اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | تأملات في أدب المصطفى (ص) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الرؤية النبوية للشعر والشعراء - 18 2013-02-02 08:59:45 2013-02-02 08:59:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/9649 http://arabic.irib.ir/programs/item/9649 السلام عليكم أيها الأعزاء معكم في لقاء اليوم ووقفة تأملية في الأدب المحمدي تتناول رؤية النبي الأكرم _صلى الله عليه وآله_ في هذا الفن من البيان الإنساني. تابعونا على بركة الله: مستمعي الكريم، لقد اتخذ الشعر بعداً موضوعياً جديداً بعد نزول القرآن الكريم واستتباب التشريع الإسلامي، فترى النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) يندب إلى الشعر الملتزم والشعر الذي يتفاعل مع مشكلات الإنسان ويساهم في تنظيم هذا التحول ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤكداً دور الشعر الإيجابي في حياة الإنسان: "إن من الشعر لحكمة". وهذا يعني أن الشعر الذي يتحرك في أبعاد أوسع من ذات الشاعر وآفاقه يفقد القيمة الفنية، بل قد يكتسب قوة وقيمة فنية جديدة وأقوى إذا اقترن بالصدق وسمو الآفاق، ونسب إلى آرنولد الشاعر أنه كان يعتقد أن الشعر الجيد هو الشعر الموضوعي الذي ينسى فيه الشاعر نفسه، وأما الشعر الذاتي النفسي الذي تبدو فيه شخصية الشاعر فهو أقل درجة. وهذا النظر والفهم من هذا الشاعر يصدق إذا كان الشاعر منتسبا انتسابا قويا ومتلاحما مع الجماعة والقيم التي تكون موضوع قصيدته، فالشاعر الملتزم ذو العقيدة الصلبة الذي يقف في محراب الإيمان وبما يحصل له من الإعتقاد الجازم بإشراق الأنبياء والأوصياء وهدايتهم _عليهم السلام_ للأمة تتناثر ذاته وتذوب في حب الله تعالى وكذلك في شخصية عظيمة رائعة تلهم الشاعر وتفجر مواهبه كما في شخصية النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم). إن رسول الله صلى الله عليه وآله – وبشرف المبادئ التي جاء بها خلف في نفوس شعرائه آثاراً واضحة تلوح في مدائحهم له _صلى الله عليه وآله_، وتنبت في تضاعيف أبياتهم، لأنه من غير المعقول أن يحدث هذا التغيير في النفوس سريعاً، فقد مس الإسلام القلوب، وبدل العقيدة وغير نظرة الناس إلى كثير من أمور الحياة، ولابد أن يكون قد حفز أولئك الناس الذين استشرت في نفوسهم كوامن العبادة الحقة ودواعي النزعة الروحية الجديدة إلى أن يعبروا عن هذا الإيمان بما يملكون من وسائل، وكان الشعر وسيلة هذا لتعبير. فالشاعر الذي كان غارقا بذاته وهمومه اللامرئية أصبح في مرحلة إشراق الإسلام وولادة النور المحمدي مسئولا عن واقع جديد يعيشه ويصوره، فالسؤال الذي يطرحه أحدهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل الجواب عن هذا السوال وثيقة التزام ومحاكاة واقع ومعاناة بقوله _صلى الله عليه وآله_: "المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" فالشعر هنا يخضع لمعيارين مهمين هما واقعيته والتزامه بقضايا الأمة، فالشاعر له وضيفة جديدة هي الإتصال بالحياة والرسالة والواقع، فقوله _صلى الله عليه وآله_ يضع الأساس النظري للتفسير الإعلامي للأدب، فالتفسير الإعلامي للأدب يقوم على أساس من الوحدة الإتصالية، فالأديب والمضمون والوسيلة والمستقبل والإستجابة هي جميعا حلقات متصلة في سلسلة واحدة. مستمعينا الأكارم، إن الذي نستفيده من النصوص المحمدية المتقدمة هو أن العمل الفني الحقيقي، هو ذلك الإنتاج الصادق الذي يمحو كل فاصل بين صاحبه من جهة، وبين الإنسان الذي يوجه إليه من جهة أخرى، ثم هو أيضا ذلك الإنتاج العامر بالعاطفة الذي يكون من شأنه أن يوحد بين قلوب كل من يوجه إليهم.. والوسيلة هي المنهج الذي تنقل به الرسالة من المرسل إلى المستقبل، كأن يكون بشكل شعراً وخطبة أو قصة، والمستقبل هو القارئ أو السامع، فالبيانات المحمدية ترى أن المرسل هو الأديب أو الشاعر يحاول أن يتصل ويوصل معلوماته أو مشاعره التي تنفجر على شكل شعر أو خطبة إلى المستقبل وهو الجمهور، وكما يتطلب انتقال الصوت من مصدره إلى إذن المستمع وسيطاً تنتقل فيه الموجات الصوتية، كذلك يتطلب انتقال الرسالة من المرسل إلى المستقبل أو بالعكس وسيلة ما تسمى أحيانا قناة. ومن هذه الوسائل أو القنوات اللغة اللسانية. ولا شك أن نظرية النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – في الإعلام تعمد الى إعداد الإنسان إعدادا نفسيا لمبدأ الإلتزام الذاتي الطوعي، للفنانين والأدباء، والمهمة الإعلامية التي ينبغي أن يضطلع بها أهل المواهب والمبدعون هي وسام شرف لهم في تاريخ المجتمعات الإنسانية، فالله جل وعلا حين يمنح عبده موهبة ما، تكون هذه الموهبة موظفة لأغراض بنائية وإيجابية، لأن العطاء الرباني من النعم العظيمة التي ينبغي على الأفراد والمجتمعات أن تعرف قدرها وتشكر واهبها (عز اسمه). أعزائنا المستمعين نصل الآن إلى عرض خلاصة ما تقدم في لقاء اليوم، وهي أن الأدب المحمدي جسد في مجال فن البيان حقيقة أن قدسية الهدف الذي يحمله المتكلم هو العامل المحوري في جعل كلامه موثراً في من استعد قلبه له. هذا أولا وثانيا فإن النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – دعا الشعراء إلى اقتناص الحكم النافعة وتضمينها في أشعارهم، وتجنيد أشعارهم كوسيلة للجهاد في سبيل الله والقيم الإلهية المقدسة. وبهذا ينتهي لقاء اليوم من برنامج ((تأملات في أدب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)) استمعتم له أيها الإخوة والأخوات من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران تقبل الله منكم حسن الإصغاء وفي أمان الله. الحوار الهادئ في كلام النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ وعترته الطاهرة - 17 2013-01-26 09:00:28 2013-01-26 09:00:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/9648 http://arabic.irib.ir/programs/item/9648 السلام عليكم أعزائنا ورحمة الله، تحية مباركة طيبة نهديها لكم وندعوكم بها للإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم هذا ووقفة عند الحوار الهادئ في أدب النبي الأكرم _صلى الله عليه وآله_ وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين _كونوا معنا_. أعزائنا المستمعين كان الرسول الأكرم _صلى الله عليه وآله_ يحترم ويحاور الثقافات والأديان المتنوعة انطلاقا من مبدأ "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" فكان كثير من معتنقي الديانات الأخرى مهما كانت يلمس هذا الإحترام والتفهم لهم ولمعتقداتهم مما أسلم كثير منهم بلغة الحوار والمناقشة العلمية الهادئة بعيداً عن لغة السيف والتهديد، وكان الأئمة المعصومون _عليهم السلام_ اقتداء بجدهم النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ يعقدون المؤتمرات والحلقات الفكرية والعلمية لمختلف التيارات الدينية والفكرية المعادية للإسلام، وقد سجلت لنا الوثائق التاريخية حوارات الإمام الصادق _عليه السلام_ الرائعة في المدينة المنورة بدون ممارسة أي نوع من أنواع التسلط والإرهاب الفكري مع الخصوم، مستلهما سيرة جده النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ في حواراته مع الطوائف والأديان. ومثل ذلك نقرأه في سيرة الإمام الرضا – عليه السلام – ومناظراته المباركة مع أرباب وعلماء الأديان المختلفة في مجلس الطاغية العباسي المأمون، كما كانت للإمام الباقر _عليه السلام_ حوارات مؤثرة مع علماء النصارى في الشام أيام استجلاب الطاغية الأموي هشام بن عبد الملك له – عليه السلام – بهدف إخضاعه للإقامة الجبرية فيها، وبسبب شدة تأثير الحوار الهادئ الذي أجراه باقر علوم النبيين _عليهم السلام_ على علماء النصارى إضطر الطاغية الأموي هشام ابن عبد الملك إلى التراجع عن قراره و إعادة الإمام الباقر _عليه السلام_ إلى المدينة المنورة. مستمعينا الأفاضل، إن النماذج المتقدمة وغيرها المشهودة في تراث أئمة العترة المحمدية _عليهم السلام_ هي جميعا تعرفنا في الواقع بخصوصيات كلام جدهم المصطفى _صلي الله عليه وآله_ في الحوار الهادئ، فهم المعبرون حقاً عن خصوصيات الأدب المحمدي.. الأدب النبوي والأدب المحمديفمثلا ليسا بغريب عن الإمام علي _عليه السلام_ أن يكون كلامه مثل سيده وأستاذه المصطفى _صلى الله عليه وآله وسلم_ الذي زقّه العلم وأوقفه العلم على باب مدينته فجعله مسلك مدينة العلم والطريق الذي ينبغي أن يورد لمن أراد التعلم والتفقه، وما الفصاحة والبلاغة والبيان إلا صفحة من صفحات العلم والأدب النبوي، فملكة الفصاحة والبلاغة العلوية هي مظهر من مظاهر الأدب والفصاحة التي اتسم بهذا الأستاذ، وقد برع بها الإمام علي _عليه السلام_ براعة حملت أعدائه وحساده على الإقرار بها... نعم لقد كان الإمام يستفيد من أدب النبي وعلومه وفنه، فلا يمكن فصم الأدب ألعلوي عن الأدب النبوي فالنبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ وعلي _عليه السلام_ نور واحد وشجرة واحدة، يقول النبي: " خلق الناس من شجر شتي، وخلقت وعلي بن أبي طالب من شجرة واحدة". وما الفصاحة والبلاغة إلا ورقة ناصعة تتلألأ من إشعاع روحيهما، لأن الإشعاع الذي سطع هو من فيض الأنوار الربانية ويمر بالنبي أولا ثم ينعكس في علي _عليه السلام_ وعقله، فالإشارات والتلميحات لا يفهمها كل إنسان، وإنما تلتقطها حواس الأنبياء والأوصياء، فاللغة الإيمائية وغير المباشرة تترجم في حس النبي وعقله إلى صور واقعية يدرك مداها وأبعادها.. وهذا الإلتقاط للإشارات الكونية والتلميحات الكائنة في الوجود يوجد عند الإمام أيضا.. وهذا الفهم جاء لعلي _عليه السلام_ من قلب النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ ولا يمكن للإمام أن يدرك شيئا إلا من خلال قلب النبي وعقله، فلم يزل هذا ملازما له.. وكل ما لدي علي _عليه السلام_ من فيض وجود النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ وشلال عطائه.. وكلّه ذلك من فضل الباري عزوجل ولطفه.. يقول الإمام علي _عليه السلام_ فيما يقول عن نشأته في أحضان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):.. "ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالإقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، فلا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة و أنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة". ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يارسول الله ما هذه الرنة ؟ "فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته. إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي ولكنك لوزير وإنك لعلي خير". ومن الأدب النبوي قوله _صلى الله عليه وآله وسلم_ في البغي: " لو بغي جبل على جبل لجعل الله عزوجل الباغي منهما دكّاً" وفي ذلك يقول الإمام علي _عليه السلام_ : "لو بغى جبل على جبل لهلك الباغي". وبهذا النموذج المحمدي العلوي ننهي مستمعينا الأكارم حلقة اليوم من برنامج (تأملات في أدب المصطف) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. جمالية الإيقاع في الكلام المحمدي - 16 2013-01-19 09:24:40 2013-01-19 09:24:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/9647 http://arabic.irib.ir/programs/item/9647 السلام عليكم إخوة الإيمان.. على بركة الله نلتقيكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ووقفة قصيرة عند خصوصية أخرى من خصوصيات كلام حبيبنا المصطفى _صلى الله عليه وآله_، هي خصوصية جمالية الإيقاع وشدة تأثيره تابعونا مشكورين. روي أن النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ لما فتح خيبر وقدم جعفر ابن أبي طالب من الحبشة قال: "ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أو بفتح خيبر". نعم عزيزي المستمع: إن الإيقاعات التي حليت بها النصوص الصادرة من النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ تنسجم مع محتويات هذه النصوص ومضامينها، فتمنح النصوص بعدا جماليا يثير الشعور الإنساني ويحفز الإدراك الجمالي عند الإنسان في عملية التذوق الفني كالحديث النبوي السابق وكقوله _صلى الله عليه وآله وسلم_: "إن الرفق لم يوضع على شيء قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شانه". وكقوله _صلى الله عليه وآله وسلم_: "إن الله يحب البصر النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، ويحب السماحة ولو على تمرات". كما قال النبي الكريم خاتم الرسل: "إعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس، وأرض بقسم الله تكن أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن أورع الناس". هذه النصوص كما ترى عزيزي المستمع تستبطن إيقاعات رائعة منسجمة مع ظاهر اللفظ وانجذاب الإنسان نحو الإيقاع هو انجذاب غريزي، وبشكل لا إرادي يرافق الإنسان من سنين مبكرة في حياته، فخلو الآداب من عنصر الإيقاع يعني فقدان جاذبيتها الصوتية التي تكون من الضرورة الفنية اللازمة لتشويق المتلقي. ولنتأمل أخي المستمع أختي المستمعة في الأحاديث النبوية التالية: قال الرسول _صلى الله عليه واله وسلم_ حين سئل عن خير العباد: "الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا". كما قال _صلى الله عليه وآله وسلم_: "العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان".. ويقول الصادق الأمين: "ملعون ملعون من ضيع من يعول". فالألفاظ الدالة على الإستبشار والعلم والإعانة هنا، لها رنين في نفس المتلقي يرددها مع نفسه، ليس رنينا خارجيا، وإنها تتولد هذه الإيقاعات بتفاعل المتلقي معها من داخل النص وليست من خارجه. وهذا أيضا فن تميز به أدب الرسول _صلى الله عليه وآله وسلم_. مستمعينا الأكارم، والسؤال الذي نود أن نطرحه هنا هو: من هو ملهم النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_؟ إن جواب هذا السؤال ينحصر في حقيقة مطلقة ماثلة في حياة الأنبياء ككل ومنهم النبي محمد _صلى الله عليه وآله وسلم_. فالإلهام الذي اشترك به عمومهم هو من الله تعالى، فأدب الأنبياء هو وحي الله وتلقينه، فمن الله سبحانه كانت حروفهم تنطق وألسنتهم تبدع، فالواحد الأحد جل جلاله هو موضوع أدبهم ومنه واليه تنصب عاطفة النبي، فإذا عرفنا أن العاطفة عنصر وركن من أركان الأدب، فالله ورضاه هو المتبقي من هذه العاطفة في الأدب النبوي، قال _صلى الله عليه وآله وسلم_ لأصحابه: "ألا أخبركم بشيء إن فعلتموه تباعد الشيطان عنكم، كما تباعد المشرق من المغرب"؟ قالوا: بلي يارسول الله، قال: "الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله عزوجل والمؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والإستغفار يقطع وتينه، ولكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام". أجل.. إن الله عز اسمه هو محرك الأدب النبوي، ومن أجله ينطلق، فرضاه تعالى هو محرك الأدب النبوي، ومن أجله ينطلق اللفظ وتتصاعد المشاعر والأحاسيس في جو النصوص من أجل رضا المحبوب الأزلي والموجود اللامتناهي، الذي يملأ قلب النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ وينوره. إن الأدب النبوي يكبح العواطف البشرية الشاذة ويضبطها، فالإنحراف العاطفي يتراجع أمام الحواجز العقلية المنيعة التي وضعها الرسول _صلى الله عليه وآله وسلم_ ولا يتراجع العقل والفكر البشري أمام النصوص النبوية بل يأتلف معها ائتلافا واضحا، فالأسلوب بهذه الصورة يكسب رصانة بين رقة العاطفة وصحوة العقل وتكامله. مستعينا الأكارم، ونخلص مما تقدم إلى أن كلام سيد الأنبياء _صلى الله عليه وآله_ يتميز في كثير من نصوصه بجمالية الإيقاع وشدة تأثيره في نفس المخاطب به، وهذه الجمالية وشدة التأثير ثمرة لاندكاك القلب المحمدي بالذات الإلهية المقدسة، وهو اندكاك نوراني ظهرت آثاره في كل وجود النبي الخاتم ومنها كلامه – صلى الله عليه وآله –. وإلى هنا تنتهي أيها الأعزاء حلقة اليوم من برنامجكم (تأملات في أدب المصطفي) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران نشكر لكم حسن الإصغاء ودمتم بكل خير. عناصر الخيال في أدب خاتم الأنبياء(ص) - 15 2013-01-05 09:40:41 2013-01-05 09:40:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/9646 http://arabic.irib.ir/programs/item/9646 السلام عليكم أيها الأعزاء ورحمة الله، تحية مباركة طيبة نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من برنامجكم هذا والذي نسعى فيه لمعرفة خصوصيات الأدب المحمدي وهو أبلغ الكلام بعد كلام الله المجيد. في هذا اللقاء نتعرف على خصوصيات كلام سيد البلغاء وخاتم الأنبياء – صلى الله عليه وآله- في استخدام القصة بمختلف أنواعها، تابعونا على بركة الله. مستمعينا الأفاضل لقد توسل النص الحديثي بالأسلوب القصصي في الوعظ والتبليغ ونشر الأفكار والأهداف الإسلامية العظيمة، فالروايات الواردة عن النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله- وعن المعصومين (عليهم السلام) قد تشكلت بعضها بشكل الأسلوب القصصي الذي يحتوي على عناصر القصة ومقوماتها من عقدة قصصية وحوار وحدث وزمان ومكان يستغرق الحدث ويؤطره، وسواء كانت هذه القصص من نوع ضرب الأمثال أو قصة تسجيله أو وقائع جرت نقلها رسول الله – صلى الله عليه وآله- لنا، فهي موشحة بلغة القصة والحكاية في مختلف نماذجها. فمثلاً تعلمون أن القصة التاريخية هي قصة تنقل أحداث التاريخ الماضي، وهذه القصص التاريخية دخلت في مأثور الأدب الديني القديم وفي الكتب السماوية المنزلة، وقد أخذت حظاً وموقعاً كبيراً في روايات النبي (ص) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ فقد قال (ص): "إن جبرائيل نزل علي بكتاب فيه خبر الملوك، ملوك الأرض قبلي، وخبر من بعث قبلي من الأنبياء والرسل". مستمعينا الأكارم، يظهر للمتابع لأشكال القصص النبوية وبنائها أن النبي (ص) لم يكن مهملاً لعمارة النص الأدبي فيها، وإن كان (ص) يرى أن القصة ميدان رحب لمجموعة من الأفكار والموضوعات التي تقتضيها المرحلة الزمنية لتبليغه الرسالي، فتأخذ شكلاً خاصاً بها، وقد تكون أحداث القصة واقعية فتروى كما حدثت، أو تكون الأحداث فرضية، فالهدف من هذه القصة هو التهذيب والتعليم الديني والأخلاقي، ولا تمتنع هذه الأحداث المفترضة من أن تأخذ طابع الصدق الفني والصدق الواقعي. ولدى دراسة نصوص التراث المحمدي وخصوصاً القصصي منها يلحظ التميز والإنفراد في التقنية، فقد تميزت نصوص منها بظاهرة الإنتقاء في الحوار والإقتصاد للألفاظ والأحداث والإقتصار على ما هو ضروري منها، فيواجه القارئ أو السامع عبارات محذوفة كانت أولى بالذكر منها من الحذف، ولكن حرصت هذه النصوص على الإيجاز، فجاءت القصة مجملة، كما أنها تهدف إلى وضع القارئ والسامع في مستوى المشاركة الفنية في تكملة فصول القصة أو وضع الأحكام والنهايات لها، وقد يختلف عنصر الزمان والمكان فيها عن القصص الأخرى، فالغرض الذي يسعى اليه ويؤكده في تقنيته هو إبراز الأفكار والمعاني، وغرضه – صلى الله عليه وآله – من التوظيف للقصة أو الحكاية هو تشويق الإنسان لنمط من السلوك، فالنبي (ص) يسعى إلى زرع بذور الاعتقادات والأصول الدينية في نفوس المسلمين، فتراه يعظهم بالأسلوب القصصي أحياناً، كما في الرواية التي رواها الإمام الصادق (ع) عن النبي (ص) والتي يقول فيها كما جاء في تفسير علي بن أبي ابراهيم: "لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وربما أمسكوا فقلت ما لكم ربما بنيتم وربما أمسكتم! فقالوا: قول المؤمن في الدنيا "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإذا قال بنينا وإذا أمسك أمسكنا". ففي هذه الحكاية، أيها الأخوة، نجد الفن والمعرفة والجمال والمتعة، حيث نجد فيها بنائين ليسوا من جنس البشر، بل هم ملائكة كرام، يفعلون ما يؤمرون، فتراهم يتحركون طبقاً لمشاعر الإنسان وتقريره وأقواله، فالزمان والمكان غير مألوفين وغير مشاهدين، والحدث هو يومي ويتكرر. مستمعينا الأكارم وختاماً نسجل النتيجة المحورية التي نستفيدها من هذا اللقاء وهي؛ إن النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – قد استعان بالأدب القصصي في مواعظه وكلامه مقتدياً بالأسلوب القرآني الذي قدم للمجتمع البشري أحسن القصص، وتميز الأدب القصصي المحمدي بمعظم مميزات الأدب القصصي القرآني من عرض الحوادث الأساسية المؤثرة في تحقق الهدف التربوي المطلوب من عرض أصل القصة. وبهذه النتيجة نختم أيها الأعزاء لقاء اليوم من برنامجكم (تأملات في أدب المصطفى (ص)) استمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. عنصر الخيال الصادق في الأدب المحمدي - 14 2012-12-29 09:49:46 2012-12-29 09:49:46 http://arabic.irib.ir/programs/item/9645 http://arabic.irib.ir/programs/item/9645 سلام من الله عليكم أيها ألأحبة ورحمة منه تعالى وبركات. تحية مباركة طيبة نستهل بها لقاء اليوم من هذا البرنامج، ولنا فيه إشارات الى عناصر الخيال في أدب سيد البلغاء والفصحاء _صلى الله عليه وآله وسلم_ وما يميزه عن الخيال لدى سائر أرباب البيان... تابعونا على بركة الله. لايخفى عليكم مستمعينا الافاضل، أن عنصر الخيال يعتبر من أهم عناصر الأدب والفن عموما ومن أبرز مقوماته. وقد ظهر هذا العنصر في الكلام المحمدي بصور بليغة تميزه عن غيره من كلام الفصحاء... فمثلا جعل النبي الأكرم _صلى الله عليه وآله وسلم_ وفي صورة جميلة جعل العلماء مصابيح تطرد ظلام الجهل، وبعلومهم تهتدي قوافل السائرين فقال: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ضلمات البر والبحر، فإذا طمست أوشك أن تضل الهداة". وثمة فارق مهم بين الخيال عند الأديب وعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأن الأديب يحمل تصورات وتمنيات بعضها يميتها الزمن وبعض منها يحيا فيقيدها الواقع بقيد الحقيقة، أما النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ فإنه يضع أمام الناس صورة المستقبل غير المرئي لمن عايشه وأدرك زمانه. ومن الخيال المبدع أو بتعبير آخر الإدراك المبدع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله واصفا صلاة المنافق: "يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لايذكر الله فيها إلا قليلا". ان الرسول _صلى الله عليه وآله وسلم_كان يرى الرؤيا وهي زيادة كمال وعلم وقناة اتصال مفتوحة مع المولى القدير وأنساً له صلى الله عليه وآله. اما الخيال لدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو حاسة باطنة كبقية الحواس ينزر من خلالها الأشياء. والخيال يقوم بتأليف علاقة ورابطة بين الأشياء التي ليس لها تآلف حقيقي ورابط في الوجود الخارجي بل يخلق لها خطوط اتصال من خلال حواس باطنية سميت بالخيال المؤلف، ومن الخيال النبوي المؤلف قوله _صلى الله عليه وآله وسلم_ "أن الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة" ومن ذلك قوله: "العلم خزائن ومفتاحه السؤال فاسألوا يرحمكم الله فأنه يوجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم". كل هذه الأمور مستمعي الكريم ونظائره المنشورة في كتب الحديث النبوي قد تشكلت وترتبت بالخيال الخلاق الذي هندس خيوط الارتباط بين عناصر الصورة وأجزائها. ولا يعني عنصر التخيّل في الأدب النبوي تصوير أوهام أو طرح الواقع الوهمي الذي لا يمكن إدراك أبعاده في المدركات الذهنية للإنسان، وانما هو عملية تصوير فعنصر الصورة أو العنصر الصوري هو نتيجة حتمية لعملية التخيل الفني …أجل.. الخيال الفني يقوم بتركيب الصورة أوتعميقها أو توضيحها وتقريبها أو تأكيدها، فقد تكون الصورة مرئية إلا أن الخيال الفني أو التخيل يعيد تصويرها بإعادة تركيب عناصرها أو ألوانها أو أبطالها. ونستطيع القول إن الخيال ــ كما يسمى ــ هو مظهر من مظاهر أدب ألوصف لدى النبي الأكرم صلى اله عليه وآله وسلم، فالوصف الذي ينقله لنا النبي هو تحويل هذه الصورة من خلال عدسة يمتلكها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو من حاسة باطنة مودعة في عقله وقلبه نرى الحقائق ونبصرها ماثلة مشخصة، إلا أننا لانمتلك هذه العدسة فنطلق على ماغاب عن بصرنا بالخيال أو رؤيا الخيال. وختاما نشير أعزاءنا المستمعين الى أن المتأمل في ظهور عنصر الخيال في الكلام النبوي يلاحظ بوضوح أمرين، الأول صدق الخيال فيه وتعبيره عن الواقع بصورة دقيقة، أما الثاني فهو تجنيد هذا العنصر لإيقاع التأثير المطلوب في نفوس السامعين للكلام النبوي بحيث تتفاعل قلوبهم مع الحقائق التي يجسدها. وبهذه الملاحظة نختم أيها الأكارم لقاء اليوم من يرنامج (تأملات في أدب المصطفى) صلى الله عليه وآله وسلم، قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في إيران، تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. سمو العاطفة في كلام رسول الله - 13 2012-12-22 11:43:33 2012-12-22 11:43:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/9644 http://arabic.irib.ir/programs/item/9644 السلام عليكم أيها الأحبة، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج، موضوع هذه الحلقة هو سمو العاطفة في كلام رسول الله – صلى الله عليه وآله- نتناوله بعون الله بإشارات إلى دور العاطفة في زيادة تأثير الكلام ونقرن ذلك بنماذج من الأحاديث النبوية التي يتجلى فيها هذا العنصر، تابعونا مشكورين. مستمعينا الأعزاء لكل فن وأدب من العواطف البشرية التي تميز الفن من غيره، أن العاطفة روح الفن، فمن العواطف والخيالات تتشكل الفنون، وفرض ادب وفن من دون عواطف يعني عملية إبداع وخلق ميتة لا حياة فيها، وإذا كان الفن الرفيع يتطلب حضور عواطف الإنسان وأحاسيسه في القطعة الأدبية، فإن الوجود النبوي كله عواطف وأحاسيس وطاقات شعورية هائلة يلمس ذلك أهل الفن وغيره. ولو دخلنا في عالم الإنسان بما فيه من بعد إنساني خلقه الله وأودعه فيه لوجدناه ماثلاً في شخص نبينا محمد (ص) نبي الرحمة، ولو تأملنا قطعة من كلامه في قوله –صلى الله عليه وآله-: "لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها"، لرأينا دفق العواطف البشرية وانبعاثها في ديباجة كلامه، أجل نجد العواطف تتلاطم من فيض شعور الرسول (ص) وأحاسيسه. روى المؤرخون بأنه لما انصرف النبي (ص) الى المدينة حين دفن قتلى أحد، مر بدور بني الأشهل وبني ظفر فسمع بكاء النوائح على قتلاهن فترقرقت عينا رسول الله (ص) وبكى، ثم قال: "لكن حمزة لا بواكي له". إن عاطفة النبي الكريم (ص) مهذبة وموجهة، فهو إنسان له عواطفه وأحاسيسه إلا أنه أناط عواطفه بما يرضى الرب جل وعلا. روي أنه قال لإبنه ابراهيم وهو يجود بنفسه: "لو لا أن الماضي فرط الباقي وأن الآخر لاحق بالأول لحزنّا عليك يا ابراهيم"، ثم دمعت عيناه وقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا مايرضي الرب وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون". فالفرح والحزن والغضب لدى الرسول (ص) منضبط بالقدرة الإلهية، وحين يفرح أو يحزن، يحزن ويفرح لله تعالى لا لنفسه، فرضاه من رضى الله وغضبه من غضب الله عزوجل. كما نجد العقل عند النبي (ص) بما فيه من تفكير سليم ومنهجية مبينة على المنطق، يضبط العواطف ويكبح جماحها ويحولها إلى عواطف راجحة معقلنة، فلا يسمح لعواطف الإنسان بأن تخرج عن خط الإعتدال، فترى ألفاظه (ص) تلجم الإنفعالات والعواطف غير المنضبطة بلجام محكم من الأدب الرفيع، فيقول (ص): "ثلاث من كن فيه كان منافقاً، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا أتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف". وصلى النبي محمد (ص) ذات يوم فخفف الركعتين الأخيرتين، فسأله الأصحاب، وفي الصلاة شيء؟ فقال لهم: أما سمعتم صراخ الصبي، إذ كانت أمه معهم في الصلاة فخفف الصلاة رحمة بالطفل ورحمة بأمه. أجل، وهناك أخباراً مملوءة بعواطفه (ص) ومنها ما ذكرنا، وكذلك أيها الأخوة إثارة العواطف وتحريكها بالصورة يكون أجمل من التقرير، فأن يكون حبيب وقريب بين محبين في مقام واحد أرفع في النفس من أن يكونوا مفرقين كما في هذه الصورة المروية عنه (ص) حين يقول: "إذا كان يوم القيامة ضرب لي عن يمين العرش قبة من ياقوتة حمراء وضرب لإبراهيم (ع) من الجانب الآخر قبة من درة بيضاء وبينهما زبرجدة خضراء لعلي بن أبي طالب (ع) فما ظنكم بحبيب بين خليلين". وكما تلاحظون –مستمعينا الأفاضل- فإن قوله –صلى الله عليه وآله- "فما ظنكم بحبيب بين خليلين"، مفعم بعاطفة مودة جياشة تصدر من قلب النبي الخاتم وتظهر على ألفاظ كلامه وهو يتحدث عن وصيه المرتضى (ع) فتنتقل محبته له إلى قلوب المخاطبين على مر الأجيال. وأخيراً نشير مستمعينا الأفاضل إلى صدق العاطفة ونقائها في قلب سيد الرسل –صلى الله عليه وآله- ينعكس بدوره على كلامه ويشكل بالتالي أحد أسرار شدة تأثيره في النفوس والقلوب. وبهذه الملاحظة ننهي أعزائنا لقاء اليوم من برنامج تأملات في أدب المصطفى –صلى الله عليه وآله- استمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. البيان المحمدي ومكافحة الفحش والهجاء - 12 2012-12-15 10:15:18 2012-12-15 10:15:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/9643 http://arabic.irib.ir/programs/item/9643 السلام عليكم إخوة الإيمان ومحبي سيد البلغاء والفصحاء والبيان الصادق الأمين صلوات الله وتحياته وبركاته عليه وآله الطاهرين. معكم أيها الأحباء في حلقة أخرى من هذا البرنامج نتعرف فيها على خصوصية أخرى من خصوصيات الكلام المحمدي لنستعين بها على التأسي به _صلى الله عليه وآله_ والإقتراب في كلامنا من أطيب البيان. والخصوصية التي نتناولها في هذا اللقاء هي عفة الكلام وجماليته وإبتعاده عن الفحش والهجاء.. تابعونا مشكورين من المسلّم أنه لا يجيز الإسلام للشاعر والأديب أن يمتدح الفجرة والكفرة وأن يمنحهم شهادات براءة من ذنوبهم، أو أن يصفهم بصفات أكثر من صفاتهم الحقيقية، فالأدب له وظيفة ومسؤولية كبيرة هي الانتساب للأمة وللناس لا أن يملأ ديوان الأدب بقصائد مديح ونفاق وتملق. يقول النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مدح الفاجر اهتزّ العرش وغضب الربّ" فقصيدة رياء وكذب يقولها الشاعر، وهو قنات من قنوات الإعلام للناس، تعني تزيين الظلم وتشجيع له ليكون مبرراً للحاكم الظالم في أن يتمادى بعسفه وظلمه. ولا يتسامح البيان المحمدي مع الفحش أيضاً وهو يؤكد أن الله تعالى حرم جنانه من أن يمشي عليها أهل الفحش ردعاً للسالكين هذا المسلك، فأعراض الناس وذممهم محفوظة ولها حرمة، وكما لا يمكن إجابة مال الإنسان وأملاكه كذلك عرضة وناموسه فهو مصون في دين الاسلام، يقول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الله حرّم الجنة على كل فحّاش بذيء قليل الحياء". والهجاء في الشعر مظهر قبيح من مظاهر الفحش، وهو تشويه لهذه اللوحة الجميلة في حياة الإنسان، فالفن هو انعكاسات جمالية تجيش في صدر الفنان ينفشها في فنون الإبداع، سواء كان هذا الابداع تجّلي في فن شعري أو نثري، فترى الشعراء الهّجائين يتهافتون ويتدحرجون الى هوّة الإبتذال والإسفاف حين يضعون أيديهم وألسنتهم مع ألسنة الشياطين فينفثون القذع والسباب فيتهاوى الفن وتتطاير منه شظايا الشّر والسّعير، بدل إشعاعات الخير والجمال التي تجلت في جميع نصوص كلام حبيبنا المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ حتى وهو يرد على أهل الفحش والهجاء، فقد روي أنه لما بلغه هجاء عمرو بن العاص له قال: ـ "اللهم إني لا أحسن الشعر، ولا ينبغي لي أن أقوله، فالعن عمرو بن العاص بكل بيت ألف لعنة" وفي الأدب المحمدي من جهة أخرى تلاحم وانسجام بين الدين والجمال والخير والأدب الملتزم، ولاترى عدسة الفنان الرّباني أن هنالك انفصالاً واستقلالاً في هذه المحاور بعضها عن بعض فالدين هو الجمال والخير ومنه تتشعشع أنوار المحبة والمودّة فالحديث النبوي الشهير يقول: "ان الله جميل يحب الجمال". المنطق الجميل والصوت الجميل والصبر الجميل والعفو الجميل هي دلالات ومعالم في طريق الفن والأدب. وما الفن الا تكوين جمالي يرتب الأحاسيس وينظمها، لأن الاحساسات الجمالية موجودة في روح الفنان فيعمد الى ابرازها الى سطح الوجود في قصيدة او لوحة متناسقة جميلة. والفلاسفة يدركون ان الجمال والفن الحقيقي هو من تجليات الباري جل وعلا.... ونسبوا الى افلاطون القول بأن الله تعالى خيرُ وحق وجمال يصدر منه كل خير وحق وجمال.... والنتيجة التي نخلص إليها مما تقدم هي أن على المؤمن المأمور بأن يتأسى بصاحب الخلق العظيم محمد _صلى الله عليه وآله_ أن ينزه كلامه وأدبه شعراً أو نثراً عن كل ماتُشم منه رائحة الفحش والكلام البذيء والهجاء، وفي المقابل يطعمه بقيم الخير ومايفصح عنه حب الخير والصلاح للجميع كما تجلى في كلام سيدنا الصادق الأمين _صلى الله عليه وآله_. والى هنا ينتهي لقاء اليوم من برنامج (تأملات في أدب المصطفى) قدمناه لكم من اذاعة طهران صوت الجهورية الاسلامية في ايران شكراً لكم ودمتم في رعاية الله... السمو الأخلاقي والواقعية في الكلام النبوي - 11 2012-12-08 10:01:48 2012-12-08 10:01:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/9642 http://arabic.irib.ir/programs/item/9642 سلامٌ من الله عليكم إخوة الإيمان، وأهلاً بكم في وقفة تأملية أخرى في الأدب المحمدي نتلمس فيها الإقتران الطيب بين الواقعية والسمو الأخلاقي في كلام سيد البلغاء والفصحاء حبيبنا المصطفى- صلى الله عليه وآله- كونوا معنا. ان الادب النبوي واقعي ويدعو الى الانتساب الى الواقع، ولكن واقعية الأدب لا تعني تجريده من أخلاقياته، فأخلاقيات الأدب هي أخلاقيات الكيان البشري التي ينادي بها الدين الإسلامي وتؤكده الأحاديث، وعليه لابد أن يكون الأدب والفن في روحه متطابقاً ومتوافقاً مع أحكام الدين والأخلاق، فإنّ الأدب والفن لو تجاوز دائرة اختصاصه كان أداة شرّ وفساد في أيدي محترفيه. ولقد بلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأخلاق غايتها ومنتهاها... يقول البوصيري في حق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرمفمبلغ العلم فيه أنّه بشر وأنه خيرخلق الله كلّهمأكرم بخلق نبيّ زانه خلق بالحسن مشتمل بالبشرمتسّم ولاشكّ بأن منهج القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته الطاهرين هو الطيب من القول، فالخبيث من القول الذي ينضوي تحت عنوانه قدح الأعراض والفحش والرذيلة وكل سيّئة، لا تنسجم مع روح التشريع مطلقاً. ويقول الباري جل وعلا: "ألم تركيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيّبة" نعم جعل الخالق الكريم طيّب القول المثل والنموذج الذي يقتدى به. ان الفن والأدب لدى النبي (صلى اله عليه وآله وسلم) هوأدب وفن موجّه مهذّب، فالأخلاق لديه صلى الله عليه وآله وسلم تمتزج بالتجربة الشعورية، فلا يمكن للأدب أن يأخذ بزمام الموضوع مجرّداً من المثل الأخلاقية. يتوفّر في الأدب الراقي البعد الفني والأخلاقي، فالرقي الذي يتّصف به الأدب والفن نابع من تكامل هذين البعدين، والنصوص النبوية تمثّل نموذجاً للأدب الراقي، وقد زودت الأدب العربي والآداب العالية بزخّات من نصوص الأدب الراقي، الأبعاد الفنية طبقاً لمعايير أهل الفن تعتبر متوفّرة في نصوص حديثه، وامّا الأبعاد الأخلاقية والمضامين التربوية لديه (صلى الله عليه وآله وسلم) فذلك من أفضل وأكمل ما نجده من مدارس التربية والأخلاق التي تنادي وتصبو لتهذيب الانسان وتكميله… والواقعية في الأدب لا تعني في النصوص النبوية أن ما جاء من أدب له (صلى الله عليه وآله وسلم) هو تمثيل لشيء موجود قبل أن تأخذ النصوص طابع التشكيل الفني، فتكون نصوصه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات طابع وصفي وليس معياراً، فالواقعية من هذا الفهم هو ترشيد الواقع وتغييره وبناءه لما يريد الله تعالى والإرادة الخيرة لمسيرة الأنبياء والمصلحين، ونحن نرى أن النفس الواقعي في نصوص النبي هو الواقع المتغيّر الذي ينبغي أن يكون الانسان في مداره. مستمعينا الأكارم، ومن النماذج الواضحة في بيان هذه الخصوصية في الكلام النبوي ما روي في أنه – صلى الله عليه وآله- كان يقول: "أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته" فهنا نلمح الواقعية في رصد النبي الكريم- صلى الله عليه وآله- لواقع وجود أشخاصٍ في المجتمع الاسلامي لا يستطيعون لسبب أو آخر إبلاغ حاجاتهم إليه- صلى الله عليه وآله- والى جانب ذلك نرى السمو و الجمال الأخلاقي في أمره – صلى الله عليه وآله- المسلمين بأبلاغ حاجات هؤلاء له لكي يقضيها لهم... رزقنا الله وأياكم اعزاءنا حسن التأسي والإقتداء بسيد الأنبياء والأولياء إمام الرحمة – صلى الله عليه وآله- إنه سميع مجيب وبهذا تنتهي حلقة أخرى من برنامج (تأملات في أدب المصطفى) قدمناها لكم من إذاعة طهران. دمتم في رعاية الله. شمولية البناء في البيان المحمدي - 10 2012-12-01 09:31:22 2012-12-01 09:31:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/9641 http://arabic.irib.ir/programs/item/9641 السلام عليكم أحبة المصطفى _صلى الله عليه وآله_ أهلاً بكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نتعرض فيها لمعرفة خصوصية أخرى من خصوصيات بيان سيد البلغاء والفصحاء وصاحب المحجة البيضاء والشريعة السمحاء _صلى الله عليه وآله_. إنها خصوصية ينبغي لكل مبلغٍ وداعية اسلامي أن يجعلها نصب عينه وهو يعرض الإسلام على الآخرين... ألا وهي خصوصية الشمولية والجامعية في بناء الشخصية الإسلامية لدى المخاطب وللتفصيل تابعونا مشكورين. النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستعين بالخطبة والمثل والوصيّة والحكمة والنثر المرسل في موجات من الكلام البديع رافقت عمليات التغيير والبناء التي كان يمارسها (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يبلّغ للبشرية خاتمة الرسالات الإلهية الكاملة والخالدة الى يوم القيامة. اتّخذت هذه الأساليب النبوية في التبليغ منهج البناء التدريجي للأطر الاجتماعية والسياسية والإقتصادية لمجتمع التوحيد، وكان الرسول يمارس عملية البناء هذه بأسلوب العمل والإسناد الإعلامي المتزامن مع هذا التغيير، فالنبي يسند هذا العمل والتغيير بالحكمة والمثل. لقد صار الأدب النبوي ينبوعاً ثرّاً للأفكار والمعاني والنظريات، فتحمل الأحاديث الشريفة لنا سيلاً من الأفكار و الرؤى، سواء كانت في عالم الإقتصاد أو لإدارة أوتنظيم الاسرة أو غيرها من شؤون المجتمع البشري التي لا يمكن حصرها وعدّها… ويظهر للمتأمل والدارس أن هذه النصوص قد استوعبت شؤون الإنسان كلّها. لاحظوا أعزاءنا مثلاً قوله _صلى الله عليه وآله_: "من اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذّر حرّمه الله". فهذا نصّ يوحي بمبدأ اقتصادي أصبح يدخل في برامج الدول والحكومات في البرمجة لاقتصادها ولتجنيبها أزمة اقتصادية كبيرة تعاني منها المجتمعات الاستهلاكية، فالمفردات الصغيرة واليومية للأسرة تنعكس على الاقتصاد الوطني والقومي، والاقتصاد القومي يعتمد على السيطرة على السلوك الاستهلاكي للفرد، فوضع دالّة اقتصادية إرشادية للمستهلك خير معين لاقتصاد الدولة، وهذا ما حملته نظائر النص النبوي المتقدم ذات المحتوى الاقتصادي. وهكذا الحال في الشؤون الحياتية الأخرى. مستمعينا الأفاضل، ونلتقي في رواية أخرى باسلوب من البيان النبوي، يشتمل على شمولية البناء للشخصية الإسلامية في شؤونها المعنوية والإجتماعية، فقد روي عن أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه قال:- ((دخلت المسجد الحرام والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس، فجلست اليه فقال: "إن للمسجد تحية وتحيته ركعتان، قم يا أباذر فاركعهما" فقمت فركعتهما وجلست إليه فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة، ما الصلاة؟ قال: "الصلاة خير موضوع استكثر أم استقلّ". قلت: فأي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت ". قلت: فأي الليل أفضل؟ قال: "جوف الليل الغابر". قلت: فأي المؤمنين أفضل ايماناً؟ قال: "أحسنهم خلقاً". قلت: فأي ألمسلمين أسلم؟ قال "من سلم الناس من يده ولسانه". قلت: فأي الهجرة أفضل ؟ قال: "من هجر السيّئات". قلت: فاي الجهاد أفضل: قال: "من عقر جواده وأهريق دمه". قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمناً وأنعمها عند أهلها". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقلّ الى فقير محتاج". قلت: فأيّ آية نزلت عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي". أيها الأخوة والأخوات، وفي ختام هذا اللقاء نلخّص النتيجة التي نستفيدها مما تقدم فيه وهي أن البيان المحمدي إمتاز بسعيه لبناء مقومات الشخصية الإسلامية بجميع أبعادها الذاتية والإجتماعية فلا يغفل جانباً منها لإهتمامه بجانبٍ آخر وهذه في الحقيقة هي الميزة المحورية للشريعة الخاتمة التي جاء بها سيد الرسل- صلى الله عليه وآله-، وبهذا ننهي اعزاءنا حلقة اليوم من برنامج (تأملات في أدب المصطفى) استمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبلوا منا خالص التحيات ودمتم بكل خير. صدق القلب واللسان في الكلام النبوي - 9 2012-11-17 09:26:32 2012-11-17 09:26:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/9640 http://arabic.irib.ir/programs/item/9640 بسم الله الرحمن الرحيم.. السلام عليكم أحباءنا ورحمة الله، أهلاً بكم في لقاءٍ جديد مع أدب سيد الفصحاء والبلغاء خاتم الأنبياء المصطفى- صلى الله عليه وآله- في هذا اللقاء نتناول إشارات محمّدية دقيقة في النقد الأدبي ومميّزات للأدب المؤثر تجلّت في كلامه الحكيم- صلى الله عليه وآله، تابعونا مشكورين… ان الحكم المتوفّرة في الشعر أخذت قوّتها ومازالت في موازين النقد الأدبي، وأوّل من أكّد وضع هذا المعيار هو نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: "إن من الشعر لحكمة ". ومع كل المسؤوليات والمتاعب التي واجهته (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقد كان له نظر نقدي أباح به، ومن هذه النظرات النقدية نظرية الجمال في الأدب، فجعل (صلى الله عليه وآله وسلم ) المعيار الجمالي للنشر والشعر واحداً في قوله "حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام ". ولم يهمل النبي الكريم الإشارة لجماليات الفن والأدب في موضع الإقتضاء والضرورة. ونجد في الحوارالذي جرى بين الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والعلاء بن الحضرمي الكشف والإنارة التي ننتظرها من الناقد. تقول الرواية: ان العلاء قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ لي أهل بيت أحسن اليهم فيسيئون وأصلهم فيقطعون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إدفع بالّتي هي أحسن فإذا الّذي بينك وبينه عداوةٌ كأنّه وليٌّ حميم " فقال العلاء: إنّي قلت شعراً هو أحسن من هذا؟ قال: وما قلت؟ فأنشده شعره، فقال النبي: "ان من الشعر لحكماً، وإن من البيان لسحراً، وإن شعرك لحسن، وإن كتاب الله أحسن". وفي رواية كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفرٍ فنادى أين حسّان بن ثابت؟ فقال حسّان: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: إحد فجعل حسّان ينشد ويصغي اليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستمع حتى فرغ من نشيده فقال النبي: "لهذا أشدّ عليهم من وقع النبل". مستمعينا الأفاضل، ونتلمس في كثير من كلمات الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله – مصاديق جليّة لنظرية الإلتزام الذاتي في الفن والأدب، فالمواهب الممنوحة للفنانين والأدباء خاضعة للقوانين الإسلامية العامة، فالمشاركة الوجدانية والعاطفية هي مبادئ اخلاقية وإنسانية، فأنين الفقراء والمظلومين ينبغي أن تكون من ابداعات الفنان وموضوع الأدب، ورضا الباري جل وعلا غاية الأدب والفنان، والصدق والأمانة هي المسؤولية الملقاة على عاتق الفنان والأديب. يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً"(سورة الأحزاب 70) ويقول عزمن قائل "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"(سورة الحج 30)... ان الصدق من أبرز معالم الدين الاسلامي الحنيف وأهمها، والصدق الذي ينبغي أن يتحلّى به الإنسان صدقان، صدق اللسان وصدق الضمير، فلا يكفي أن يكون الانسان صادقاً في لسانه وكاذباً في ضميره لاحظوا أعزاءنا الإشارة النبوية لذلك في الرواية التالية إذ يروى أنه دخل ابوسفيان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فقال: يا رسول الله أريد أن أسألك عن شيء، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني. قال: إفعل، قال: أردت أن تسأل عن مبلغ عمري"، فقال نعم يا رسول الله. فقال: "اني أعيش ثلاثاً وستين..." فقال، أشهد أنك صادق، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "شهدت بلسانك دون قلبك". وهذا هو المبدأ الديني الذي جاء به الاسلام وأرسى دعائمه الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو أن يكون الانسان صادقاً مع الله ومع نفسه ومع أمتّه، وهذا الصدق ينبغي أن يكون في اللسان والضمير معاً، والمبدأ المتقدم أيها الأخوة والأخوات، لاحظه في الكلام النبوي حتى الأعداء وشهدوا به لرسول الله _صلى الله عليه وآله_ أيها الكرام، ان النبي (صلى الله عليه وآله) لمّا أنزل عليه "حم تنزيل الكتاب" قام الى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي لاستماعه لقرائته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتّى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولامن كلام الجن وان له لحلاوة، وان عليه لطلاوة وان اعلاه لمثمر وان أسفله لمعذق، وانه ليعلو وما يعلى. ثم انصرف الى منزله فانطلق ابوجهل فقعد الى جنب الوليد حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً يا ابن أخي؟ قال هذه قريش يعيبونك على كبر سنّك ويزعمون انّك زيّنت كلام محمد، فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال: تزعمون أن محمداً مجنون؟ فهل رأيتموه يخنق قطاً ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر؟ فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قطّ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذّاب فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب ؟ قالوا: اللهم لا، وكان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه، قالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكّر في نفسه ثم نظر و عبس فقال: ما هو الاّ ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر. أيها الأخوة والأخوات، والنتيجة التي نخلص إليها هنا مستمعينا الأكارم هي أن المستفاد من أدب سيد الفصحاء الصادق الأمين- صلى الله عليه وآله – أن الكلام يكون مؤثراً إذا اقترن الصدق اللساني لقائله بالإعتقاد القلبي بصحة ما يقول وهذا من أهم ما ميّز الكلام النبوي. وبهذا ينتهي اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران لقاء اليوم من برنامجكم «تأملات في ادب المصطفى» (صلى الله عليه واله وسلم ) شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. حسن التمثيل في الكلام النبوي - 8 2012-11-10 08:48:57 2012-11-10 08:48:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/9639 http://arabic.irib.ir/programs/item/9639 بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم إخوة الإيمان، معكم أيّها الأحباء في لقاء جديد من هذا البرنامج، نستنير فيه بالكلام المحمّدي وهو يهدينا ليس إلى أدب الكلام وحسب بل وإلى أدب الحياة الطيبة الكريمة الحقّة أيضاً. في هذا اللقاء نتناول إشارات لخصوصية كلام سيد الفصحاء والبلغاء والأنبياء في مجال حسن وجمال التمثيل لدور الكون في إعانة الإنسان على سلوك صراط الحياة الكريمة.. كونوا معنا أعزائنا.. الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) والفن: إن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد العارفين كان يعلم علماً ربانيا طبيعة الفن والأدب في حياة الإنسان، وما هو الفن والأدب الذي ينبغي أن يكون، فالفن أحياناً يعين على فهم حقائق الأشياء واستكناهها، وهذا مانهجه القرآن الكريم في لغته الفنيّة، ولوحظ في كثير من نصوص الحديث الشريف. يقول الشاعر: وبيان أحمد قوةً وعذوبةً ونهىً ورأياً في الحياة جميلا وقال الآخر: صفحة الكون بدلت في ثوان بين مرآتها ضمير الدهور فإذاً أحمد العظيم نبي والمجيد القرآن حلم العصور ولقد صوّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل المثال مشاعر الأرض وإحساساتها تصويراً فنياً رائعاً يعكس تعاطفها مع العبد الصالح الطائع واشمئزازها من العبد الضالع في معصية ربّه مثيراً بذلك نوازع التقوى الفطرية فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر فيما قال: "يا أباذر، ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له بها يوم القيامة وما من منزل ينزله قوم إلا وأصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم. يا أباذر ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضا: يا جارة هل مر بك من ذكر الله تعالى أو عبد وضع جبهته عليك ساجداً لله ؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم، اهتزت وانشرحت وترى أن لها الفضل على جارتها". ومن جوامع كلم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر خطبة له: "طوبي لمن طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، وأنصف الناس من نفسه". وحينما سئل من أحب الناس إلى الله جمع (صلى الله عليه وآله وسلم) معنى الخير والصدقة والإحسان بقوله: "أنفع الناس للناس" إن العمل الفني لا يحاكي الصورة المثالية للشيء الثابت، لكنه يصنع أشياء بلغة الفن مصورة في خيال المبدع كتلك التي نراها في العالم، لكنه لا يخلق شيئا إلا وله جذر في الوجود، فالشجرة موجود ثابت لكنها في حديث سيد الأنبياء – صلى الله عليه وآله – تتحول في تمثيل دقيق إلى معين للإنسان على استشراف حقيقة الحياة الكريمة، لاحظوا أعزائنا قوله – صلى الله عليه وآله –: (قال حبيبي جبرئيل: "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الإيمان أصلها والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن المحارم ثمرها" فنرى الشجرة هنا ليست الشجرة المعهودة في الوجود، ولكن لغة الفن أعادت تشكيل عناصرها، ورتبتها ترتيبا جميلاً. وأخيراً نلخّص النتيجة المحورية المستفادة مما تقدم في هذا اللقاء بالقول: إن من أهم خصوصيات الكلام المؤثّر التي نستفيدها من كلام حبيبنا سيد الرسل – صلى الله عليه وآله – هي أن يكون وفي عرضه لأي حقيقة هادفا لتصوير حالها بما يعين مخاطبه على إستلهام قيم الحياة الكريمة منها. كونوا معنا أعزائنا في الحلقة المقبلة من برنامج «تأملات في أدب المصطفى» (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي تستمعون له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم بكل خير. الجمالية في أدب الكتابة والرسائل النبوية - 7 2012-11-04 08:18:00 2012-11-04 08:18:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/9638 http://arabic.irib.ir/programs/item/9638 بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم أحبتنا ورحمة الله، تحيّة طيبة مباركة نستهل بها حلقة أخرى من هذا البرنامج نخصصها للحديث عن بعض ما تميّز به أدب الكلام المحمّدي في كتابة الرسائل خاصة والجمالية التي اصطبغت بها سائر نصوص التراث النبوي المبارك... تابعونا مشكورين الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتاريخ الحضاري تتصل إرهاصات الكتابة الفنية وبداياتها عند العرب بالكتابة النبوية، فالكتب والرسائل التي أرسلها النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – ضمن حدود الجزيرة العربية أو خارجها قد أرست الأساس التاريخي وحفّزت لظهور الكتابة الفنية في الأدب العربي. ولا يمكن سلب الطابع الفني من كتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً، فلغة الفن متجلّية حتى في كتبه السياسية والعسكرية، وجمالها لم يكن على حساب مضامينها أو معانيها، ولمن تأمّل رسالته إلى النجاشي يجد أثر الفن الجميل ظاهراً بكل وضوح نظير قوله فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فكأنك من الرّقة علينا منّا، وكأنّا من الثقة بك منك، لأنا لا نرجوا شيئا منك إلا نلناه، ولا نخاف منك أمرا إلا أمنّاه، وبالله التوفيق". ومن الرسائل التي بعثها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي ما صورتها "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى النجاشي ملك الحبشة إني أحمد إليك الله الملك القدّوس السلام المهيمن. وأشهد أنّ عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة، فحملت بعيسى، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، فإن تبعتني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين والسلام على من اتبع الهدى". مستمعينا الأفاضل... بعد هذه الإشارة إلى جمالية أدب كتابة الرسائل في أدب النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – ننقلكم إلى إشارات عن تجلّيات هذه الجمالية في سائر النصوص النبوية فعامة نصوصه (صلى الله عليه وآله وسلم) مضيئة مشرقة رشيقة مألوفة الإستعمال فلا تجد لفظاً مظلماً منطفئاً أو مهجور الإستعمال، ومن ذلك المعيار "بشّر المشّائين إلى المساجد في الظلم بنور تام يوم القيامة"، ومن يتّبع الأسلوب الأدبي للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يجد برائة الأسلوب النبوي في اختيار الألفاظ وبراعة في تأليفها…. والأسلوب في النصوص النبوية يعمد إلى التعبير المنطقي والإقناع، ويتحرّى البساطة في التعبير والسهولة الخالية من الإسفاف. ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):"أطرفوا أهاليكم في كل جمعة بشيء من الفاكهة واللحم حتى يفرحوا بالجمعة". وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "راحة الثوب طيّه، وراحة البيت كنسه" وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" تمثيل لدور اللطف والرقّة في حياة الناس بأسلوب سهل. ومن الأسلوب النبوي المميّز ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: "ائتونا بحطب" فقالوا يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: "فليأت كل إنسان بما قدر عليه". فجاءوا به حتى رموه بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "هكذا تجتمع الذنوب" ثم قال: "إيّاكم والمحقّرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالباً، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين". وخلاصة الكلام في هذه الحلقة أن الجمالية المتجلّية في عموم النصوص النبوية تمتاز بقوة إثارتها لروح الإستجابة لمضمون النص لدى المخاطب وذلك بإشعاره بأن الإستجابة في صالحه. وبهذه الملاحظة نختم لقاء اليوم من برنامج «تأملات في أدب المصطفى» (صلى الله عليه وآله وسلم ) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. الحكمة في الكلام النبوي - 6 2012-10-27 08:01:30 2012-10-27 08:01:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/9637 http://arabic.irib.ir/programs/item/9637 السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله..تحية طيبة مباركة نستهل بها لقاءً آخر يسرنا أن نكون معكم فيه، حيث نتأمل في أدب المصطفى سيد الأنبياء والفصحاء- صلى الله عليه وآله- وموضوع هذا اللقاء هو أدب الحكمة في الكلام المحمدي، تابعونا مشكورين. أدب الحكمة هو نور من فيض الأنوار الجلالية يغمرقلب العبد فينفجر من لسانه سيل البيان بأروع العبارات، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أخلص عبد لله عزوجل أربعين صباحاً الاّ جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". وجاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "الكلمة الحكيمة ضالّة المؤمن"……إن الحكمة مقدمة ذهنية ونفسيّة تؤهل الإنسان لقبول القوانين الدينية، وهذا ما كان يسعى له أدب الحكمة في كلام سيدنا المصطفى – صلى الله عليه وآله-، ومن نماذجه ما روي أنه سئل. أي الأصحاب أفضل؟ فقال "إذا ذكرت أعانك، واذا نسيت ذكرك" ومن نماذجه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "سرعة المسي تذهب ببهاء المؤمن" كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "جبلت القلوب على حب من أحسن اليها وبغض من أساء اليها". وقال أيضاً: "الوحدة خير من قرين السوء، والحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره". فكل النصوص المتقدمة مستمعينا الأفاضل لا تدخل في عملية الإستنباط الفقهي وتبيين معاملات الناس وعباداتهم، ولا تدخل في مسودات حاكم الجزاء وقانون العقوبات الجنائي لا يعتمدها نصوصاً يضعها بين يدي القاضي. إن الوصايا والمواعظ والعهود والحكم المحمدية التي سجلت وحفظت لنا الوثائق كانت وما زالت مثار اهتمام أهل العلم والأدب وذوي البصيرة باعتبارها مخزن تجارب ومستودع معاناة ودراية بشرية، تستلهم منها الأجيال عبرالتاريخ ومنها تتشكل صفحات حكمة مفصّلة وخالدة لا يمكن نسيانها. ومن هذا الفهم والوعي اغتنم قيس بن عاصم المنقري، وهومن مشايخ العرب وأسيادهم وتنسب له الدراية والحكمة، إغتنم لقاءه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فطلب منه نثراً من درر حكمته صلى الله عليه وآله وسلم يتزيّن بها ننقل لكم رواية ذلك بعد قليل فتابعونا مشكورين. روى علقمة بن الحصين قال: سمعت قيس بن عاصم المنقري يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد من جماعة من بني تميم فقال لي: (اغتسل بماء وسدر) ففعلت ثم عدت إليه وقلت: يا رسول الله عظنا عظة ننتفع بها، فقال: "يا قيس إن مع العزّ ذلاً، وأن مع الحياة موتاً، وأنّ مع الدنيا آخرة، وأن لكل شيء حسيباً، وعلى كل شيء رقيباً، وأن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، وأن لكل أجل كتاباً.وأنه يا قيس لابدّ لك من قرين يدفن معك وهو حيّ، وتدفن معه وأنت ميّت، فان كان كريماً أكرمك وأن كان لئيماً أسلمك، لا يحشر الاّ معك ولا تحشر الاً معه ولا تسأل الاّ عنه، ولا تبعث الاّ معه، فلا تجعله الاّ صالحاً، فإن كان صالحاً لم تأنس الاّ به، وإن كان فاحشاً لا تستوحش الاّ منه، وهوعملك" فقال قيس: يا رسول الله لونظم هذا شعرا لافتخرت به على من يلينا من العرب، فقام رجل من أصحابه يقال له الصلصال: قد حضر فيه شيء وقال: يا رسول الله أفتأذن لي بإنشاده؟ فقال: نعم. فأنشأ يقول: تخيّرقريناً من فعالك إنّما قرين الفتى في القبرما كان يفعل فلا بدّ للإنسان من أن يعدّه ليوم ينادى المرء فيه فيقبل فإن كنت مشغولاً بشيء فلاتكن بغيرالذي يرضى به الله تشغل فما يصحب الإنسان من بعد موته ومن قبله الاّ الذي كان يعمل ألا إنّما الإنسان ضيف لأهله يقيم قليلاً عندهم ثم يرحل ومن نماذج أدب الحكمة في الكلام المحمدي قوله- صلى الله عليه وآله-:- "أيها الناس، لا يشغلنكم دنياكم عن آخرتكم، فلا تؤثروا هواكم على طاعة ربكم، ولا تجعلوا أيمانكم ذريعة الى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدّوا لها قبل أن تعذّبوا، وتزوّدوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنها موقف عدل واقتضاء حقّ، وسؤال عن واجب، وقد أبلغ في الإعذار من تقدّم بالإنذار". وقد سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه الجليل ليلة المعراج عن ميراث الصوم فقال الخالق العظيم: "الصوم يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، وميراث الحكمة يوجب السؤدد والشرف". والى هنا ننهي أيها الأعزاء حلقةً أخرى من برنامج تأملات في أدب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، استمعتم لها مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران تقبل الله أعمالكم ودمتم في رعاية الله. البيان المحمدي والشعر الهادف - 5 2012-10-20 09:17:51 2012-10-20 09:17:51 http://arabic.irib.ir/programs/item/9636 http://arabic.irib.ir/programs/item/9636 السلام عليكم أعزاءنا ورحمة الله. أهلاً بكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نتناول فيها- بعون الله جلت قدرته- دورالبيان المحمدي في توجيه الشعر العربي باتجاهٍ إلهي يجعله وسيلةً لنشر القيم الإلهية ودعوة الناس الى الحياة الكريمة الطيبة. وهذا أعزاءنا هو الإطار العام للحكمة التي نبه لها النبي الأكرم- صلى الله عليه وآله- ودعا الى أن يتضمنها الشعر لكي يقبله الله عزوجل فقال: "إن من الشعر لحكمة". مستمعينا الأفاضل ومقدمةً لموضوع هذا اللقاء نشير الى أنه ومع كل الموجات المظلمة التي غمرت الجزيرة العربية من شعراء الوثنية والفجور، فإن بصيصاً من نور التوحيد كان يتقّد في صدور بعضهم، ومنهم النابغة الجعدي الذي كان يتألّه، وأنكر الخمر والسكّر، وهجر الأوثان والأزلام، وقال في الجاهلية كلمته التي فيها: الحمد لله لا شريك له ومن لم يقلها فنفسه ظلما وكان الجعدي يذكر دين ابراهيم عليه السلام والحنيفية، ويصوم ويستغفر ويتوقّى أشياء للغو فيها، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أتيت رسول الله اذ جاء بالهدى ويتلوكتاباً كالمجرّة نشّرا ومن شعره: وعمّرت حتى جاء أحمد بالهدى وقوارع تتلى من القرآن وروي أنه كان يفتخر ويقول: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنشدته: بلغنا السماء عزّةً وتكرّما وانّا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: الى أين يا ابن أبي ليلى؟ قال: الى الجنة يا رسول الله. قال: "أحسنت، لا يفضض الله فاك". قال الراوي: فرأيته شيخاً، له مئة وثلاثون سنة، وأسنانه مثل ورق الأقحوان نقاءً وبياضاً، فشعر الجعدي لم يدخل نطاق ودائرة الشعر المكروه لدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل نلاحظ في الرواية المتقدمة أن المصطفى- صلى الله عليه وآله- يشجع الشعراء بصورة غير مباشرة الى إقتفاء أثر النابغة الجعدي فيما ينشؤونه من الشعر. وروي أن إعرابياً جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشكو الجدب والقحط بأشعار أنشدها منها: والقى بكفيّه الفتى استكانة عن الجوع ضعفاً ما يمرّ وما يحليولاشيء ممّا يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العالي والعلهز الغسلوليس لنا إلاّ اليك فرارنا وأين فرارالناس الاّ إلى الرسل فما كان من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين فرغ هذا الإعرابي من هذه الأبيات الا أن يجرّ برداءه حتى صعد المنبر، ثم رفع يديه الى السّماء فقال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً عاجلاً غير رائث نافعاً غيرضار، تملأ به الضّرع، تنبت به الزرع، وتحيي الأرض بعد موتها". فنزل من الماء مطراً غزيراً...وفي هذه الحادثة الكريمة قام رجل من كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممّن شكر سقينا بوجه النبيّ المطر دعى الله خالقه دعوة إليه وأشخص منه البصر ولم يك إلاّ كلّف الرداء وأسرع حتّى رأينا مطرالدرر وفاق العوالي وعمّ البقاع غاث به الله عليا مضر وكان كما قال عمّه أبوطالب أبيض ذا غرربه الله يستقيك صوب الغمام وهذا العيان لذاك الخبرفمن يشكرالله يلق المزيد ومن يكفرالله يلق الغير فقال رسول الهذ صلى الله عليه وآله وسلم: "إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت". وكما تلاحظون مستمعينا الأعزاء فإن حبيبنا المصطفى- صلى الله عليه وآله- يوجه بوضوح الشعر باتجاه جذب قلوب الناس الى التوحيد الخالص وما يشتمل عليه من قيم سامية، وهذا هو المحور الأساسي لتعامله- صلى الله عليه وآله- مع الشعر. وبهذه الملاحظة نختم لقاءً آخر من برنامج تأملات في أدب المصطفى صلى الله عليه واله وسلم قدمناه لكم أيها الأعزاء من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. مميزات الخطابة المحمدية - 4 2012-10-13 10:44:44 2012-10-13 10:44:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/9613 http://arabic.irib.ir/programs/item/9613 بسم الله وله الحمد والمجد خالق الإنسان ومعلمه البيان والصلاة والسلام على نبي الرحمة وآله معادن الحكمة. السلام عليكم مستمعينا الأفاضل، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نخصصها للحديث عن أدب الخطابة في كلام سيد الفصحاء – صلى الله عليه واله –، فما هي مميزات الخطابة المحمدية؟ للحصول علي الإجابة تابعوا هذه الحلقة من برنامج تأملات في أدب المصطفي _صلى الله عليه وآله_ الرسول والخطابة: لقد منح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده وصيه الإمام علي عليه السلام مفتاح الخطابة فسجلت نصوصهما في ميراث الأدب الإسلامي وحفظت في قلوب المسلمين كروائع عشقها المستمعون فاستنسختها أفئدتهم عبر الأزمنة لتصل إلينا في مدونات الأدب والتاريخ. ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أخطب الأولين والآخرين، وقد عرفت بعض خطبه القصيرة في مجتمع مكة قبل هجرته داعيا في هذه الخطب إلى التوحيد ونبذ الشرك، وقد تحولت خطبه بعد هجرته إلى المدينة إلى اللون السياسي والعبادي، فقد كان يخطب كل جمعة كفرض عبادي في مناسك الجمعة وكذلك في العيدين، ثم كثرت دواعي الخطبة هناك لكونها كانت تمثل الأعلام الناطق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم... مستمعينا الأفاضل، لا شك أن سيد المرسلين – صلى الله عليه وآله – قد ورث الخلق تراثا ضخما من االخطب احتفظت كتب الأدب والتاريخ بنماذج منه. وكانت بعض خطبه – صلى الله عليه وآله – قصيرة فيما كان يطيل خطبه أحيانا وفي بعض المناسبات.. يعظ الناس ويدعوهم إلى التفكر في الكون وخالقه ومدبره، ويعالج مشاكلهم الإجتماعية والمعنوية ويبين لهم إحتياجاتهم الفكرية والعقائدية المتنوعة. والقاسم المشترك الذي يميز هذه الخطب القصير منها والطويل هو قوة نفوذها في قلوب المستمعين. وعامة خطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيها جمال أخاذ مع عمق في المحتوى والمضمون الذي فيها، وقد تجنبت ألفاظه الغريب والمستكره من الألفاظ مراعاة لجمهور المخاطبين وتسنينا لأدب الخطبة. وقد امتزجت الخطبة السياسية بالخطبة الدينية لديه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يرى أن سياسة الإسلام سياسة عبادية لذلك لا تجد انفكاكا وانفصاما يمكن ملاحظته بين الخطبتين، بل وحتى خطب المحافل والمناسبات الإجتماعية التي كانت تحصل بالمدينة لم تتغير هوية الخطبة النبوية، فالخطبة لدى النبي واحدة ذات هدف إنساني إجتماعي توحيدي تعبدي، ولا تخلو خطبه من التوجيه الى الطاعة والخشوع وعدم إتباع الشهوات، فالملاحظ أن خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات موضوع واحد، وهو إثارة الشعور الديني، ومن هذا المنطلق تأتي مواضع السياسة والحياة، فالدين هو الباعث لعمارة الأرض، وهو المؤسس للنظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي وقوانين الحكومة الإسلامية الأولى ونظمها في المدينة كانت تنتقل عبر قنوات الدين فالوحي الأمين هو الذي يوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويأتيه ليعين للمسلمين آخر التشريعات الدينية وما استجد من أحكام، أملاها عليه الوحي الأمين من العرش السماوي، ولا يعني أن الرسول كان مهمل لجزئيات حياة المسلمين وهمومهم اليومية، فالخصومات والمستجدات الإجتماعية كانت تنال إهتمام نبي الرحمة، فكان يعطي المواقف والإجابات لحياة الناس اليومية، وحتى أنه كان يحضر دعوات الإطعام والأعراس ويخطب فيها، إلا أن موضوع الخطبة المنظم والمبرمج كان في صلاة الجمعة وخطبتها، وكانت إلى جانب ذلك الأحداث الخطيرة المهمة التي ترتبط بحياة المسلمين فتنتزع من وقته خطبا مطولة منظمة كخطبة يوم الغدير في حجة الوداع التي وضعت مسألة إمامة المسلمين بيد علي عليه السلام من بعده. وتعد هذه الخطبة من ذخائر تراث أهل البيت _عليهم السلام_ لأشتمالها على بيان جميع ماتحتاجه الأمة إلى يوم القيامة. إذن مستمعينا الأكارم، فأدب الخطابة في كلام سيدنا المصطفى _صلى الله عليه واله_ إيصال ما يحتاجه المخاطبون في سيرهم التكاملي وجميع ما ينفعهم لدينهم ودنياهم، يعرض عليهم بلغة تنفذ الى القلوب وتدفع للعمل وتتم الحجة على السامعين بما لا يبقي مجالا للشك والشبهات. وها نحن نصل أيها الأعزاء إلى ختام الحلقة الرابعة من برنامج (تأملات في أدب المصطفى) صلى الله عليه وآله وسلم خصصناه للحديث عن أدب الخطابة النبوية، من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران نتمنى لكم أطيب الأوقات ودمتم بكل خير. الأمثال النبوية - 3 2012-10-06 09:03:06 2012-10-06 09:03:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/9612 http://arabic.irib.ir/programs/item/9612 بسم الله وله الحمد خالق الإنسان ومعلمه البيان تبارك وتعالى رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد البيان والمرسل بالقرآن المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين، تحية طيبة نستهل بها لقاء اليوم من هذا البرنامج ولنا فيه وقفة عند أدب الأمثال في كلام حبيبنا الصادق الأمين وفيها نتعرف على ما ميز كلامه – صلى الله عليه وآله – في هذا النوع من البيان الفصيح تابعونا مشكورين. الأمثال النبوية: لقد تزينت كتب الأمثال والأدب بروائع الكلمات التي قالها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وجرت مجرى الأمثال ومن نماذجها قوله – صلى الله عليه وآله –: "رأس الحكمة مخافة الله"، "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، "صلة الرحم تزيد في العمر"، "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة"، "لكل شيء عماد وعماد الدين الفقه"، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه"، "رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم" والأمثال النبوية المذكورة هنا وهناك هي حكم وعظات أخلاقية وعقائدية وتربوية، وقد أطلقوا عليها مصطلح الأمثال، لتداولها في أحاديث الناس، فصارت شواهد كلامهم وعنوان أحاديثهم. وللأمثال المنتقاة تتصف بالإختصار نتيجة لحذف تاريخ نشأة المثل وقصته والظروف العامة لولادة النص المسمى مثلا. وقد لوحظ في أدب الأمثال النبوية ظاهرة إيجاد المثل الواقعي المباشر الذي استنبطه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المشاهد التي يعيشها الناس، والصحابة من ضمنهم، في حياتهم اليومية، كما يظهر من رواية الإمام الصادق عليه السلام أنه نزل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأرض قرعاء فقال لأصحابه: "إئتوا بحطب" فقالوا يارسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض، فقال رسول الله: "هكذا تجتمع الذنوب"، ثم قال: "إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لكل شيء طالبا، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين". مشيرا لقوله تعالي: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" (سورة يس 12) وقد انفرد صلى الهأ عليه وآله وسلم بهذا الأسلوب من الأمثال. وقصة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "صن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه" ومعناه تكبر وشمخ بملكه ولا بقاء لملكه أنه بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فلما وصل إليه حاطب أكرمه وأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكتب في جوابه: قد علمت أن نبيا قد بقي، وأكرمت رسولك. وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربع جوار ولم يسلم، فقبل رسول الله هديته وقال: "صن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه" وذهب ذلك مثلا. مستمعينا الأفاضل، أما النتيجة التي نستخلصها مما تقدم فيمكن أن نثبتها ضمن النقطتين التاليتين: الأولى: أن الكلام المحمدي جاء من القوة والبلاغة وشدة التأثير بحيث فرض نفسه على كلام الناس بشكل أمثال يستشهدون بها في محاوراتهم. فجرى بينهم مجرى الأمثال ومن أسمى أنماطها. الثانية: إن البيان المحمدي جاء بأنواع من الأمثال لم يعرفها تأريخ البيان والأدب الإنساني من قبل، وتمتاز هذه الأمثال بقوة رمزيتها في التعريف بالحقائق المعرفية التي تتضمنها. وبهذه النتيجة ننهي لقاء اليوم من برنامج ( تأملات في أدب المصطفي (صلى الله عليه واله وسلم) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعاية الله. المراحل الثلاث التي مرّ بها الخطاب المحمدي للناس - 2 2012-09-29 08:31:55 2012-09-29 08:31:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/9605 http://arabic.irib.ir/programs/item/9605 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله، أهلا بكم في الحلقة الثانية من هذا البرنامج نتناول فيها بعون الله عز وجل المراحل الثلاث التي مرّ بها الخطاب المحمدي للناس، فقد اتخذت النصوص الصادرة عنه –صلى الله عليه وآله- الأشكال التي تنسجم مع مرحلة تنامي الرسالة وامتدادها ووضعها في سياقات الزمن، فاصطبغ كلامه الشريف في المرحلة الأولى بطابع أدب التأسيس، أي أدب الوعظ ووضع اللبنات الأولى للمجتمع والإنسان المسلم ثم تدرج الى مرحلة وسيطة وهي مرحلة الأدب التحاوري، من خطب وإجابات لمسائل، ثم مرحلة الأدب التشريعي وهي مرحلة التقنين والخطب والوصايا والأحكام العامة التي وضعت الهيكل العام للدين الإسلامي الحنيف، وهذه المرحلة هي مرحلة التكامل الأدبي، وإطلاق هذا اللفظ، أيها الأخوة والأخوات، لغرض تصنيفي وإلّا كل أدب الرسول (ص) متكامل. ويمكن تسمية أدب التأسيس بأدب التوحيد، وهذا الأدب هو أدب مبسط في أفكاره يقوم على تأكيد أبجديات الإسلام الأولى، ويحرك الفطرة البشرية واستخدام التصوير والخيال في هذا الأدب يكاد يكون محدوداً. ومن نماذجه ما روي أنه – صلى الله عليه وآله- خطب في بداية الدعوة قائلاً: (أيها الناس، إن الرائد لا يكذب أهله، ولو كنت كاذباً لما كذبتكم، والله الذي لا إله إلًا هو إني رسول الله اليكم حقاً خاصة، والى الناس عامة، والله لتموتون كما تنامون، ولتبعثون كما تستيقظون ولتحاسبون كما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً وإنها الجنة أبداً والنار أبداً وإنكم أول من أنذرت. ومن ثم انتقل الأدب النبوي الى مرحلة أخرى حيث شهد هذا الأدب التعدد في موضوعاته التي يتناولها والتي غطت مسائل الحياة واستغرقتها، وإن كان الغالب على هذا الأدب المحاورة والمساءلة؛ فإطلاق أدب الحوار والإحتجاج على هذه المرحلة الوسيطة يبدو ممكناً وغير متكلف لدى الباحثين، وقد تداولت احاديث الرسول (ص) وخطبه في هذه المرحلة حتى تفصيلات حياة الإنسان ودقائقه الخاصة. من نماذجه ما روي عنه أنه مر على جماعة فقال؛ على ما اجتمعتم؟ فقالوا يا رسول الله، هذا مجنون يصرع فاجتمعنا عليه، فقال؛ ليس هذا بمجنون ولكنه المبتلى، ثم قال (ص): ألا أخبركم بالمجنون حق المجنون، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المتبختر في مشيه الناظر في عطفيه المحرك جنبه لمنكبيه يتمنى على الله جنته وهو يعصيه الذي لايؤمن من شره ولايرجى خيره فذلك المجنون وهذا المبتلى. أما المرحلة الثالثة وهي مرحلة أدب التشريع النبوي، فقد تمخضت عن اتجاهات الأدبين الأوليين أي أدب الوعظ وأدب الحوار مع تطور نوعي طبقاً لمعطيات الزمن، ومن فيض أدب التشريع النبوي استنار الفكر الإسلامي خاصة والفكر البشري عامة، ونصوصه تنطق بنوع من التقرير والتحقيق أكثر من التصوير، فالحقائق صارت واضحة وذهنية المسلمين تصاعدت مع التصاعد والإمتداد الزمني لعمره الشريف، ومن هذه النصوص قوله (ص): ألا أخبركم بأبعدكم مني شبهاً؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: الفاحش المتفحش البذيء البخيل المختال الحقود الحسود، القاسي القلب، البعيد من كل خير يرجى، غير المأمون من كل شرّ يتّقى. ونلخص، مستمعينا الأفاضل، إلى تثبيت النتيجة التالية من البحث المتقدم وهي أن الأدب النبوي بلا شك أدب عقل وتشريع وفكر وتربية ومصنع أخلاقي يمنع النفس البشرية من الإنزلاق والإنحراف، فهو يعتمد المنطق المنظم والفكر الإستقرائي السليم. ومع العمق والعقلانية في نصوص الرسول كأفكار ومبادئ بشّر بها، فلقد كان (صلى الله عليه وآله) موفور العاطفة، رقيق القلب، مرهف الحس، غزير الدمعة وتراه يتفجر حباً وطاعة لمولاه جل وعلا، وهذا السر الأول لشدة كلامه عموماً في القلوب. وبهذه الملاحظة ننهي أيها الأعزاء ثاني حلقات برنامجكم (تأملات في أدب المصطفى(ص)) استمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم عن طيب المتابعة ودمتم في رعاية الله. استشفاف أسرار خلود الكلام المحمدي وعظيم تأثيره في النفوس والقلوب - 1 2012-09-26 10:43:57 2012-09-26 10:43:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/9604 http://arabic.irib.ir/programs/item/9604 السلام عليكم أيها الأعزاء وأهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي يعنى باستشفاف أسرار خلود الكلام المحمدي وعظيم تأثيره في النفوس والقلوب. ومباركة للحديث، مستمعينا.. نجعل مطلع الحلقة قول الباري جل وعلا في وصفه حبيبه خاتم الأنبياء – صلى الله عليه وآله – بقوله: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً. فالمصطفى – صلى الله عليه وآله – هو سراج منير في سيرته وكلامه وفي أدبه وبلاغته، وهذا ما نتطرق له بعون الله في لقاء اليوم فتابعونا مشكورين. لاشك، أخي المستمع، أن محمداً (ص) هو السيد العربي المهيمن على الأدب والفصاحة والبلاغة، بالإضافة الى كونه نبياً ورسولاً، فقد عاش في معقل اللغة العربية (مكة المكرمة) قبل أن يبعث، حيث ولد في بيت له الشأن كله في سيادة العرب وزعامته، إضافة الى النسب الأصيل الناصع الرفيع الذي يربطه بأطهر وأعرق عائلة عربية سكنت الجزيرة. ولا شك أن رضاعه من البدوية الطاهرة حليمة السعدية، وترعرعه في أحضان قبيلتها الكريمة، أعطياه تلك النقاوة الصحراوية الشفافة بما تحمل في ثناياها من صفاء ورقة مشحونة بآلام الناس وصبرهم وحكمتهم. وبعدها... وفي عهد صباه، نما (ص) في أوساط سادات اللغة وأمرائها، حيث كان يستقي من لغة قريش، أبدع أساليب الكلام وأروع أنواع النثر والشعر. هذا عندما ننظر ألى محمد (ص) كإنسان مثل سائر البشر... وعندما ننظر الى ذاته المقدسة كعصارة نهائية لكل جهود السماء في صقل العقل البشري وكحصيلة لكل محاولات القديسين في بلورة الفكر الإنساني، نراه يبزغ نجمه اللامع في سماء الأدب كلمعانه في سماء الفكر والتربية والسلوك. ولاشك أيضاً أن الأدب هو وسيلة من وسائل نقل قضايا المعرفة الى قلوب المخاطبين بشكل أكثر دقة وأكثر شفافية وأكثر تأثيراً، هذه الوسيلة التي عندما تقع في أيدي المرتبطين في السماء، فإنهم سيصنعون منها سلّماً متيناً يرتقي بأفكارهم إلى أعلى درجات التألق من جانب، وإلى أرقى مراتب التأثير في الناس من جانب آخر. أيها الأكارم.. لا شك أن سيد الأنبياء وخاتمهم المصطفى (ص)، بصدقه وارتباطه بالحق أولاً، وباستثماره لأفضل أنواع الكلام ثانياً، استطاع التأثير الأكثر على البشرية وهو يخاطبهم مشافهة بل إلى عصرنا هذا وفي المستقبل أيضاً بعون الباري عزوجل، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الرسول (ص) قد برع في مجال الأدب وتفوق على جميع الأدباء في عصره وفي العصور اللاحقة، حيث استطاع أن يخلّد بكلماته وخطبه كما خلّد بفكره ومدرسته. والملفت في هذا الأمر – أيها الأخوة والأخوات- أن تأثير الرسول (ص) كمهيمن على الأدب، لم يكن على شريعة معينة من شرائح المجتمع، مثل سائر الأدباء والشعراء، عندما يؤثرون بأدبهم على أوساط النخبة من أمثالهم أو على أوساط التذوق البلاغي، بل كان تأثيره على سائر شرائح المجتمع من عالمه الى جاهله ومن مثقفه الى عاميه ومن رئيسه الى مرئوسه ومن حضريه الى بدويه ومن رجله الى امرأته وحتى من عربه الى عجمه. أجل... إن الرسول بهيمنته على الأدب وبنجاحه في التأثير بواسطة كلماته على الناس، أصبح القمة في سماء الأدب بكل أقسامه وحقوله، وخلّد كلامه لا كرسول فحسب بل كسيّد للكلام.. ولابد لهذا النجاح وهذا التألق من سبب، فلا يمكن تصور نجاح وتألق من دون علّة.. نعم، عندما يتألق شخص ويتربع على قمة مدارج الأدب، لا يمكن أن يكون سببه إلا امتلاكه لنظرية حاذقة وصائبة في الأدب، يستطيع من خلالها الوصول الى درجات الكمال والرقي ومن ثم التأثير بواسطتها على مختلف شرائح المجتمع. من هنا نخلص الى نتيجة محورية، هي أن سيد الأنبياء –صلى الله عليه وآله- هو سيد البلغاء أيضاً، لأنه صاحب أكمل الشرائع والرسالات الإلهية ولأنه أديب الله عزوجل. والى هنا تنتهي، أيها الأعزاء، الحلقة الأولى من برنامج (تأملات في أدب المصطفى _صلى الله عليه وآله_)، قدمناها لكم من إذاعة طهران، تابعوا البرنامج في حلقته التالية والتي سيكون موضوعها تجلي فنون البلاغة في الكلام المحمدي. نشكر لكم طيب المتابعة والسلام عليكم.