البيت وفيما وقع عليهم من ظلم المسلمين شعر كثير، أخفي جله وبقي منه قليل، لكنه – على قلته – دال على وثيق إيمانه وشديد محبته لآل محمد الذين يفتخر – بملء فمه – بانتمائه إليهم وبمشايعتهم وتائيته الطويلة الخالدة معلم بارز وعلامة كبيرة مضيئة، كافية – وحدها – لتعرفنا بموقف هذا الشاعر الكبير.. يوم أنشدها في محضر الإمام علي بن موسى الرضا – صلوات الله عليه – في مرو من إقليم خراسان. عدد دعبل أشهر الظلامات الواقعة على آل محمد الهداة الطاهرين، واللافت أنه لم يكن يكتفي بتعداد هذه الظلامات تعداد متفرج غريب همه وصف ما يشاهد، بل إن مشاعره الإيمانية المحزونة الغاضبة تمازج وصفه وتصبغ بلونها الدافق الغيور صور النعت والتصوير، إذا تحدث إجمالاً عن الرزايا التي تجرعها أهل البيت من الحكام المتسلطين.. قال: رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة وردت أجاجاً طعم كل فرات علناً يرتفع صوته الجهير بحب أهل البيت الإلهيين المحمديين، في نوع من التحدي البين لمناوئيهم، ولون من الإلتزام المصيري الغالي التكاليف: ملامك في آل النبي، فإنهم أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي تخيرتهم رشداً لنفسي، إنهم - على كل حال – خيرة الخيرات نبذت إليهم بالمودة صادقاً وسلمت نفسي طائعاً لولاتي فيارب، زدني في هواي بصية وزد حبهم – يا رب – في حسناتي سأبكيهم ما حج لله راكب وما ناح قمري على الشجرات وإني لمولاهم وقال عدوهم وإني لمحزون بطول حياتي القصيدة التائية من روعتها أن كل بيت من أبياتها جوهرة منفردة، وهي في مجموعها قلادة نفيسة متكاملة تشع رونقاً وبهاء، وقد فاز كثيرون بحفظها عن ظهر قلب، وأوصى بعض عارفي قدرها أن توضع معه في قبره؛ إستمداداً من نورها، وطلباً للأمن في البرزخ؛ فإن صاحبها قد نال الأمان بدعاء الإمام الرضا عليه السلام، لما بلغ في إنشادها بمحضره قوله: لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لأرجو الأمن بعد وفائي قال له إمام الرأفة والحنان: آمنك الله يا دعبل، وهكذا كان. كثيرة هي الرزايا التي أوقعها ضلال الناس وعداؤهم بذرية النبي وأهله الأنوار الأقربين. وكثيرة هي آلام القلب التي تحرق لها قلب دعبل من هذه الرزايا، وتبرز مقتلة كربلاء من بينها ذات مذاق ملوع خاص.. وكل رزاياهم مفجعة ملوعة تشحذ قلب ذاكرها بوارق غضب قدسي مستنير. استحضر الشاعر فاجعة أبي عبدالله الحسين في قصيدته استحضاراً باكياً نادباً ممزوجاً بمشاعره التي تقطر حباً علوياً وفيض مودة وموالاة، منها قوله الراثي يحدث الصديقة المفجوعة بنت حبيب الله محمد وأم الحسين الشهيد: أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي نجوم سماوات بأرض فلاة كل مصائب آل محمد التي اجترحها الناس وباءوا بجناياتها.. ممض مؤلم، وأمضها في قلب المؤمن مصائب عاشوراء، يتوقف دعبل عندها ليصف ما حدث.. فما تواتيه قدرته على الوصف، فإن مصاب أبي عبدالله الحسين فوق ما يحتمل الوصف وفوق طاقة اللغة والبيان: فأما الممضات التي لست بالغاً مبالغها مني بكنه صفات قبور بجنب النهر من أرض كربلا معرسهم فيها بشط فرات توفوا عطاشاً بالفرات.. فليتني توفيت فيهم قبل يوم وفاتي هذا الشوق التواق العارم.. هو ما يجده دعبل في داخل الفؤاد، الشوق الفوار لا يدعه يهدأ ويستريح، فماذا يفعل إذن؟! إنه يفكر في زيارة بقعة القدس والشهادة في كربلاء الحسين حيث وقعت الواقعة. لكنه سرعان ما يحجم ويقلع عن هذا التفكير، إن زيارة كربلاء ما تزيده إلا شوقاً على شوق ووجداً فوق وجد ولوعة في إثر لوعة، كيف يقدر أن يبصر بعينيه المواضع التي صرعوا فيها وتدفقت من أبدانهم النورانية حمر الدماء؟! أخاف بأن أزدارهم فتشوقني مصارعهم بالجزع فالنخلات البكاء هو ما يهيمن، وهو ما يهز قلبه وكينونته ويجري من عينيه بلا انقطاع أحرّ الدموع: سأبكيهم ما ذر في الأرض شارق ونادى منادي الخير بالصلوات وما طلعت شمس وحان غروبها وبالليل أبكيهم وبالغدوات إن شيئاً مهماً يمسكه عن الموت لوعة وحسرة، ففي الأفق أمل كمبير ورجاء متألق يسبغ على النفس طمأنينة لأخذ الثأر، ولإعادة العدل المفقود الذي أضاعه – بما جنت أيديهم – المسلمون: فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطع نفسي إثرهم حسرات خروج إمام – لا محالة – خارج يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري فغير بعيد كل ما هو آت وسيكون دعبل – إذا قدر الله له ذلك – في طلب الثأر من المشاركين: فإن قرب الرحمن من تلك مدتي وأخر من عمري ووقت وفاتي شفيت – ولم أترك – لنفسي غصة ورويت منهم منصلي وقناتي رحم الله دعبلاً الخزاعي، وبلغه في نصرة أحبائه آل محمد ما يتمناه.. وفوق ما يتمناه... وبهذا نصل مستمعينا الأكارم إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم نور من كربلاء قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. شكراً لكم وفي أمان الله. شاعر اهل البيت سفيان بن مصعب العبدي - 3 2016-11-21 09:57:11 2016-11-21 09:57:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/14216 http://arabic.irib.ir/programs/item/14216 السلام عليكم أيها الأكارم ورحمة الله وبركاته، معكم بتوفيق الله حبيب قلوب الصادقين في حلقة أخرى من هذا البرنامج فأهلاً بكم. نور حب الله بصدق محبة أوليائه الصادقين هو – مستمعينا الأفاضل – من أسمى الأنوار الباهرة التي تفعم بها كربلاء والقيام الحسيني المقدس قلوب المؤمنين فتجعلها متعلقة بعز الله الأقدس.. وهذه هي الثمرة الكبرى لتفجع أهل المودة لأهل البيت لما نزل بهم عليهم السلام يوم عاشوراء وما بعده، وهذا ما جلاه عديد من شعراء الحسين منهم الذي يحدثنا عنه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان علموا أولادكم شعر العبدي يقول: في ألفاظ شعره تلمس حرارة قلبه ولوعة فؤاده.. كأن داخله يغلي ممتداً لا يقر له قرار، هذا ما نجده في أبيات له ميمية ما تزال شاخصة لم تضع كأغلب شعره الذي غاب أو غيبوه. إنه سفيان بن مصعب العبدي: شاعر عاش في القرن الأول، وأدرك عقوداً من القرن الثاني الهجري، قضيته الكبرى التي يدور حولها شعره وكل وجوده هي قضية الإنتماء المصيري الحميم الى أهل البيت عليهم السلام. وهو يعرف أن الإنتماء اليهم هو حقيقة الإنتماء الى الله عزوجل، وما في الوجود قضية أكبر وأفخر من هذا الإنتماء. يتلألأ في شعر العبدي إقباله على الحقيقة الحسينية، وهو إقبال تحس معه أن الشاعر قريب من سيده الحسين، مليء بالحب له والشوق إليه، مجرح الفؤاد – في الوقت نفسه – على وقائع وفجائع طف كربلاء، هو الحب المدمى والعشق النازف على طول الطريق، شوق نازف ونزف مشوق.. ولا أثر للدنيا في القلب ولاعين، إنها إشراقة شمس الحسين. صدره مسجور بأشجان كربلاء، وقلبه متيقظ أبداً، متوثب باستمرار، وأبوعبدالله الشهيد جوهرة القدس الحمراء التي تشع نوراً أحمر في كل ذرة من كينونة الشاعر العاشق الصادق الولهان، من أراد أن يتعرف على حقيقة الحب وما يفعله الحب.. فليتعرف من قرب على حب الحسين سيجد للحياة طعماً فريداً وللوجود مذاقاً لا تعدل لحظة واحدة منه كل كنوز الأرض، هنيئاً لسفيان العبدي حبه هذا الفوار وهنيئاً لكل من أحب – من قلبه – الشهيد الحسين. أما شعره فهو من نمط في الحزن مركز، مشبع بالأسى والحسرات، كأنما هو حاضر دائماً للوثوب والإنطلاق، دخل العبدي يوماً على الإمام الصادق سلام الله عليه في داره، ومن فوره نادى الإمام والدته أم فروة لتقعد خلف الستر، قال: "لتسمع ما صنع بجدها" الحسين في كربلاء. ثم أمر العبدي بالإنشاد.. فأنشد على طريقة النعي والنوح: فرو، جودي بدمعك المسكوب تقول الرواية: فصاحت، وصحن النساء.. حتى اجتمع الناس من خارج الدار على الباب يتساءلون عن مبعث هذا الصراخ، فأرسل الصادق عليه السلام إليهم من صرفهم بتورية ولم يصرح بالمناحة الضاجة داخل الدار. يكفي لمعرفة العبدي شاعراً ومؤمناً أن أبا عبدالله الصادق صلوات الله عليه كان ينصح مشايعي أهل البيت بقوله: "علموا أولادكم شعر العبدي، فإنه على دين الله. هذه شهادة للعبدي عظيمة من رجل عظيم من عظماء آل محمد أعرف الناس بالحسين، فالعبدي في شعره مدرسة حية مرضية يفوز من يتلقى منها ويأخذ من مضمونها وروحها قبس نور. عشرة أبيات العبدي الميمية... ما لصاحبها – على فجيعة آل محمد في كربلاء – من تماسك واصطبار، من أولها الى آخرها لوعة وبكاء على الجمال المتأله الذبيح تتجلى في قوله: لقد هد ركني رزء آل محمد وتلك الرزايا والخطوب عظام وأبكت جفوني بالفرات مصارع لآل النبي المصطفى وعظام عظام بأكناف الفرات زكية بهن علينا حرمة وذمام فكم حرة مسبية ويتيمة وكم من كريم قد علاه حسام! لآل رسول الله، صلت عليهم ملائكته بيض الوجوه كرام ومن قرب إحساسه بأهل البيت يتجه قلبه الى الأم العظيمة التي هي مجمع الرزايا والثكل والمناحات، هي المفجوعة الملتاعة المعزاة، سيحكي عن الحزن العاشورائي الذي قلب حياته وأدخله في وضع لا يعرف قراراً، ولا يذوق طعم راحة ولا استقرار: أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى فشبت – وإني صادق – لغلام وأضحيت لا ألتذ طيب معيشتي كأن علي الطيبات حرام! ولا البارد العذب الفرات أسيغه ولا ظل يهنيني الغداة طعام وكشأن العاشقين المغارقين والمحبين الفاقدين.. يلقى الشاعر حوله دائماً لائماً يدعوه الى الكف عن التفجع والى سلو الوجد الذي يستمطر بلا اختيار حرار الدموع: يقولون لي: صبراً جميلاً وسلوة وما لي الى الصبر الجميل مرام فكيف اصطباري بعد آل محمد وفي القلب مني لوعة وضرام؟! ثمة طارئة طرأت للعبيدي الداخل – منذ صغر سنة – في محبة آل محمد سلام الله عليهم.. تلفت إليها الأنظار، رأيناها قبل قليل في بيت له سمعناه: أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى فشبت – وإني صادق – لغلام! إبيض شعره وهو غلام! كان إبن عشرين سنة من العمر لما غزاه الشيب مبكراً.. أبكر من المنتظر لمن هو في مثل سنة، قال: إنها مصائب آل محمد التي غدت مصائبه الشخصية.. هي التي صنعت به ما صنعت، وفي طليعتها مصائب كربلاء، هذا ما نقرأه في قصيدة له طويلة قالها معبراً عن ولائه لأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وعن شوقه إليه سلام الله عليه: لأشرفن بدمعي إن نأت بهم دار، ولم أقض ما في النفس من أرب ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد لكن بقائي – وقد بانوا – من العجب! شبت ابن عشرين عاماً، والفراق له سهم.. متى ما يصب شمل الفتى يشب ما هز عطفي من شوق الى وطني ولا اعتراني من وجد ومن طرب مثل اشتياقي من بعد ومنتزح من الغريّ.. وما فيه من الحسب أذكى ثرىً ضم أزكى العالمين، فذا خير الرجال، وهذي أشرف الترب إنكان عن ناظري بالغيب محتجباً فإنه عن ضميري غير محتجب إنه الإندكاك الصادق بأهل البيت الأصفياء – الذين هم بهجة العالم وزينة الوجود – يبدل في المرء باطنه، ويصله وصل تلاحم وذوبان في أرقى حقائق التوحيد. فرق بيّن بين من يتعامل بلون من المودة مع آل محمد طلباً للأجر والمثوبة ولذائذ الجنان.. وبين من يطلبهم سلام الله عليهم لأنفسهم، لأنهم أهل للحب والعشق والذوبان فيهم والفناء، إنه الفرق بين عبادة التجار وعبادة الأحرار. والأحرار أحرار.. لهم عند ربهم مقعد صدق إذ مشوا إليه بقدم صدق، جعلنا الله وإياكم في علقتنا بآل محمد من الصادقين. تقبل الله منكم أيها الأعزاء حسن الإصغاء لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. الشاعر سليمان بن قتة - 2 2016-11-14 12:13:53 2016-11-14 12:13:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/14199 http://arabic.irib.ir/programs/item/14199 سلام من الله العزيز الحكيم عليكم مستمعينا الأعزاء ورحمة الله وبركاته.. تحية مباركة طيبة نحييكم بها في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل، نور التعزز والفوز بالعزة من خلال صدق الإرتباط والنصرة لله وأوليائه الصادقين هو من أزكى الأنوار التي يبعثها في القلب صدق التفجع مع مظلوميات أهل كربلاء وواقعتها الدامية.. ولذلك صار البكاء على الحسين عليه السلام الماء الطهور النازل من السماء لري فطرة التعلق بسرادق العزة الإلهية.. نتلمس هذه الحقيقة معاً – أيها الأعزاء – فيما كتبه أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة تحت عنوان: القتيل الذي أذل قتله رقاب المسلمين فذلت له، قال حفظه الله: هذه القصيدة التائية من أقدم مراثي الناس التي قالوا تفجعاً ومحبة لسيد شهداء الله أبي عبدالله الحسين، إنها من القرن الأول، بل إن أخبار قائلها تذكر أنه أنشأها عند موقع المقتلة لما مر به في كربلاء، بعد ثلاثة أيام من وقعة عاشوراء، واختلف رواتها في عدد أبياتها؛ فمنهم من زاد فيها ومنهم من قلل، على تباين منهم في ترتيب الأيبات. شاعر القصيدة سليمان بن قتة العدوي، ويقال: ابن قنة وقيل: إن قنة اسم أمه، وأبوه هو حبيب المحاربي مشهور في التابعين، وسليمان هذا عده المبرد في كتاب "الكامل في اللغة والأدب" من المنقطعين الى بني هاشم. ومهما يكن.. فإن أبيات سليمان بن قتة – التي يتداخل بعض أبياتها بأبيات لأبي الرميح الخزاعي – هي في طليعة من افتتح صاحبها ديوان الشعر الحسيني الواسع الكبير، وكان من أوائل من زاروا الشهيد الإلهي المظلوم بعد مصرعه، ويقال: إنه بقي على قيد الحياة الى سنة مئة وست وعشرين، حيث توفي بالشام. أخبار سليمان بن قتة توقظ أسئلة لا تهتدي الى جواب: أين كان هذا الرجل حين وقعت الواقعة قبل أن يمر بمكانها بعد ثلاثة أيام؟ ولم لم يشترك في معركة النصرة إن كان موضعه آنذاك قريباً من كربلاء؟ وإذا كان منقطعاً الى بني هاشم – كما يقول المبرد – فما الذي حجزه عن الإلتحاق بعدئذ بثورة النادمين المطالبين بالثأر.. تلك التي عرفت بثورة التوابين عام خمسة وستين؟! وأخيراً: أهناك سر في حياة هذا الرجل الذي وصفه ابن شهر آشوب بأنه من شعراء أهل البيت المتقين أي المنتمين الى آل محمد بالسر دون الجهر.. جعله عائشاً بعد مقتلة التوابين، أم أن أخباره هذه المتفرقة فيها ما هو مضاف إليه إضافة، وأن له شأناً آخر لم تذكره المصادر؟ لكن الذي لا ريب فيه – من مجموع أخبار سليمان بن قتة – أن أبياته قالها بعد مصرع السيد العظيم أبي عبدالله الحسين بأيام ثلاثة، وربما كان منه ذلك في يوم دفن الأجساد الطاهرة المطرحة على ثرى كربلاء. في أبيات سليمان هذه تصوير لإحساسه بالأرض الدامية التي مر بها.. وكل شيء فيها ما يزال طرياً يحمل لون الفاجعة.. حتى رائحة الهواء. وفي أبياته أيضاً روايته لفجيعة القتل، وإلماح الى مزايا آل الله المصرعين. ثم يفصح الشاعر عن تذارف عينيه دموع الحزن والأسى على الشهيد المستوحد الغريب. في البداية.. سجل شعوره بالتبدل والخلو في منازل آل محمد بكربلاء.. وبين مدى ما ساءه من هذا التبدل في المنازل والخلو، وآلمته المفارقة بين أبياتهم يوم حلو فيها، ويوم غدت منهم خالية قفراء: مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها يوم حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلت يدرك سليمان بن قتة أن ما حدث يوم عاشوراء.. أمر أكبر مما يظن، ليست الحادثة قتل رجل أو رجال.. ثم تمر كسائر حوادث القتل في التاريخ، وما أكثر حوادث القتل في التاريخ! إن حادثة عاشوراء التي وقعت قبل ثلاثة أيام أذلت رقاباً هي الأعز في العرب وفي الناس أجمعين، إنهم رجال من قريش فيهم – وهم هنا المقصودون – آل أبي طالب لؤلؤة التاج وعين القلادة؛ قال سليمان: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاباً من قريش مذلت تقول الرواية: إن بعض آل الحسن سلام الله عليه لما سمع هذا البيت من ابن قتة – في وقت لاحق – اقترح عليه تبديل عبارة فيه، لكنها عبارة منحت المعنى بعداً أعمق ودلالة أصدق، قال له: هلا قلت: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاب المسلمين فذلت؟! هذا التبديل اللفظي اليسير في البيت أدخل المعنى في رؤية أوسع مدىً وأدنى الى ملامسة الواقع؛ فإن عظم هذه الفاجعة قد أطاح بعزة المسلمين، فما بقيت لهم من عزة، وأذل رقابهم الى الأبد، وهذا ما تصدقه وقائع التاريخ: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاب المسلمين فذلت ألم تر أن الأرض أضحت مريضة لقتل حسين، والبلاد اقشعرت؟! ألم تر أن البدر أضحى ممرضاً لقتلى رسول الله لما تولت؟!وقد أعولت تبكي السماء لفقده وأنجمها ناحت عليه وصلت ليست وحدها عزة المسلمين – عند قتل الحسين – من أصيبت في المقتل؛ فهذه عناصر الخليقة كلها داخلة في معزوفة حزن أبدية من هول ما حدث: الأرض نفقد عافيتها، وبلدانها تقشعر، والبدر غدا مريضاً عليلاً، والسماء في مناحة بكاء.. حتى النجوم تنوح وتصلي على الحسين، وليس شيء من هذا كله من أسلوب المجاز الشعري، بل هو من الوقائع السماوية والأرضية التي صدق حدوثها مؤرخو المسلمين. الشاعر – بوصفه مفردة في هذا العالم – يبكي كذلك، وتأخذه العبرات التي "ترمعل" في تذراف متتابع، وهذا منه في حق آل النبي صلى الله عليه وآله قليل، فلأبي عبدالله الحسين حق على الناس أن يفعلوا من أجله الكثير الكثير. فجالت على عيني سكائب عبرة فلم تصح بعد الدمع حتى ارمعلت تبكي على آل النبي محمد وما أكثرت في الدمع، لا بل أقلت ما ثمة قتيل شهدته الأرض له من المزايا في استدرار دموع العين والقلب ما لأبي عبدالله الشهيد الوتر الذي لا ثاني له، هذا سر سار في العالم.. عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وهو السر الذي سيجله الله تبارك وتعالى في قيامة العالم، فيفرح عارفو الحسين ومحبوه، ويندم من غفلوا عنه وجهلوه، أما القتلة الجناة الأشقياء ومن انتمى الى موقفهم.. فلهم حديث آخر يفزع منه أهل النار! إن الرزية – في رؤية سليمان بن قتة – هي رزية مضاعفة: قتل حبيب الله وابن حبيبه تلك القتلة المفجعة الرهيبة وحده كاف ليرنح أشد الناس شكيمة وتصبراً، وإذا ما تطلع إلى أوصاف شهداء الله في كربلاء – يقودهم سيدهم الحسين – فإن وصفاً واحداً من هذه الأوصاف يزيد المأساة أسىً والفاجعة شدة وحدة: وكانوا غياثاً.. ثم أضحوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت هذا التحول المتضاد في نفسه هو عنصر كرب وهم مضاعف، فإن من كان ملاذاً لأصحاب الرزايا وكهفاً حصيناً لأهل البلاء قد غدا هو نفسه مركزاً للرزايا والبلاء! تقول الرواية: إن أعرابياً أصابه الضر، فأتى المدينة وسأل أبا عبدالله الحسين أن يعينه، فوهبه أبوعبدالله مالاً كثيراً واعتذر إليه عن قلة ما أعطاه! دهش الرجل من جود سيد شباب أهل الجنة ومن فيض سخائه، فبكى. قال له الحسين سلام الله عليه: لعلك استقللت ما أعطيناك! قال: لا، ولكن.. كيف يأكل التراب جودك؟! لكم منا مستمعينا الأطائب أطيب الشكر على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج نور من كربلاء إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله. شاعر الثورة عوف الأزدي - 1 2016-11-06 12:27:14 2016-11-06 12:27:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/14170 http://arabic.irib.ir/programs/item/14170 سلام من الله عليكم إخوة الإيمان ورحمة منه وبركات.. أهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي نسعى فيه للإستنارة بأنوار القيام الحسيني المقدس من خلال ما تشعشع منها في قلوب شعراء الأدب الحسيني فحملته قصائدهم الحسينية التي خلدها لذلك التأريخ. وأسرع تلك الأنوار ظهوراً هو الذي تجلى في نهضة التوابين الخالدة وعن شاعرها كتب أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة تحت عنوان شاعر الثورة يقول: قصيدة عوف بن عبدالله بن الأحمر الأزدي اليائية من قديم شعر الطف.. فصاحبها كان قبل الواقعة ومعها وظل بعدها، ولم يشارك في نصرة شهيد الله الحسين. تشير أخباره إلى أنه ممن شهد وقعة صفين مع علي أميرالمؤمنين، وأنه التحق – بعد استشهاد الحسين – بثورة التوابين، فكان شاعر الثورة المحرض على الثأر والإنتقام. إنه كما كانت واقعة كربلاء الدامية أوسمة شهادة فريدة لشهداء الحسين، ووصمات عار أبدية لعسكر قاتليهم.. كانت الواقعة لعوف الأزدي هذا منشأ مشكلة نفسية وعقدة روحية عميقة.. هي مشكلة القعود عن النصرة، وعقدة الندم والعذاب الداخلي الذي لا يداوي ولا يداري. ما كان لعوف من مسوغ للتخلف والقعود وحسين الله يواجه عشرات الألوف من الضالين والمضللين.. حتى قضى – روحي فداه – مقطعاً بسيوف الحقد الأموي الجاهلي.. صاعداً الى الله مزملاً بالدم، ومعه أهل بيته من شبان آل محمد وخيرة الأصحاب، هم فازوا الفوز الأعظم، لكن هذا الشاعر المقاتل المجرب دخل بعد الفاجعة في صحراء نفسية قاحلة.. كلها تراب أسود وملح خانق وظلام، هو نفسه يعترف أن لا حجة له في التخلف ولا عذر، حتى نفسه لم يستطع أن يقنعها بمسوغ – ولو ضعيفاً – يخفف عنه وطأة الإحساس بالندم الأكال لعدم نصرته الحسين فقال: فيا ليتني إذ ذاك كنت لحقته وضاربت عنه الفاسقين مفاديا فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته فضاربت عنه الشامتين الأعاديا ولكن عذري واضح غير مختف وكان قعودي ضلة من ضلايا وقعت واقعة الحسين العظيمة المدوية.. فاستبان لعوف الأزدي فجأة أن كل شيء قد خرب، وكل شيء فقد توازنه فتهاوى وآنذاك، الشاعر أيضاً قد تهاوى فجأة وخرب، لكنه خراب موت معنوي جسيم، وما تهاوى واندكّ من كائنات العالم إنما فعل ذلك حزناً ومواساة؛ ففي قتل أبي عبدالله الحسين قتل لعماد العالم وذبح للصورة القدسية التي يتجلى فيها من العوالم العلوية ما يتجلى، لا الأرض بقادرة على البقاء على حالها ولا السماء، كل شيء تغير، وكل شيء داخل في مناحة مستديمة وحزن أبدي؛ قال الأزدي: تزلزلت الآفاق من عظم فقده وأضحى له الحصن المحصن خاويا وقد زالت الأطواد من عظم قتله وأضحى له سامي الشناخيب هاويا والشناخيب: أعالي الجبال؛ وقال: وقج كسفت شمس الضحى لمصابه وأضحت له الآفاق جهراً بواكيا كل مشهد من هذه المشاهد الكونية يعمق الإحساس في باطن الشاعر بالذنب، ويوقفه على مدى خيبته وخسرانه، ويغرز في كل مكان من داخله شفرات التحسر والندم، ولن يهون خطبه أن آخرين من الكوفيين قد فعلوا مثل ما فعل، إن المسؤولية تطوق عنقه وتحكم حول رقبته الخناق لتخلفه عن نصرة الحسين عليه السلام. ويزيد الشاعر ألماً داخلياً أنه يعرف الحسين عن قرب، ويعرف أيضاً لؤم القتلة الجناة الذين حاربوه، وجلهم كانوا قد كاتبوه أول الأمر وبايعوه! قال عوف الأزدي: لحى الله قوماً أشخصوه وعردوا فلم ير يوم البأس منهم محاميا لحى الله قوماً كاتبوه لغدرهم وما فيهم من كان للدين حاميا ولا موفياً بالعهد إذ حمس الوغى ولا زاجراً عنه المضلين ناهيا ولم يك إلا ناكثاً أو معانداً وذا فجرة يأتي إليه وعاديا وأضحى حسين للرماح دريئة فغودر مسلوباً على الطف ثاويا قتيلاً كأن لم يعرف الناس أصله جزى الله قوماً قاتلوه المخازيا لا ريب أن عوفاً الأزدي يبكي، يبكي بكاءً مركباً: بكاء على ظلامة الشهيد المستفرد الغريب، وبكاء ندامة وعذاب وجدان، وهو يدعو الناس – إعداداً لثورة النادمين مثله – الى البكاء: ألا وانع خير الناس جداً ووالداً حسيناً.. لأهل الدين إن كنت ناعيا ألا أبكوا حسيناً كلما ذر شارق وعند غسوق الليل فابكوا إماميا ويبكي حسيناً كل حاف وناعل ومن راكب في الأرض أو كان ماشيا عوف الأزدي يشهد أنه صحا عن ضلته وندم على سوء فعلته، لكنه هذه المرة لم يقعد ولم يتخاذل، صحوة انتهت به الى الثورة المطهرة وحمل سلاح الثأر، هي ذي ثورة التوابين مقبلة، إنهم النادمون العائدون الى النصرة ولو بعد فوات الأوان، إن ما يقدرون عليه الآن هو قتل أنفسهم بسيوف أعداء الحسين كما قتل الحسين، لعل في ذلك تخفيفاً وخلاصاً من الدنيا التي صارت لاتطاق. إنهم يستشهدون الآن بين يدي الحسين "قضاء" لا "أداء"! وسيكون عوف هذا في طليعة المحرضين وشاعر الثائرين لينشد قائلاً: صحوت وودعت الصبا والغوانيا وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا وقولوا له إذ قام يدعو الى الهدى وقتل العدى: لبيك لبيك داعيا وقوموا له إذ شد للحرب أزره فكل امرئٍ يجزى بما كان ساعيا وسيروا الى الأعداء بالبيض والقنا وهزوا حراباً نحوهم والعواليا وحنوا لخير الخلق جداً ووالداً حسين.. لأهل الأرض لا زال هاديا ويوسع نطاق إيقاظه وتحريضه على الثورة وأخذ ثأر كربلاء.. ليشمل الناس كل الناس: فيما أمة ضلت عن الحق والهدى أنيبوا، فإن الله في الحكم عاليا وتوبوا الى التواب من سوء فعلكم وإن لم تتوبوا تدركون المخازيا تجمع الثوار – وفيهم عوف – في ساعة الصفر عند قبر شهيد الله الحسين في أرض كربلاء، وهنالك بكوا ما أمكنهم البكاء، وندموا ما وسعهم الندم، وتابوا الى الله توبة لا رجعة عنها.. ثم انطلقوا الى غايتهم.. يقودهم الصحابي الشيخ سليمان بن صرد الخزاعي، كان ذلك في العام الخامس والستين الهجري، حيث التقوا – وهم أكثر من ثلاثة آلاف – بجيش جرار من أهل الشام، يمده عبيد الله بن زياد بآلاف بعد آلاف، ثم التحموا التحاماً غير متكافئ في "عين الوردة" بين حران ونصيبين من بلاد الشام، وانكشفت المعارك في يومها الثالث عن مقتلة شاملة للرجال التوابين، ولم يفلت منهم إلا أقل القليل. ومن حينها انقطعت أخبار عوف الأزدي وتوارى ذكره، بيد أن قصيدته هذه اليائية ظلت من بعده شاخصة حية.. تحكي وتؤلب وتحرض كما كان صاحبها في حياته، ولهذا تعرضت للإخفاء والتغييب، قال المرزباني: كانت هذه القصيدة تخبأ أيام بني أمية، وإنما أخرجت بعد ذلك. هؤلاء النادمون المستميتون فازوا بالقتل على نياتهم التي عليها يحشرون.. كما فازوا بدعوات الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين؛ إذ كان يدعو لهم جميعاً وواحداً واحداً بأسمائهم.. رضوان الله عليهم، وتستمر أنوار كربلاء تتألق في الخافقين تنير طريق الإنابة الى الله رب الحسين وآل الحسين عليهم السلام. نشكركم مستمعينا الأكارم على كرم متابعتكم لأولى حلقات برنامج نور من كربلاء قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في أمان الله.