اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | نور من كربلا http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الشاعر أبو الحسن علي بن حماد العبدي البصري - 6 2017-02-07 13:02:55 2017-02-07 13:02:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/14486 http://arabic.irib.ir/programs/item/14486 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. أزكى التحيات نهديها لكم في مطلع حلقة اليوم من هذا البرنامج، فأهلاً بكم ومرحبا. أيها الأفاضل؛ المستفاد بوضوح من الأحاديث الشريفة أن البكاء على الحسين عليه السلام والتفاعل الوجداني الصادق مع قيم نهضته القدسية، هما أقوى وسائل إنقاذ المؤمنين من الفتن المضلة بحفظ حركتهم وسيرهم على الصراط الإلهي المستقيم والتمسك بالعروة الوثقى المنجية من كل ضلالة أي القرآن الكريم والعترة المحمدية الطاهرة كما نص على حديث الثقلين المتواتر. والبكاء على الحسين عليه السلام يقوي ارتباط المؤمن بوارث الحسين والآخذ بثاراته قائم المحمديين إمام العصر المهدي الموعود، ويجعله بذلك في حركة مستمرة للتقرب الى الله للتمهيد لظهور بقيته وخليفته المهدي عجل الله فرجه؛ وبذلك تكون النجاة من ميتة الجاهلية. وهذا ما يتجلى في الإشعار الحسينية لأحد كبار العلماء المحدثين رضوان الله عليه وعنه يحدثنا الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة قال حفظه الله تحت عنوان إشراقة شمس كربلاء: صوت من القرن الرابع اخترقت قلبه رزية واقعة الطف وجرحته، فأوقدت أحزانه وأسالت دموع عينيه، ويبدو أن صاحب هذا الصوت شديد الإحساس، قريب الإنفعال، سريع إستجابة القلب لفجائع آل محمد.. لا سيما فجائع كربلاء. إنه أبو الحسن علي بن حماد العبدي البصري الذي كان – الى جوار شاعريته – من حفظة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ومن الفياضين بالمودة لهم والمعتزين بالإنتماء إليهم وهذا مما نقرأه في قصائده المتعددة التي ما تزال مائلة حاضرة الى اليوم. شعر ابن حماد العبدي في الإمام الحسين سلام الله عليه، وفي تعاطيه مع فاجعة عاشوراء.. تتجلى من ثناياه عدة إشراقات تلخص موقفه ونوع إستجابته القلبية للحدث الدامي الكبير المتشعشع في كربلاء. وأبرز ما يومض في شعر هذا الشاعر من إشراقات: حزنه الشديد ولوعته المستمرة، وانجذابه الى كربلاء الحسين زيارة واستلهاماً، ونفوره من الناصبين للحسين ولأهل البيت العداء، ورجاؤه الأخروي بالفوز والفلاح، ثم انتظاره ليوم الثأر ملتحقاً بركاب الآخذ بثارات الحسين وآل الحسين صلوات الله عليهم. أول إشراقة لإبن حماد من شمس كربلاء: توهجه بالأسى والبكاء الذي صبغ بلونه أيام حياته، وأدخله – رضوان الله عليه – في مآتم عاشورائية لا يعذر نفسه إذا تخلى عنها، إنه يرى هذه المشاركة الروحية البكائية حقاً في عنقه لآل محمد الأطهار، لن يصغي في شأنها الى لوم اللائمين: أفي يوم عاشور ألام على البكا ولو أن عيني من دم دمعها يجري؟! إذا لم أقم في يوم عاشور مأتماً ولم أندب الأطهار فيه.. فما عذري؟ سأبكيك عمري يا ابن بنت محمد وأسعد من يبكي عليك مدى عمري حتى في أيام الأعياد لا ينسى قلبه المتعلق بمولاه الحسين لا يدعه ينسى، وإن عيد الناس من حوله وأقاموا مجالس الأفراح، إنهم يجددون في العيد ثيابهم، وهو أيضاً يجدد، لكنه يجدد لوعته وزفرات فؤاده، فكل يوم يرى ابن حماد أنه يوم عاشوراء: هن بالعيد – إن أردت – سوائي أي عيد لمستباح العزاء؟! إن في مأتمي عن العيد شغلاً فاله عني، وخلني بشجائي فإذا عيد الورى بسرور كان عيدي بزفرة وبكاء وإذا جددوا ثيابهم جد دت ثوبي من لوعتي وضنائي وهو حاضر الجواب لمن يستكثرون عليه هذا، ويبلغ ذروة من رهافة الحس الأخلاقي الجميل إذ يستشعر الحياء من الحسين؛ لأنه ما يزال عائشاً في الدنيا التي قتل فيها الحسين: وقليل لو مت هماً ووجداً لمصاب الغريب في كربلاء أألذّ الحياة بعد قتيل الـ طف ظلماً؟! إذن لقل حيائي! ولعل شوق علي بن حماد هذا الى المزار الحسيني في كربلاء الشهادة فرع لهذه الأحزان الطافحة وللاعج الحنين، وهذا الشوق هو الإشراق الثاني الذي عبر عنه في عدة مواضع من شعره، نكتفي منها بقوله: مودتكم أجر النبي محمد عليه، فآمنا بذلك وصدقنا فنحن مواليكم تحن قلوبنا إليكم إذا إلف إلى إلفه حنا نزوركم سعياً، وقل لحقكم لو انا على أحداقنا لكم زرنا ولو بضعت أجسادنا في هواكم إذن لم نحل عنه بحال ولا زلنا إن إيمان الشاعر ويقينه بنقاء خط آل محمد مما هو جلي واضح في كثير من أشعاره، ويرى أن الخير والفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة إنما يؤتاه من اهتدى بهدى آل محمد ولامس قلبه قلوبهم، فصار يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم: أنا مولاكم ابن حماد أعدد تكم في غد ليوم جزائي ورجائي أن لا أخيب لديكم واعتقادي بكم بلوغ رجائي وهو موقن كل اليقين أنه سينال ما أمل، ويبلغ بآل محمد ما رجائي سيعطي ابن حماد من الآل سؤله ويعلوه ظل في الأنام ظليل فآمل آل الله ينجو، وغيره يتاه بهم عن قصده ويميل أما المعاندون الذين اختاروا الإنزلاق الى الدرب الأسود الوعر الذي يفضي بسالكيه الى باب الجحيم.. فهم من نصبوا العداء لأحباء الله آل محمد سلام الله عليهم، وهم من يواجههم الشاعر – في إشراقه الرابع – بالبراءة والخصام، قال يخاطب أهل البيت: وما ذنبنا عند النواصب ويلهم سوى أننا قوم بما دنتم دنا فإن كان هذا ذنبنا فتيقنوا بأن عليه لا انثنينا ولا نثنى ولما رفضنا رافضيكم ورهطهم رفضنا وعودينا، وبالرفض نبزنا وفي معنى قريب من هذا، قال في قصيدة عينية: فإن عاب النواصب ذاك مني فلا أعدمت ذَ يّاك المعابا وإن يك حب أهل البيت ذنبي فلست بمبتغ عنه متابا الى جوار التفجع الباكي الذي يشيع في شعر ابن حماد.. ثمة أمل كبير يراوده بين الوقت والآخر، هو أمل ظهور صاحب الثأر الذي ادخره الله تعالى لهذه المهمة المنقذة، وهذا خامس إشراقات كربلاء في قلب علي بن حماد العبدي: فيا غائباً في خطة القدس حاضراً ويا ناظراً من حيث ندري ولا ندري متى ينجز الوعد الذي قد وعدته وتأتي به الأوقات من زاهر العصر؟ حقيق على الرحمن إنجاز وعده وتبليغه.. حتى نرى راية النصر لعل ابن حماد يجرد سيفه ويقتص من أعداء سادته الغر فإن قصرت كفي بيومي فإنني سأقتلهم باللعن في محكم الشعر وهكذا نلاحظ – مستمعينا الأفاضل – ومن خلال هذه الرحلة في الأشعار الحسينية للعالم الأديب والمحدث الحافظ الشيخ علي بن حماد البصري، كيف تتكامل آثار أنوار النهضة الحسينية في قلوب المؤمنين الباكين على الحسين – عليه السلام – لتجعلهم في حركة دؤوبة في السعي للتمهيد لظهور الإمام المهدي الموعود – عجل الله فرجه – وإنهاء كل ظلم وجور؛ وبهذا السعي الإيماني الدؤوب يتقربون الى الله وينجون من كل ضلالة ومن ميتة الجاهلية وهم يجسدون صدق تمسكهم بإمام زمانهم المهدي المنتظر – أرواحنا فداه -. ختاماً تقبلوا منا جزيل الشكر لحسن متابعتكم لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله. الشاعر دعبل بن علي الخزاعي (كل شيء يبكي الحسين) - 5 2016-12-27 12:09:30 2016-12-27 12:09:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/14335 http://arabic.irib.ir/programs/item/14335 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. معكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج نستنير فيها بنور آخر من الأنوار الإلهية التي تنبثق من القيام الحسيني.. إنه نور البراءة من أعداء الله ورسوله الظالمين وإدانة فعالهم وفي ذلك صيانة النفس من الوقوع في الظلم بمختلف مراتبة وهذا من أهم الثمار الزاكية للبكاء على المظلومية الحسينية.. ونجدها في عديد من نماذج الشعر الحسيني الصادق ومنها ما يحدثنا عنه أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان (كل شيء يبكي الحسين) يقول: غير القصيدة التائية المطولة.. لدعبل بن علي الخزاعي شعر آخر غي الإمام الحسين روحي فداه، منه قصيدة رائية، وأبيات عينيه وأخرى دالية، ثم أبيات تائية أيضاً. هذا غير ما ضاع من شعره أو أضيع عمداً من قبل مناوئيه، إذ كان دعبل قوياً في فنه الشعري إبان القرنين الثاني والثالث، قوياً في اعتقاده بأهل البيت سلام الله عليهم وفي محبته الطافحة لهم، فاتخذ شعره مرآة تجلي محبته.. وسلاحاً لمواجهة أعدائهم الذين يضمرون أو يظهرون لهم البغض والشنان. أما تائيته التي لها حديث آخر مستقل.. فهي القصيدة الخالدة المتلألئة الفصيحة الإعلان عن حبه القدسي لآل محمد، والصريحة في بيان أشجانه وأحزانه على المصائب التي اجترحها بحقهم حكام المسلمين المتسلطين، وهي القصيدة التي أنشدها دعبل في مرو بخراسان في محضر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وبكى لدى ذكر مصائب أهل البيت المضطهدين المظلومين، حتى غشي عليه أكثر من مرة. مباركة هي تائية دعبل في الشعر، ومفلح هو دعبل في الشعراء. في شعره الآخر.. يبكي الحسين ويستبكي، ومن مزايا شعر دعبل أنه ينظر نظرة كلية الى ظلامات آل محمد.. تلك التي حفرت في ذاكرة الحياة أعمق حفر، وما يزال لها أبقى أثر، ثم يفرد ظلامة شهيد الله الذبيح أبي عبدالله الحسين بمناحة خاصة، آل محمد – في رؤية دعبل الخزاعي – كما هم في الواقع – وحدة واحدة لا تتجزأ، لكن منهم ألقه الخاص وظهوره المتميز، أما ألق الغريب المظلوم المستفرد فهو ألق أحمر مدمى.. كأنه في وسط صفاء سماء العالم شمس مشرقة حمراء. كل شيء يبكي الحسين، هذا الشاعر هو أيضاً شيء من أشياء العالم.. منخرط في المناحة الشاملة، كأن من يمتنع عن البكاء أو يأنف.. ذرة تائهة داخلة في ظلمة العدم! إن كنت محزوناً فما لك ترقد؟! هلا بكيت لمن بكاه محمد؟! هلا بكيت على الحسين وأهله؟! إن البكاء لمثلهم قد يحمد لتصنعضع الإسلام يوم مصابه فالجود يبكي فقد والسؤدد فلقد بكته في السماء ملائك زهر كرام راكعون وسجد ثم يستذكر أطرافاً من فاجعة كربلاء، وما تضج به من أسىً وثكل مريع: لم يحفظوا حق النبي محمد إذ جرعوه حرارة ما تبرد قتلوا الحسين فأكثلوا بسبطه فالثكل من بعد الحسين مبرد كيف القرار؟! وفي السبايا زينب تدعو بفرط حرارة: يا أحمد! هذا حسين بالسيوف مبضع متلطخ بدمائه مستشهد؟! يا جد، من ثكلي وطول مصيبتي ولما أعانيه أقوم وأقعد أما أبيات جعبل العينية الخمسة.. فيبدو أنها وحدها الباقية من قصيدة له طويلة، أما سائرها فأهمله من رواها من مؤرخي الأدب المتعصبين على الحق، وما حفظ إلا هذه الخمسة، في هذه الأبيات التي أفلتت من التضييع والإبادة.. مشهد مأساوي من أشد المشاهد إيلاماً وتجريحاً للقلوب: رأس ابن بنت محمد ووصيه - يا للرجال – على قناة يرفع دعبل يندب الرجال للإنتفاض والإنقضاض، لكن.. لا رجال! كلهم يرون بأعينهم القمر المحمدي المبضع المصبوغ بدم الشهادة محمولاً على رمح طويل.. يطاف به – تشهيراً وشماتة – في مدن المسلمين، وما يرف لأحد من الموتى جفن! ومع هذا كله.. يغلب على مشهد الرأس الأقدس بهاء الجمال، بهاء خارق وجمال من نوع فريد.. تود كل روضة غناء بالزهر والعطر أن تكون موضع قبره.. فائزة باحتضان جسد النور: رأس ابن بنت محمد ووصيه - يا للرجال – على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبسمع لا جازع من ذا ولا متخشع أيقظت أجفاناً وكنت لها كرىً وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع كحلت بمنظرك العيون عماية وأصم نعيك كل أذن تسمع ما روضة إلا تمنت أنها لك مضجع، ولخط قبرك موضع وفي أبياته التائية الأخرى – غير مطولة المعروفة – يبكي دعبل حزناً ويسكب العبرات، هو ذا يخاطب نفسه ويحادثها من خلال الدموع: أتسكب دمع العين بالعبرات وبت تقاسي شدة الزفرات وتبكي لآثار لآل محمد فقد ضاق منك الصدر بالحسرات ألا فابكهم حقاً، وبل عليهم عيوناً لريب الدهر منسكبات ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم وداهية من أعظم النكبات سقى الله أجداثاً على أرض كربلا مرابيع أمطار من المزنات وصلى على روح الحسين حبيبه قتيلاً لدى النهرين بالفلوات أنا الظامئ العطشان في أرض غربة قتيلاً ومظلوماً بغير ترات وقد رفعوا رأس الحسين على القنا وساقوا نساء ولها خفرات الحزن المجرح المرنح الذي يستبد بصميم قلبه سيفجر دعاء على من تولى كبر مذبحة عاشوراء وقذائف لعنات، عمر بن سعد ومن تبعه من شيعة آل أبي سفيان أثبتوا – بفعلتهم الشنيعة الفظيعة – أنهم "لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة" لا يصونون لله حرمة، ولا يحفظون عهداً من العهود، تجرأوا بفضاضة وفضاعة على أكرم أهل العالم خامس الخمسة الطيبين الأطهرين: تقتيلاً وذبحاً وتمثيلاً وشتماً ونهباً.. دون أن يبالوا بشيء، ثم – يا ويلهم – لما فرغوا من مذبحة الحسين وأهله وقفوا لصلاة المغرب يصلون! ما أخيب المرتكس على رأسه في الضلال وما أتعس المنكوس من "الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"! دعبل لا يطيق خطاب ابن سعد، لكنه على رغمه سيخاطبه، تعبيراً عن غضبات قلبه التي تغلي باستمرار: فقل لابن سعد، عذب الله روحه: ستلقى عذاب النار باللعنات سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا وأقنت بالآصال والغدوات على معشر ضلوا جميعاً، وضيعوا مقال رسول الله بالشبهات وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (نور من كربلاء) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. في امان الله. الشاعر دعبل بن علي الخزاعي - 4 2016-11-26 12:40:57 2016-11-26 12:40:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/14236 http://arabic.irib.ir/programs/item/14236 نور من كربلاء – 4 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله أعمالكم وتقربكم إليه عزوجل بإحياء الشعائر الحسينية القدسية وهي من زاكيات مصاديق نصرة الله وأوليائه عليهم السلام. نور الإعداد والتعبئة لنصرة الله وأوليائه وإقامة قيم العدالة الإلهية الشاملة هو من الأنوار الرئيسة التي يبعثها في قلب صدق التفجع لمظلوميات شهداء كربلاء وسباياها عليهم جميعاً سلام الله. وهذا، مستمعينا الأفاضل، ما نجده متجلياً في العديد من نتاجات الأديب الحسيني الحمامي ومنها النموذج الذي يحدثنا عنه في هذا اللقاء أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان: مرثية.. في محضر الإمام الرضا عليه السلام يقول: دعبل بن علي الخزاعي شعره في آل محمد صلوات الله عليهم شعر متميز، متميز بالفن، ومتميز بالموقف. في الفن هو من كبار شعراء القرن الثاني والثالث، وهو في الموقف من الثابتين على الولاء لأهل البيت سلام الله عليهم، ومن الشاهرين ألسنتهم للبراءة من أعدائهم والطعن على ظالميهم، هذه الجرأة التي عرف بها دعبل وجسارته في المواجهة لابد أن يدفع لها ثمناً غير قليل، وكان بغض المعتصم العباسي له وعزمه على قتله قبل أن يفر دعبل ويتوارى في الجبال.. واحدة من صور الإضطهاد الذي لقيه هذا الشاعر الفحل النبيل، دعبل نفسه عرفنا بمكابدته الإيذاء لجهره بما يعتقد إذ قال: أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها! وشعره الذي قاله في أهل البيت وفيما وقع عليهم من ظلم المسلمين شعر كثير، أخفي جله وبقي منه قليل، لكنه – على قلته – دال على وثيق إيمانه وشديد محبته لآل محمد الذين يفتخر – بملء فمه – بانتمائه إليهم وبمشايعتهم وتائيته الطويلة الخالدة معلم بارز وعلامة كبيرة مضيئة، كافية – وحدها – لتعرفنا بموقف هذا الشاعر الكبير.. يوم أنشدها في محضر الإمام علي بن موسى الرضا – صلوات الله عليه – في مرو من إقليم خراسان. عدد دعبل أشهر الظلامات الواقعة على آل محمد الهداة الطاهرين، واللافت أنه لم يكن يكتفي بتعداد هذه الظلامات تعداد متفرج غريب همه وصف ما يشاهد، بل إن مشاعره الإيمانية المحزونة الغاضبة تمازج وصفه وتصبغ بلونها الدافق الغيور صور النعت والتصوير، إذا تحدث إجمالاً عن الرزايا التي تجرعها أهل البيت من الحكام المتسلطين.. قال: رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة وردت أجاجاً طعم كل فرات علناً يرتفع صوته الجهير بحب أهل البيت الإلهيين المحمديين، في نوع من التحدي البين لمناوئيهم، ولون من الإلتزام المصيري الغالي التكاليف: ملامك في آل النبي، فإنهم أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي تخيرتهم رشداً لنفسي، إنهم - على كل حال – خيرة الخيرات نبذت إليهم بالمودة صادقاً وسلمت نفسي طائعاً لولاتي فيارب، زدني في هواي بصية وزد حبهم – يا رب – في حسناتي سأبكيهم ما حج لله راكب وما ناح قمري على الشجرات وإني لمولاهم وقال عدوهم وإني لمحزون بطول حياتي القصيدة التائية من روعتها أن كل بيت من أبياتها جوهرة منفردة، وهي في مجموعها قلادة نفيسة متكاملة تشع رونقاً وبهاء، وقد فاز كثيرون بحفظها عن ظهر قلب، وأوصى بعض عارفي قدرها أن توضع معه في قبره؛ إستمداداً من نورها، وطلباً للأمن في البرزخ؛ فإن صاحبها قد نال الأمان بدعاء الإمام الرضا عليه السلام، لما بلغ في إنشادها بمحضره قوله: لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لأرجو الأمن بعد وفائي قال له إمام الرأفة والحنان: آمنك الله يا دعبل، وهكذا كان. كثيرة هي الرزايا التي أوقعها ضلال الناس وعداؤهم بذرية النبي وأهله الأنوار الأقربين. وكثيرة هي آلام القلب التي تحرق لها قلب دعبل من هذه الرزايا، وتبرز مقتلة كربلاء من بينها ذات مذاق ملوع خاص.. وكل رزاياهم مفجعة ملوعة تشحذ قلب ذاكرها بوارق غضب قدسي مستنير. استحضر الشاعر فاجعة أبي عبدالله الحسين في قصيدته استحضاراً باكياً نادباً ممزوجاً بمشاعره التي تقطر حباً علوياً وفيض مودة وموالاة، منها قوله الراثي يحدث الصديقة المفجوعة بنت حبيب الله محمد وأم الحسين الشهيد: أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي نجوم سماوات بأرض فلاة كل مصائب آل محمد التي اجترحها الناس وباءوا بجناياتها.. ممض مؤلم، وأمضها في قلب المؤمن مصائب عاشوراء، يتوقف دعبل عندها ليصف ما حدث.. فما تواتيه قدرته على الوصف، فإن مصاب أبي عبدالله الحسين فوق ما يحتمل الوصف وفوق طاقة اللغة والبيان: فأما الممضات التي لست بالغاً مبالغها مني بكنه صفات قبور بجنب النهر من أرض كربلا معرسهم فيها بشط فرات توفوا عطاشاً بالفرات.. فليتني توفيت فيهم قبل يوم وفاتي هذا الشوق التواق العارم.. هو ما يجده دعبل في داخل الفؤاد، الشوق الفوار لا يدعه يهدأ ويستريح، فماذا يفعل إذن؟! إنه يفكر في زيارة بقعة القدس والشهادة في كربلاء الحسين حيث وقعت الواقعة. لكنه سرعان ما يحجم ويقلع عن هذا التفكير، إن زيارة كربلاء ما تزيده إلا شوقاً على شوق ووجداً فوق وجد ولوعة في إثر لوعة، كيف يقدر أن يبصر بعينيه المواضع التي صرعوا فيها وتدفقت من أبدانهم النورانية حمر الدماء؟! أخاف بأن أزدارهم فتشوقني مصارعهم بالجزع فالنخلات البكاء هو ما يهيمن، وهو ما يهز قلبه وكينونته ويجري من عينيه بلا انقطاع أحرّ الدموع: سأبكيهم ما ذر في الأرض شارق ونادى منادي الخير بالصلوات وما طلعت شمس وحان غروبها وبالليل أبكيهم وبالغدوات إن شيئاً مهماً يمسكه عن الموت لوعة وحسرة، ففي الأفق أمل كمبير ورجاء متألق يسبغ على النفس طمأنينة لأخذ الثأر، ولإعادة العدل المفقود الذي أضاعه – بما جنت أيديهم – المسلمون: فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطع نفسي إثرهم حسرات خروج إمام – لا محالة – خارج يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري فغير بعيد كل ما هو آت وسيكون دعبل – إذا قدر الله له ذلك – في طلب الثأر من المشاركين: فإن قرب الرحمن من تلك مدتي وأخر من عمري ووقت وفاتي شفيت – ولم أترك – لنفسي غصة ورويت منهم منصلي وقناتي رحم الله دعبلاً الخزاعي، وبلغه في نصرة أحبائه آل محمد ما يتمناه.. وفوق ما يتمناه... وبهذا نصل مستمعينا الأكارم إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم نور من كربلاء قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. شكراً لكم وفي أمان الله. شاعر اهل البيت سفيان بن مصعب العبدي - 3 2016-11-21 09:57:11 2016-11-21 09:57:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/14216 http://arabic.irib.ir/programs/item/14216 السلام عليكم أيها الأكارم ورحمة الله وبركاته، معكم بتوفيق الله حبيب قلوب الصادقين في حلقة أخرى من هذا البرنامج فأهلاً بكم. نور حب الله بصدق محبة أوليائه الصادقين هو – مستمعينا الأفاضل – من أسمى الأنوار الباهرة التي تفعم بها كربلاء والقيام الحسيني المقدس قلوب المؤمنين فتجعلها متعلقة بعز الله الأقدس.. وهذه هي الثمرة الكبرى لتفجع أهل المودة لأهل البيت لما نزل بهم عليهم السلام يوم عاشوراء وما بعده، وهذا ما جلاه عديد من شعراء الحسين منهم الذي يحدثنا عنه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان علموا أولادكم شعر العبدي يقول: في ألفاظ شعره تلمس حرارة قلبه ولوعة فؤاده.. كأن داخله يغلي ممتداً لا يقر له قرار، هذا ما نجده في أبيات له ميمية ما تزال شاخصة لم تضع كأغلب شعره الذي غاب أو غيبوه. إنه سفيان بن مصعب العبدي: شاعر عاش في القرن الأول، وأدرك عقوداً من القرن الثاني الهجري، قضيته الكبرى التي يدور حولها شعره وكل وجوده هي قضية الإنتماء المصيري الحميم الى أهل البيت عليهم السلام. وهو يعرف أن الإنتماء اليهم هو حقيقة الإنتماء الى الله عزوجل، وما في الوجود قضية أكبر وأفخر من هذا الإنتماء. يتلألأ في شعر العبدي إقباله على الحقيقة الحسينية، وهو إقبال تحس معه أن الشاعر قريب من سيده الحسين، مليء بالحب له والشوق إليه، مجرح الفؤاد – في الوقت نفسه – على وقائع وفجائع طف كربلاء، هو الحب المدمى والعشق النازف على طول الطريق، شوق نازف ونزف مشوق.. ولا أثر للدنيا في القلب ولاعين، إنها إشراقة شمس الحسين. صدره مسجور بأشجان كربلاء، وقلبه متيقظ أبداً، متوثب باستمرار، وأبوعبدالله الشهيد جوهرة القدس الحمراء التي تشع نوراً أحمر في كل ذرة من كينونة الشاعر العاشق الصادق الولهان، من أراد أن يتعرف على حقيقة الحب وما يفعله الحب.. فليتعرف من قرب على حب الحسين سيجد للحياة طعماً فريداً وللوجود مذاقاً لا تعدل لحظة واحدة منه كل كنوز الأرض، هنيئاً لسفيان العبدي حبه هذا الفوار وهنيئاً لكل من أحب – من قلبه – الشهيد الحسين. أما شعره فهو من نمط في الحزن مركز، مشبع بالأسى والحسرات، كأنما هو حاضر دائماً للوثوب والإنطلاق، دخل العبدي يوماً على الإمام الصادق سلام الله عليه في داره، ومن فوره نادى الإمام والدته أم فروة لتقعد خلف الستر، قال: "لتسمع ما صنع بجدها" الحسين في كربلاء. ثم أمر العبدي بالإنشاد.. فأنشد على طريقة النعي والنوح: فرو، جودي بدمعك المسكوب تقول الرواية: فصاحت، وصحن النساء.. حتى اجتمع الناس من خارج الدار على الباب يتساءلون عن مبعث هذا الصراخ، فأرسل الصادق عليه السلام إليهم من صرفهم بتورية ولم يصرح بالمناحة الضاجة داخل الدار. يكفي لمعرفة العبدي شاعراً ومؤمناً أن أبا عبدالله الصادق صلوات الله عليه كان ينصح مشايعي أهل البيت بقوله: "علموا أولادكم شعر العبدي، فإنه على دين الله. هذه شهادة للعبدي عظيمة من رجل عظيم من عظماء آل محمد أعرف الناس بالحسين، فالعبدي في شعره مدرسة حية مرضية يفوز من يتلقى منها ويأخذ من مضمونها وروحها قبس نور. عشرة أبيات العبدي الميمية... ما لصاحبها – على فجيعة آل محمد في كربلاء – من تماسك واصطبار، من أولها الى آخرها لوعة وبكاء على الجمال المتأله الذبيح تتجلى في قوله: لقد هد ركني رزء آل محمد وتلك الرزايا والخطوب عظام وأبكت جفوني بالفرات مصارع لآل النبي المصطفى وعظام عظام بأكناف الفرات زكية بهن علينا حرمة وذمام فكم حرة مسبية ويتيمة وكم من كريم قد علاه حسام! لآل رسول الله، صلت عليهم ملائكته بيض الوجوه كرام ومن قرب إحساسه بأهل البيت يتجه قلبه الى الأم العظيمة التي هي مجمع الرزايا والثكل والمناحات، هي المفجوعة الملتاعة المعزاة، سيحكي عن الحزن العاشورائي الذي قلب حياته وأدخله في وضع لا يعرف قراراً، ولا يذوق طعم راحة ولا استقرار: أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى فشبت – وإني صادق – لغلام وأضحيت لا ألتذ طيب معيشتي كأن علي الطيبات حرام! ولا البارد العذب الفرات أسيغه ولا ظل يهنيني الغداة طعام وكشأن العاشقين المغارقين والمحبين الفاقدين.. يلقى الشاعر حوله دائماً لائماً يدعوه الى الكف عن التفجع والى سلو الوجد الذي يستمطر بلا اختيار حرار الدموع: يقولون لي: صبراً جميلاً وسلوة وما لي الى الصبر الجميل مرام فكيف اصطباري بعد آل محمد وفي القلب مني لوعة وضرام؟! ثمة طارئة طرأت للعبيدي الداخل – منذ صغر سنة – في محبة آل محمد سلام الله عليهم.. تلفت إليها الأنظار، رأيناها قبل قليل في بيت له سمعناه: أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى فشبت – وإني صادق – لغلام! إبيض شعره وهو غلام! كان إبن عشرين سنة من العمر لما غزاه الشيب مبكراً.. أبكر من المنتظر لمن هو في مثل سنة، قال: إنها مصائب آل محمد التي غدت مصائبه الشخصية.. هي التي صنعت به ما صنعت، وفي طليعتها مصائب كربلاء، هذا ما نقرأه في قصيدة له طويلة قالها معبراً عن ولائه لأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وعن شوقه إليه سلام الله عليه: لأشرفن بدمعي إن نأت بهم دار، ولم أقض ما في النفس من أرب ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد لكن بقائي – وقد بانوا – من العجب! شبت ابن عشرين عاماً، والفراق له سهم.. متى ما يصب شمل الفتى يشب ما هز عطفي من شوق الى وطني ولا اعتراني من وجد ومن طرب مثل اشتياقي من بعد ومنتزح من الغريّ.. وما فيه من الحسب أذكى ثرىً ضم أزكى العالمين، فذا خير الرجال، وهذي أشرف الترب إنكان عن ناظري بالغيب محتجباً فإنه عن ضميري غير محتجب إنه الإندكاك الصادق بأهل البيت الأصفياء – الذين هم بهجة العالم وزينة الوجود – يبدل في المرء باطنه، ويصله وصل تلاحم وذوبان في أرقى حقائق التوحيد. فرق بيّن بين من يتعامل بلون من المودة مع آل محمد طلباً للأجر والمثوبة ولذائذ الجنان.. وبين من يطلبهم سلام الله عليهم لأنفسهم، لأنهم أهل للحب والعشق والذوبان فيهم والفناء، إنه الفرق بين عبادة التجار وعبادة الأحرار. والأحرار أحرار.. لهم عند ربهم مقعد صدق إذ مشوا إليه بقدم صدق، جعلنا الله وإياكم في علقتنا بآل محمد من الصادقين. تقبل الله منكم أيها الأعزاء حسن الإصغاء لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. الشاعر سليمان بن قتة - 2 2016-11-14 12:13:53 2016-11-14 12:13:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/14199 http://arabic.irib.ir/programs/item/14199 سلام من الله العزيز الحكيم عليكم مستمعينا الأعزاء ورحمة الله وبركاته.. تحية مباركة طيبة نحييكم بها في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل، نور التعزز والفوز بالعزة من خلال صدق الإرتباط والنصرة لله وأوليائه الصادقين هو من أزكى الأنوار التي يبعثها في القلب صدق التفجع مع مظلوميات أهل كربلاء وواقعتها الدامية.. ولذلك صار البكاء على الحسين عليه السلام الماء الطهور النازل من السماء لري فطرة التعلق بسرادق العزة الإلهية.. نتلمس هذه الحقيقة معاً – أيها الأعزاء – فيما كتبه أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة تحت عنوان: القتيل الذي أذل قتله رقاب المسلمين فذلت له، قال حفظه الله: هذه القصيدة التائية من أقدم مراثي الناس التي قالوا تفجعاً ومحبة لسيد شهداء الله أبي عبدالله الحسين، إنها من القرن الأول، بل إن أخبار قائلها تذكر أنه أنشأها عند موقع المقتلة لما مر به في كربلاء، بعد ثلاثة أيام من وقعة عاشوراء، واختلف رواتها في عدد أبياتها؛ فمنهم من زاد فيها ومنهم من قلل، على تباين منهم في ترتيب الأيبات. شاعر القصيدة سليمان بن قتة العدوي، ويقال: ابن قنة وقيل: إن قنة اسم أمه، وأبوه هو حبيب المحاربي مشهور في التابعين، وسليمان هذا عده المبرد في كتاب "الكامل في اللغة والأدب" من المنقطعين الى بني هاشم. ومهما يكن.. فإن أبيات سليمان بن قتة – التي يتداخل بعض أبياتها بأبيات لأبي الرميح الخزاعي – هي في طليعة من افتتح صاحبها ديوان الشعر الحسيني الواسع الكبير، وكان من أوائل من زاروا الشهيد الإلهي المظلوم بعد مصرعه، ويقال: إنه بقي على قيد الحياة الى سنة مئة وست وعشرين، حيث توفي بالشام. أخبار سليمان بن قتة توقظ أسئلة لا تهتدي الى جواب: أين كان هذا الرجل حين وقعت الواقعة قبل أن يمر بمكانها بعد ثلاثة أيام؟ ولم لم يشترك في معركة النصرة إن كان موضعه آنذاك قريباً من كربلاء؟ وإذا كان منقطعاً الى بني هاشم – كما يقول المبرد – فما الذي حجزه عن الإلتحاق بعدئذ بثورة النادمين المطالبين بالثأر.. تلك التي عرفت بثورة التوابين عام خمسة وستين؟! وأخيراً: أهناك سر في حياة هذا الرجل الذي وصفه ابن شهر آشوب بأنه من شعراء أهل البيت المتقين أي المنتمين الى آل محمد بالسر دون الجهر.. جعله عائشاً بعد مقتلة التوابين، أم أن أخباره هذه المتفرقة فيها ما هو مضاف إليه إضافة، وأن له شأناً آخر لم تذكره المصادر؟ لكن الذي لا ريب فيه – من مجموع أخبار سليمان بن قتة – أن أبياته قالها بعد مصرع السيد العظيم أبي عبدالله الحسين بأيام ثلاثة، وربما كان منه ذلك في يوم دفن الأجساد الطاهرة المطرحة على ثرى كربلاء. في أبيات سليمان هذه تصوير لإحساسه بالأرض الدامية التي مر بها.. وكل شيء فيها ما يزال طرياً يحمل لون الفاجعة.. حتى رائحة الهواء. وفي أبياته أيضاً روايته لفجيعة القتل، وإلماح الى مزايا آل الله المصرعين. ثم يفصح الشاعر عن تذارف عينيه دموع الحزن والأسى على الشهيد المستوحد الغريب. في البداية.. سجل شعوره بالتبدل والخلو في منازل آل محمد بكربلاء.. وبين مدى ما ساءه من هذا التبدل في المنازل والخلو، وآلمته المفارقة بين أبياتهم يوم حلو فيها، ويوم غدت منهم خالية قفراء: مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها يوم حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلت يدرك سليمان بن قتة أن ما حدث يوم عاشوراء.. أمر أكبر مما يظن، ليست الحادثة قتل رجل أو رجال.. ثم تمر كسائر حوادث القتل في التاريخ، وما أكثر حوادث القتل في التاريخ! إن حادثة عاشوراء التي وقعت قبل ثلاثة أيام أذلت رقاباً هي الأعز في العرب وفي الناس أجمعين، إنهم رجال من قريش فيهم – وهم هنا المقصودون – آل أبي طالب لؤلؤة التاج وعين القلادة؛ قال سليمان: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاباً من قريش مذلت تقول الرواية: إن بعض آل الحسن سلام الله عليه لما سمع هذا البيت من ابن قتة – في وقت لاحق – اقترح عليه تبديل عبارة فيه، لكنها عبارة منحت المعنى بعداً أعمق ودلالة أصدق، قال له: هلا قلت: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاب المسلمين فذلت؟! هذا التبديل اللفظي اليسير في البيت أدخل المعنى في رؤية أوسع مدىً وأدنى الى ملامسة الواقع؛ فإن عظم هذه الفاجعة قد أطاح بعزة المسلمين، فما بقيت لهم من عزة، وأذل رقابهم الى الأبد، وهذا ما تصدقه وقائع التاريخ: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاب المسلمين فذلت ألم تر أن الأرض أضحت مريضة لقتل حسين، والبلاد اقشعرت؟! ألم تر أن البدر أضحى ممرضاً لقتلى رسول الله لما تولت؟!وقد أعولت تبكي السماء لفقده وأنجمها ناحت عليه وصلت ليست وحدها عزة المسلمين – عند قتل الحسين – من أصيبت في المقتل؛ فهذه عناصر الخليقة كلها داخلة في معزوفة حزن أبدية من هول ما حدث: الأرض نفقد عافيتها، وبلدانها تقشعر، والبدر غدا مريضاً عليلاً، والسماء في مناحة بكاء.. حتى النجوم تنوح وتصلي على الحسين، وليس شيء من هذا كله من أسلوب المجاز الشعري، بل هو من الوقائع السماوية والأرضية التي صدق حدوثها مؤرخو المسلمين. الشاعر – بوصفه مفردة في هذا العالم – يبكي كذلك، وتأخذه العبرات التي "ترمعل" في تذراف متتابع، وهذا منه في حق آل النبي صلى الله عليه وآله قليل، فلأبي عبدالله الحسين حق على الناس أن يفعلوا من أجله الكثير الكثير. فجالت على عيني سكائب عبرة فلم تصح بعد الدمع حتى ارمعلت تبكي على آل النبي محمد وما أكثرت في الدمع، لا بل أقلت ما ثمة قتيل شهدته الأرض له من المزايا في استدرار دموع العين والقلب ما لأبي عبدالله الشهيد الوتر الذي لا ثاني له، هذا سر سار في العالم.. عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وهو السر الذي سيجله الله تبارك وتعالى في قيامة العالم، فيفرح عارفو الحسين ومحبوه، ويندم من غفلوا عنه وجهلوه، أما القتلة الجناة الأشقياء ومن انتمى الى موقفهم.. فلهم حديث آخر يفزع منه أهل النار! إن الرزية – في رؤية سليمان بن قتة – هي رزية مضاعفة: قتل حبيب الله وابن حبيبه تلك القتلة المفجعة الرهيبة وحده كاف ليرنح أشد الناس شكيمة وتصبراً، وإذا ما تطلع إلى أوصاف شهداء الله في كربلاء – يقودهم سيدهم الحسين – فإن وصفاً واحداً من هذه الأوصاف يزيد المأساة أسىً والفاجعة شدة وحدة: وكانوا غياثاً.. ثم أضحوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت هذا التحول المتضاد في نفسه هو عنصر كرب وهم مضاعف، فإن من كان ملاذاً لأصحاب الرزايا وكهفاً حصيناً لأهل البلاء قد غدا هو نفسه مركزاً للرزايا والبلاء! تقول الرواية: إن أعرابياً أصابه الضر، فأتى المدينة وسأل أبا عبدالله الحسين أن يعينه، فوهبه أبوعبدالله مالاً كثيراً واعتذر إليه عن قلة ما أعطاه! دهش الرجل من جود سيد شباب أهل الجنة ومن فيض سخائه، فبكى. قال له الحسين سلام الله عليه: لعلك استقللت ما أعطيناك! قال: لا، ولكن.. كيف يأكل التراب جودك؟! لكم منا مستمعينا الأطائب أطيب الشكر على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج نور من كربلاء إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله. شاعر الثورة عوف الأزدي - 1 2016-11-06 12:27:14 2016-11-06 12:27:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/14170 http://arabic.irib.ir/programs/item/14170 سلام من الله عليكم إخوة الإيمان ورحمة منه وبركات.. أهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي نسعى فيه للإستنارة بأنوار القيام الحسيني المقدس من خلال ما تشعشع منها في قلوب شعراء الأدب الحسيني فحملته قصائدهم الحسينية التي خلدها لذلك التأريخ. وأسرع تلك الأنوار ظهوراً هو الذي تجلى في نهضة التوابين الخالدة وعن شاعرها كتب أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة تحت عنوان شاعر الثورة يقول: قصيدة عوف بن عبدالله بن الأحمر الأزدي اليائية من قديم شعر الطف.. فصاحبها كان قبل الواقعة ومعها وظل بعدها، ولم يشارك في نصرة شهيد الله الحسين. تشير أخباره إلى أنه ممن شهد وقعة صفين مع علي أميرالمؤمنين، وأنه التحق – بعد استشهاد الحسين – بثورة التوابين، فكان شاعر الثورة المحرض على الثأر والإنتقام. إنه كما كانت واقعة كربلاء الدامية أوسمة شهادة فريدة لشهداء الحسين، ووصمات عار أبدية لعسكر قاتليهم.. كانت الواقعة لعوف الأزدي هذا منشأ مشكلة نفسية وعقدة روحية عميقة.. هي مشكلة القعود عن النصرة، وعقدة الندم والعذاب الداخلي الذي لا يداوي ولا يداري. ما كان لعوف من مسوغ للتخلف والقعود وحسين الله يواجه عشرات الألوف من الضالين والمضللين.. حتى قضى – روحي فداه – مقطعاً بسيوف الحقد الأموي الجاهلي.. صاعداً الى الله مزملاً بالدم، ومعه أهل بيته من شبان آل محمد وخيرة الأصحاب، هم فازوا الفوز الأعظم، لكن هذا الشاعر المقاتل المجرب دخل بعد الفاجعة في صحراء نفسية قاحلة.. كلها تراب أسود وملح خانق وظلام، هو نفسه يعترف أن لا حجة له في التخلف ولا عذر، حتى نفسه لم يستطع أن يقنعها بمسوغ – ولو ضعيفاً – يخفف عنه وطأة الإحساس بالندم الأكال لعدم نصرته الحسين فقال: فيا ليتني إذ ذاك كنت لحقته وضاربت عنه الفاسقين مفاديا فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته فضاربت عنه الشامتين الأعاديا ولكن عذري واضح غير مختف وكان قعودي ضلة من ضلايا وقعت واقعة الحسين العظيمة المدوية.. فاستبان لعوف الأزدي فجأة أن كل شيء قد خرب، وكل شيء فقد توازنه فتهاوى وآنذاك، الشاعر أيضاً قد تهاوى فجأة وخرب، لكنه خراب موت معنوي جسيم، وما تهاوى واندكّ من كائنات العالم إنما فعل ذلك حزناً ومواساة؛ ففي قتل أبي عبدالله الحسين قتل لعماد العالم وذبح للصورة القدسية التي يتجلى فيها من العوالم العلوية ما يتجلى، لا الأرض بقادرة على البقاء على حالها ولا السماء، كل شيء تغير، وكل شيء داخل في مناحة مستديمة وحزن أبدي؛ قال الأزدي: تزلزلت الآفاق من عظم فقده وأضحى له الحصن المحصن خاويا وقد زالت الأطواد من عظم قتله وأضحى له سامي الشناخيب هاويا والشناخيب: أعالي الجبال؛ وقال: وقج كسفت شمس الضحى لمصابه وأضحت له الآفاق جهراً بواكيا كل مشهد من هذه المشاهد الكونية يعمق الإحساس في باطن الشاعر بالذنب، ويوقفه على مدى خيبته وخسرانه، ويغرز في كل مكان من داخله شفرات التحسر والندم، ولن يهون خطبه أن آخرين من الكوفيين قد فعلوا مثل ما فعل، إن المسؤولية تطوق عنقه وتحكم حول رقبته الخناق لتخلفه عن نصرة الحسين عليه السلام. ويزيد الشاعر ألماً داخلياً أنه يعرف الحسين عن قرب، ويعرف أيضاً لؤم القتلة الجناة الذين حاربوه، وجلهم كانوا قد كاتبوه أول الأمر وبايعوه! قال عوف الأزدي: لحى الله قوماً أشخصوه وعردوا فلم ير يوم البأس منهم محاميا لحى الله قوماً كاتبوه لغدرهم وما فيهم من كان للدين حاميا ولا موفياً بالعهد إذ حمس الوغى ولا زاجراً عنه المضلين ناهيا ولم يك إلا ناكثاً أو معانداً وذا فجرة يأتي إليه وعاديا وأضحى حسين للرماح دريئة فغودر مسلوباً على الطف ثاويا قتيلاً كأن لم يعرف الناس أصله جزى الله قوماً قاتلوه المخازيا لا ريب أن عوفاً الأزدي يبكي، يبكي بكاءً مركباً: بكاء على ظلامة الشهيد المستفرد الغريب، وبكاء ندامة وعذاب وجدان، وهو يدعو الناس – إعداداً لثورة النادمين مثله – الى البكاء: ألا وانع خير الناس جداً ووالداً حسيناً.. لأهل الدين إن كنت ناعيا ألا أبكوا حسيناً كلما ذر شارق وعند غسوق الليل فابكوا إماميا ويبكي حسيناً كل حاف وناعل ومن راكب في الأرض أو كان ماشيا عوف الأزدي يشهد أنه صحا عن ضلته وندم على سوء فعلته، لكنه هذه المرة لم يقعد ولم يتخاذل، صحوة انتهت به الى الثورة المطهرة وحمل سلاح الثأر، هي ذي ثورة التوابين مقبلة، إنهم النادمون العائدون الى النصرة ولو بعد فوات الأوان، إن ما يقدرون عليه الآن هو قتل أنفسهم بسيوف أعداء الحسين كما قتل الحسين، لعل في ذلك تخفيفاً وخلاصاً من الدنيا التي صارت لاتطاق. إنهم يستشهدون الآن بين يدي الحسين "قضاء" لا "أداء"! وسيكون عوف هذا في طليعة المحرضين وشاعر الثائرين لينشد قائلاً: صحوت وودعت الصبا والغوانيا وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا وقولوا له إذ قام يدعو الى الهدى وقتل العدى: لبيك لبيك داعيا وقوموا له إذ شد للحرب أزره فكل امرئٍ يجزى بما كان ساعيا وسيروا الى الأعداء بالبيض والقنا وهزوا حراباً نحوهم والعواليا وحنوا لخير الخلق جداً ووالداً حسين.. لأهل الأرض لا زال هاديا ويوسع نطاق إيقاظه وتحريضه على الثورة وأخذ ثأر كربلاء.. ليشمل الناس كل الناس: فيما أمة ضلت عن الحق والهدى أنيبوا، فإن الله في الحكم عاليا وتوبوا الى التواب من سوء فعلكم وإن لم تتوبوا تدركون المخازيا تجمع الثوار – وفيهم عوف – في ساعة الصفر عند قبر شهيد الله الحسين في أرض كربلاء، وهنالك بكوا ما أمكنهم البكاء، وندموا ما وسعهم الندم، وتابوا الى الله توبة لا رجعة عنها.. ثم انطلقوا الى غايتهم.. يقودهم الصحابي الشيخ سليمان بن صرد الخزاعي، كان ذلك في العام الخامس والستين الهجري، حيث التقوا – وهم أكثر من ثلاثة آلاف – بجيش جرار من أهل الشام، يمده عبيد الله بن زياد بآلاف بعد آلاف، ثم التحموا التحاماً غير متكافئ في "عين الوردة" بين حران ونصيبين من بلاد الشام، وانكشفت المعارك في يومها الثالث عن مقتلة شاملة للرجال التوابين، ولم يفلت منهم إلا أقل القليل. ومن حينها انقطعت أخبار عوف الأزدي وتوارى ذكره، بيد أن قصيدته هذه اليائية ظلت من بعده شاخصة حية.. تحكي وتؤلب وتحرض كما كان صاحبها في حياته، ولهذا تعرضت للإخفاء والتغييب، قال المرزباني: كانت هذه القصيدة تخبأ أيام بني أمية، وإنما أخرجت بعد ذلك. هؤلاء النادمون المستميتون فازوا بالقتل على نياتهم التي عليها يحشرون.. كما فازوا بدعوات الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين؛ إذ كان يدعو لهم جميعاً وواحداً واحداً بأسمائهم.. رضوان الله عليهم، وتستمر أنوار كربلاء تتألق في الخافقين تنير طريق الإنابة الى الله رب الحسين وآل الحسين عليهم السلام. نشكركم مستمعينا الأكارم على كرم متابعتكم لأولى حلقات برنامج نور من كربلاء قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في أمان الله.