الثورة الدستورية

للثورة الدستورية في ايران وكما هو الحال في حركة التنباك الأثر الفاعل والمهم في التاريخ الإيراني المعاصر وبشكل عام يمكن ان نتحرى جذور الثورة الدستورية في اربعة ابعاد فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية.
ولنأتي في البداية على البعد الفكري والثقافي


الف-البعد الفكري والثقافي
كان الوعي السياسي في ايران في ذلك الوقت قد بلغ مرحلة كبيرة من النمو، وذلك بسبب مساعي علماء الدين والمثقفين وزيادة وسائل الارتباط الثقافي مع دول العالم وصدور الصحف التي كان عددها يزداد من يوم لآخر وكذلك الأنتشار غير الرسمي ولكن الواسع للدراسات السياسية والإقتصادية.
وبفضل مساعي فكرية لبعض المثقفين الإيرانيين من امثال ملكم خان، طاليوف، مستشار الدولة وزين العابدين مراغه اي، دخلت عرصة الثقافة السياسية في ايران مفاهيم جديدة مثل البرلمان والدستور والحرية فمثل هذه المفاهيم زادت من الوعي السياسي لدى الناس ومن جانب آخر وجدت حركة معارضة للتدخل الأجنبي وظلم واستبداد النظام القاجاري، هذه الحركة قامت على اساس ديني وبمقومات مأخوذة من الشرع المقدس، وقد قادها علماء دين واعون مثل السيد جمال الدين الأسد آبادي والشيخ فضل الله النوري، والسيد عبدالله البهبهاني والسيد محمد الطباطبائي والسيد جمال الدين الواعظ ومراجع الشيعة في النجف الأشرف مثل الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (رضوان الله عليهم).
ولكن لا ينبغي ان ننسى هنا دور المهاجرين الإيرانيين الذين كانوا يتوجهون الى دول الجوار بغية الحصول على فرص عمل، حيث ساهم مثل هؤلاء في تدعيم الوعي السياسي للناس واطلاعهم على مجريات الأحداث في العالم.


ب- الأجواء والدوافع السياسية
في السنوات التي سبقت الثورة الدستورية في ايران، بلغ استياء الشعب الأيراني من الحكم القاجاري اوجه. ويمكن القول ان عقد الإتفاقيات المهينة مثل اتفاقية گلستان وتركمانچاي، ومنح الأمتيازات الإقتصادية الجائرة واعطاء الحصانة القضائية للأجانب في ايران، كل ذلك نمى بذور الإستياد من الظلم والإجحاف لدى الأيرانيين الواعين. على ان ظلم النظام القاجاري قد بلغ مديات واسعة جعلت الناس تجاهه على حافة الأنفجار. كان الحكام يشترون المناصب ويبيعونها ويدخلون في مثل هذه المعاملات الجائزة باموال الناس، وكانوا يثقلون كاهل الشعب بالضرائب وكان الناس يضطرون في بعض الأحيان الى اخلاء منازلهم هرباً من جباة الضرائب الظالمين. لم يكن مثل هذا الأمر غريباً على الأيرانيين بيد انه ازداد تفاقم في اواخر القرن التاسع عشر الميلادي مما هيأ الأجواء مع وجود الوعي السياسي للمعارضة الشعبية.


ج- الأجواء والعوامل الأقتصاديه
ان الأزمة الأقتصادية التي كانت قد ألمت بإيران في ذلك الوقت، قد افقدت الدولة القاجارية القدرة على ادارة الأمور، ولعل من الضروري الإشارة هنا الى ان الأزمة الأقتصادية هذه قد بدأت مع هزيمة ايران في حروبها مع روسيا القيصرية، وكانت الأزمة هذه تتفاقم من يوم لآخر، وبالإضافة الى فقدان الدولة الأراضي الصالحة للزراعة، راحت الإمتيازات التجارية وكما ذكرنا من قبل تنساب الى جيوب الأجانب الأمر الذي قاد في نهاية المطاف الى انحطاط اقتصادي سريع.
الدولة القاجارية بدت عاجزة عن حماية ودعم الصناعات الداخلية، والروس والإنجليز من يوم لأخر كان يزداد نفوذهم في السوق الإيرانية. كل هذه الأمور ولدت ردود فعل سلبية، جعلت التجار واصحاب الصناعات يبدون امتعاضاً من الحكم القاجاري. على ان الكثير من الصناعيين المفلسين قد اضطرهم الأمر الى الهجرة الى البلدان المجاورة.
الوضع الزراعي في ايران لم يكن هو الآخر في حال يحمد عليها، على ان فقدان الطرق السالكة وصعوبة التبادل الأقتصادي، وانخفاض اسعار المحاصيل الزراعية قد جعل النمو الزراعي محدوداً، ان الضغوط التي كان يمارسها الحكام والأقطاعيون على المزارعين جعلهم يعيشون في بؤس وشقاء لا يتمكنون معهما من توفير لقمة العيش اليومي لهم ولأسرهم. ومما اثر في تفاقم الوضع الأقتصادي كذلك هيمنة الأجانب على ايران في ذلك الحين.
ومن المشاكل الأخرى التي ألمت بالإقتصاد الزراعي في ايران انذاك مشكلة الجفاف ومشكلة المجاعة التي كانت تحدث من حين لآخر. هذا وان اشد المجاعات التي عانتها ايران في القرن التاسع عشر للميلاد هي تلك التي وقعت في عام 1871 ميلادي وادت الى هلاك مئات الآلاف من الجياع.
وفي اواخر حكم ناصر الدين شاه وبدايات حكم ولده مظفر الدين شاه برزت في اكثر المدن الأيرانية ازمة توفير القوت الأساسي للناس اي الخبز.
والى جانب كل ما ذكرنا من مشاكل اقتصادية، عانت ايران كذلك مشكلة تدني قيمة عملتها، وقد تداخلت في هذا الإنخفاض عدة اسباب منها ضعف الجهاز الحاكم، وانخفاض قيمة الفضة دولياً بالإضافة الى انخفاض قيم المواد الخام التي كانت تصدرها ايران ولكي تواجه الحكومة القاجارية المشاكل الإقتصادية المتعددة لجأت الى زيادة الضرائب المفروضة وعملت كذلك على ادخال المناصب الحكومية في المزايدات، وليت الأمر اقتصر على هذا بل راح القاجاريون يبيعون مقدرات البلاد بشكل امتيازات يحطونها لهذا ولذاك وقاموا كذلك بالإستلاف من المصارف الأجنبية التي تعطي قروضاً بالفائدة الربوية. ولا ريب ولاشك ان كل هذه القضايا من شأنها ان توجد حالة من الأستياء وعدم الرضى. ومما زاد في غضب الناس اكثر فأكثر المبالغ الباهضة التي كان ينفقها البلاط الملكي، والرحلات المليئة بالإسراف التي كان الشاه القاجاري يقوم بها الى دول اوروبا والغرب.


د- وتيرة الأحداث
خلال الأعوام الأخيرة من حكم ناصر الدين شاه، ساءت الأوضاع في ايران اكثر فأكثر، ومن بعد مقتل ناصر الدين شاه على يد الميرزا رضا الكرماني سار الوضع من سيء الى اسوا.
مظفر الدين شاه خامس ملوك الدولة القاجارية جلس على عرش ايران بعد قتل ابيه. كان هذا الملك مريضاً وكان لين التعامل، الأمر الذي جعله ولمدة مستعداً لقبول الأفكار الأصلاحية. لقد قام مظفر الدين شاه بعزل الصدر الأعظم /امين السلطان/ الذي كان الناس منه مستاءين وعين بدلاً عنه امين الدولة.
كان على مظفر الدين شاه ان يدفع رواتب دار الحريم الخاصة بابيه وان يلبي الطلبات المالية المتكررة رجال البلاط الذين كانوا ينتظرون سنوح مثل هذه الفرصة الذهبية، والى جانب هذا كان عليه ان يعد نفقات سفر العلاج الى اوروبا للأستشفاء من عيون الماء العدني فيها. في المقابل اخفق امين الدولة الصدر الأعظم الجديد في الحصول على قرض من بريطانيا لتغطية كل هذه النفقات.
وكانت النتيجة ان قام مظفر الدين شاه بعزل امين الدولة واعاد امين السلطان الى منصبه. وتمكن امين السلطان من تلبية رغبة الشاه المالية حينما حصل له على قرضين من روسيا القيصرية.
وفي اطار معاملة القرض الأول تعهدت ايران بتسوية ديونها مع بريطانيا، وعدم الأقتراض من اية دولة قبل الحصول على موافقة روسيا. وفي مقابل القرض الروسي الثاني سخت يد امين السلطان على روسيا بامتيازات جمة. وعلاوة على هذه الأمكانيات اخذ الروس يصرون على توقيع اتفاقية جمركية مع ايران واستناداً الى هذه الأتفاقية التي ابرمت في عام 1902 للميلاد لم يكن في مستطاع ايران إلا فرض رسوم جمركية اقل من 5% على السلع والبضائع المستوردة من روسيا.
ومن اجل ضمان تسديد القرضين، فرض الروس رئيساً لإدارة الجمارك الإيرانية هو البلجيكي / مسيو نوز/ الذي كان صديقاً للروس. وبعد ان سيطر البلجيكيون على الجمارك الإيرانية راحوا يتبعون سياسة التمييز بين التجار الإيرانيين وغيرهم. هذا الأمر جعل الإيرانيين يقدمون الشكاوى والإعتراضات جراء هذه المعاملة غير المنصفة.
ثم ان القرضين اللذين حصل عليهما امين السطان من روسيا، وعائدات الجمارك الأيرانية قد انفقت اكثرها على ثلاث رحلات قام بها الشاه القاجاري مظفر الدين الى اوروبا في الفترة ما بين عامي 1900 و1907 ميلادي. مما جعل الأوضاع الإقتصادية في ايران تزداد اضطراباً وتراجعاً.
في ذلك الوقت، تفاقمت على الحكومة القاجارية العديد من المشاكل، مثل الإستياء من تسلط الأجانب على الجمارك الأيرانية، وازدياد النفوذ الروسي في ايران. وانعدام العدل ووجود الفقر والأضطراب الأمني، ومشكلة الخبز، وبدت الدولة القاجارية وهي تواجه الضغوط المتنوعة وبدأت المرحلة الأولى من الإعتراضات بذريعة وجود مشكلة / القوت الحياتي/ الخبز.
وكانت الأعتراضات في كل مدينة من المدن الأيرانية بزعامة رجل دين قوي ومتنفذ وحظيت هذه الحركة الأعتراضيه بدعم كبار رجال الدين في ايران، ومن بعد ذلك بدعم مراجع الدين في النجف الأشرف. وشيئاً فشيناً زادت الأعتراضات التي ادت في غاية الأمر وفي عام 1903 ميلادي باستقالة امين السلطان الذي كان قد حصل انذك على اعلى لقب وهو اتابك.
وعين مظفر الدين شاه (عين الدولة) صدراً اعظماً جديداً الا ان هذا الإجراء لم يخفف من وطأة الأعتراض ولم ينهيه.
وفي تلك الفترة بدأت ما يمكن ان تسمى الحرب الإعلامية ضد النظام القاجاري، اذ تشكلت الجمعيات السرية المعارضة التي راحت توزع المناشير الليلية المناهضة وكراريس التوعية، بالإضافة الى مكتوبات نقدية باللغة الفارسية حول ايران كانت تطبع خارج البلاد.
في ذلك الوقت، كانت روسيا قد منيت بهزيمة في حربها مع اليابان. على ان بعض التحولات الثورية في روسيا انذاك قد بعثت في الإيرانيين روح الثورة وزادتهم اقداماً وتصميماً.
وفي خضم تلك الأحداث، اشعلت حادثتان نار الغضب الجماهيري وزادته لهيباً، الحدث الأول قيام فوز رئيس الجمارك البلجيكي بادتداء زي رجل دين مسلم على اثر ذلك اغلق البازار {السوق المركزي في طهران/ ابوابه وتجمع المعترضين من الناس هناك مع رجال الدين اما الحدث الثاني فكان ايقاع العقاب البدين والضرب بالخشب تاجرين ايرانيين بتهمة بيع السكر باسعار غالية.
وفي المقابل وازاء هذين الحدثين بدأت اعتراضات الناس لكن عناد عين الدولة /الصدر الأعظم الجديد/ حيال تلك الأعتراضات دفع علماء الدين المعترضين الى التوجه الى مرقد السيد عبد العظيم الحسني في مدينة الري جنوب العاصمة طهران. وهناك وجهت الإنتقادات العلنية لأول مرة للحكومة، واخذ الخطباء يتحدثون عن ظلم عمال الحكومة للناس والأوضاع المزرية التي يعيشها ابناء الشعب جراء ذلك ووجه الناس الضغط على الحكومة لإعادة المعتصمين من العلماء في مدينة الري. واشترط العلماء المتحصنون شرطين للعودة الأول عزل البلجيكي نوز من رئاسة الجمارك الإيرانية والثاني عزل الصدر الأعظم عين الدولة. وتحت الضغط الشعبي اضطرت الحكومة للقبول بهذا الطلب. لكن اعتراضات الشعب ورجال الدين تزايدت من بعد ذلك بسبب تعسف موظفي الحكومة التي لم تف هي الأخرى بتعهداتها حيال الناس.
وكان ان اقيم في المسجد الجامع في طهران تجمع اعتراضي، قام جنود السلطة بتفريقه بقوة الحديد والنار، وكرد فعل على هذا الحدث هاجر العلماء المعترضون الى مدينة قم المقدسة. كما ان عدداً من الناس الذين كانوا يخشون بطش الحكومة على انفسهم لجأوا الى السفارة البريطانية في طهران.
لقد طالب الشعب الأيراني بالإضافة الى عزل الصدر الأعظم / عين الدولة/ بتشكيل مجلس نيابي بأسم/ مجلس الشورى الوطني/ ووافق الشاه القاجاري مظفر الدين على هذين الطلبين.
وتم الإعداد لتشكيل البرلمان بتدوين النظام الداخلي الخاص بالإنتخابات، ووقع الشاه القاجاري على هذا النظام الداخلي، وفي منتصف عام 1285 هجري شمسي المصادف لعام 1907 للميلاد اي قبل 72 عاماً من انتصار الثورة الإسلامية، اجريت اول انتخابات نيابية في ايران. وبعد فترة وجيزة من اجراء الإنتخابات وفي اول خريف ذلك العام افتتح المجلس الدستوري في ايران. وكان ان قام هذا المجلس بتشكيل لجنة فرعية، تأخذ على عاتقها اعداد مسودة دستور البلاد.
وبالإستفادة من مواد ومحتويات الدستورين البلجيكي والفرنسي، قامت اللجنة الفرعية المكلفة باعداد مسودة الدستور الإيراني، ومن بعد ذلك رفعته الى الشاه مظفرالدين الذي وافق عليه وامضاه.
ومن بعد مدة وجيزة على تأييد الدستور من قبل الشاه توفي الملك القاجاري مظفر الدين الذي كان يعاني من المرض فخلفه على عرش ايران ولده محمد علي شاه، ليكون سادس ملوك الدولة القاجارية في هذا البلد.
وفي عهد محمد علي شاه تم كتابة ملحق الدستور وهذا ايضاً ايده الشاه القاجاري الجديد محمد علي، واستناداً الى ملحق الدستور اصبح لخمسة من المجتهدين العلماء الإشراف على صياغة القوانين والمصادقة عليها في المجلس النيابي وهذا الإقتراح الذي دخل حيز التنفيذ بعد ان تأطر بأطار دستوري كان قد تقدم به العالم الشيخ فضل الله النوري.
لكن الحركة الدستورية هذه ما كانت لتروق لمزاج الملك القاجاري محمد علي شاه الذي كان يبحث عن الذرائع لمحاربتها، وقد حظي في حينه بدعم من الحكومة القيصرية في روسيا.
وحدث في ذلك الوقت حدث، حيث تعرضت العربة الملكية للشاه الى هجوم من قبل بعض الأشخاص. بعض من المؤرخين يرون ان ذلك الهجوم لم يكن له دوافع حقيقية وانه لا يعدو ان يكون خطة من تدبير البلاط القاجاري وذريعة لضرب الحركة الدستورية وتفتيتها.
وفي صيف عام 1287 هجري شمسي المصادف لعام 1909 للميلاد، وباقتراح من /لياخوف/ القائد الروسي لقوات /القازاق/ الإيرانية، اصدر الشاه محمد علي القاجاري امره بضرب مبنى مجلس الشورى الوطني.
من بعد هذا العمل اي قصف البرلمان بالمدفعية كان الأمر في الظاهر يبدو وقد انتهى لصالح محمد علي شاه. غير ان الحقيقة كانت غير ذلك، حيث اصدر علماء النجف فتاوى منددة بهذا الأعتداء منتقده للشاه ومدافعة عن الحركة الدستورية. ومرت الأحداث تسير في عمق الزمن لتتراءى من بعد ذلك على شاشة التاريخ، وبمساعي اثنين من كبار الزعماء الوطينين الأيرانيين انذاك وهما /ستارخان/ و/ باقرخان/ تم فتح العاصمة طهران وتم خلع الملك القاجاري/ محمد علي شاه/ عن العرش، ونودي بولده احمد وكان في الثانية عشرة من العمر ملكاً على ايران. وقدر لأحمد شاه ان يكون آخر ملوك الدولة القاجارية التي آل امرها الى الإنحطاط والتدهور اكثر من ذي قبل حتى تهاوت بالكامل على رأس الربع الأول من القرن العشرين وسيأتي منا حديث حول هذا الموضوع لاحقاً.
وعلى اي حال من بعد ذلك بدأ نجم الحركة الدستورية في ايران بالأفول. وساهمت العديد من العوامل في تهيئة الأجواء لعودة الإستبداد مرة اخرى الى البلاد، ويمكن الإشارة الى تلك العوامل في النقاط التالية:-

1- تواجد الروس في شمال ايران والبريطانيين في جنوبها.
2- التدخل المباشر والمتزايد لهؤلاء الأجانب في شؤون البلاد.
3- ضعف الحكومة المركزية في طهران.
4- اعطاء الثقة لأناس معادين للحركة الدستورية مثل عين الدولة.
5- انتعاش قوة الإنتهازيين والخانات وزعماء القبائل.
6- بدء الحرب العالمية الأولى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.
7- تعدد المجاعات والمشاكل الإقتصادية
8- اخفاق الحكومة القاجارية في توفير الأمن ومستلزمات المعيشة للناس.
9- الغضب الجماهيري في ايران ضد الحكومة القاجارية.

هـ- اسباب فشل الحركة الدستورية في ايران
اذا كانت العوامل التي اشرنا اليها آنفاً، قد هيأت الأجواء لعودة الأستبداد الى ايران كما ذكرنا، فإن هناك من الأسباب ما كمن وراء فشل الحركة الدستورية في هذا البلد.
وفي الإمكان تقسيم هذه الأسباب الى مجموعتين الأولى خارجية والثانية داخلية.
1-ولنأتي اولاً الى الأسباب الخارجية
فعندما اتقدت نيران الحرب العالمية الأولى وقفت المانيا الى جانب الدولة العثمانية، وكان في المقابل ان تحالفت روسيا مع بريطانيا في الحرب ضد المانيا. وكانت معاهدة عام 1907 ميلادي قد افضت بتقسيم ايران. التي احتلت اراضيها في الحرب الكونية الأولى من قبل الدول الداخلة في اتون الحرب. كل هذه العوامل والأسباب تظافرت لتسهم في تفتيت البناء الدستوري في ايران.
لقد توافدت القوى المتحاربة على ايران وحولتها بسرعة الى احدى حلبات الصراع الدولي. وجرّت الحرب العالمية الأولى على ايران الويلات تلو الويلات. اذ اجتاحتها موجات المجاعة كما اجتاحتها موجات العسكر. وانتشرت فيها الأمراض والأوبئة التي كانت تحصد في غياب الرعاية الصحية الكثير من النفوس. واخذ الفقر المدقع يضع انيابه ومخالبه في فئات عديدة من المجتمع.
ومن بعد دخول القوات الروسية الأراضي الإيرانية من الشمال وغزو القوات البريطانية الأراضي الأيرانية من الجنوب. لم يبق من الدستورية في ايران سوى الأسم. وقلما كان يفكر احد انذاك بالحياة الدستورية، لا بل ان الكثير من الناس- وربما عن سوء فهم – كان يتصور ان الدستورية هي التي جاءت بكل هذه البلايا والمصائب.
2-العوامل والأسباب الداخلية
من بين العوامل الداخلية التي ادت الى تداعي الحركة الدستورية في ايران، انماط التفكير المختلفة لدى دعاة هذه الحركة. حتى انه في الإمكان القول ان التفاوت في التفكير عند الدستوريين كان كبيراً في بعض الأحيان.
ولم تكن الحركة الدستورية او لنقل الثورة الدستورية في ايران ثورة قائمة على فكر واحد او فئه اجتماعية واحدة. حيث ساهمت في بلورة الحركة الدستورية هذه العديد من الإتجاهات والقوى. ثم انه كان الغموض يكتنف الفكر الدستوري المطروح، وكان كل واحد يفسره حسب رأيه وتوجهاته. والمطالب الدستورية هي الأخرى لم تكن واضحة المعالم. وتكون النتيجة والحال هذه تعدد الآراء بعد تحقيق الهدف. وكانت النتيجة بعد هذا الأختلاف الصراع، فكل واحد كان يريد فرض رأيه وابطال آراء الآخرين. على ان هذا الأختلاف الواسع في الآراء جعل البناء الدستوري بناءاً هشاً، الأمر الذي قاد الى تصدعه وبالتالي انهيارة.
وخلال السنوات الملئى بالإضطراب منذ عهد الحركة الدستورية، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى كانت المشاكل الإقتصادية والإجتماعية تعصف بالناس حيث مات الكثير من الناس اثر المجاعات والأمراض والحرب ووصلت الأوضاع المزرية حداً كان الناس معه يتمنون عودة زمن ما قبل الحركة الدستورية.
وفي مثل هذا الإنفلات الأمني كان الناس يقبلون بسهولة بقيام حكومة مستبدة، لا بل ان الكثير من مؤسسي الحركة المناوئة للإستبداد او الحركة الدستورية قد وصلوا الى هذه النتجة وهي ان حاكماً دكتاتوراً هو الذي يتمكن من اعادة الهدوء الى البلاد.
ز- نتائج الحركة الدستورية
ان الثورة الدستورية بكل ما اكتنفها من مشاكل واخفاقات ، قد تركت من ورائها آثار ونتائج ايجابية يمكن الأشارة اليها هنا كالأتي.
اولاً: لقد جاءت هذه الثورة بمفاهيم جديدة مثل الدستور والبرلمان والحرية والإنتخابات، وبطبيعة الحال فأن هذه الثورة هي التي اضفت الصفة الرسمية على مثل هذه المفاهيم.
لقد تشكل في ايران في ذلك الوقت مجلس نيابي وكان يمارس سلطاته التشريعية وان تعرض الى بعض المشاكل والمضايقات: على ان الدستور والمجلس النيابي بقيا قائمين حتى في اعصب الظروف لا بل ان عدداً من النواب المعارضين للحكومة قد شقوا طريقهم الى البرلمان الأمر الذي افرز نتائج سياسية مهمة لا يمكن التغاضي عنها في التاريخ المعاصر لإيران.
ثانياً: لقد اخذت الثورة الإسلامية في ايران بعين الإعتبار تجارب الثورة الدستورية، حيث قامت الثورة الإسلامية بالقضاء على النظام الملكي المستبد في ايران، وقطع ايادي التسلط الأجنبي على هذا البلد، والأخذ بعين الإعتبار الثقافة والقيم الذاتية.
واستفادت الثورة الإسلامية من دروس الثورة الدستورية، فنفوذ العناصر الإنتهازية في الثورة الدستورية كان لدى القائمين على الثورة الإسلامية محفزاً للحؤول دون تغلغل مثل هذه العناصر في جسم الثورة الشفاف وبالتالي منع تكرار التجربة المرة التي مرّت بها الثورة الدستورية عندما تسرب اليها الأجانب والنفعيون.
وقبل ان نبدأ الحديث عن الحركة الثورية الثالثة في التاريخ الإيراني المعاصر وهي حركة تأميم النفط والصناعات النفطية. نرى من الضروري ان تحولات مهمة شهدتها ايران ما بين الحركة الدستورية اوائل القرن العشرين وحركة تأميم البترول منتصفه، حيث لا ريب ان هذه التحولات كان لها آثار ونتائج عديدة وكانت من المحفزات على قيام الثورة الإسلامية في ايران، في عام 1979 للميلاد.