حركة التنباك
خلال القرن التاسع عشر الميلادي، كانت بريطانيا وروسيا القيصرية تستخدمان اساليب مختلفة من اجل التغلغل في ايران وزيادة نفوذها في هذا البلد ومن هذه الأساليب، السيطرة على الشاه القاجاري ورؤساء وزرائه {كان يصطلح على رئيس الوزراء انذاك الصدر الأعظم وهو اللقب التي كانت تستخدمه الدولة العثمانية لصاحب هذا المنصب كذلك} ، والحصول على الإمتيازات الأقتصادية والتجارية ومنع القروض المالية.
وفي عهد ناصر الدين شاه كان اسلوب منع الإمتيازات من قبل ايران والحصول عليها من قبل الأجانب امراً رائجاً وكان الأجانب والدول الأجنبية تحصل على هذه الإمتيازات الأقتصادية بثمن بخس بعد ان كانت تدفع الرشاوي، ومثل هذا الأمر كان يؤدي الى ان تصبح مصادر غنيه في الأقتصاد الإيراني ولسنين عدة تحت تصرف الأجانب.
وفي عهد ناصر الدين شاه استحوذ شخص بأسم رويتر على اغلب مصادر الثروة في ايران، وكانت الحكومة القاجارية قد ابرمت مع هذا الشخص الأنجليزي اتفاقية اقتصادية واجهت في حينها كثيراً من الإعتراضات من قبل رجال الدين الإيرانيين لاسيما عالم الدين الأيراني ملا علي الكني، الذي اعتبر هذه الإتفاقية الجائرة مقدمة للتسلط الأجنبي على ايران وبالتالي استعمارها ودعا الى إلغائها.
لكن الأمتياز الإقتصادي الآخر الذي حصل عليه البريطانيون من القاجار هو امتياز البنك الشاهنشاهي وبواسطة هذا البنك، قام البريطانيون باصدار العمله الورقية في ايران، وتقديم المساعدات المالية والقروض الى الحكومة والوزراء وبعض الخواص. وبهذا الطريق هيمن البريطانيون على مثل هؤلاء وحققوا في الوقت ذاته مكاسب اقتصادية واخرى سياسية لكن الإمتياز الآخر الذي منح للبريطانيين وانتهى بحركة ثورية في ايران هو امتياز التنباك.
لقد مر علينا مصطلح حركة التنباك ومنهم من يسميها حركة التبغ والتنباك. ولا فرق بين هاتين التسميتين.
 

الف-كيفية منح امتياز التنباك

في عام 1269 هجري شمسي المصادف لعام 1890 ميلادي كان ناصر الدين شاه قد سافر الى بريطانيا وهناك طلب منه تالبوت المستثمر البريطاني وكان صديقاً لرئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، طلب من الشاه القاجاري ورئيس وزرائه امين السلطان الحصول على امتياز انحصار التبغ والتنباك الإيراني. ووافق ناصر الدين شاه الذي كان يطمع في توفير نفقات سفره الى اوروبا على هذا الطلب. وهكذا تمكن تالبوت في طهران ومن خلال اعطاء الرشاوي من احراز الإمتياز المذكور لنفسه.
وعلى اساس الاتفاق الذي ابرم بين الحكومة القاجارية وتالبوت. اصبح بيع وشراء وتوزيع منتجات التبغ والتنباك بيد شركة كانت تعرف بإسم رژي. هذا وتعهدت الشركة الأنجليزية بدفع ما يعادل 15 الف ليرة بريطانية للحكومة الإيرانية. بالإضافة الى ربع عائدات البيع السنوي.
 

ب-اسباب شروع حركة التنباك

يمكن الإشارة هنا الى مجموعتين من الأسباب
اولاً: الأسباب الثقافية والدينية.
من بعد منح الإمتياز قدم الى ايران 200 ألف اجنبي وانتشروا في كل مكان وفي كل مدينة فيها. واقام هؤلاء لا سيما في طهران مراكز الفساد والفجور من المسارح والمقاهي والمراقص وحانات الخمور. وفي طهران وحدها افتتح في ذلك الوقت 100 محل لبيع المشروبات الكحولية.
على ان المبشرين النصارى والى جانب ذلك كانوا ينشرون شباك التنصير لأصطياد المسلمين بواسطتها. وقد اثارت هذه الأنشطة المشبوهة ردود فعل احتجاجية لدى المسلمين الإيرانيين.
ومن جانب آخر فإن ما اقدمت عليه شركه رژي البريطانية من بناء بعض الأبراج العسكرية وتسليح عمال وموظفي هذه الشركة، ادى الى ان تتداعى الى الأذهان هذه الفكرة، وهي ان البريطانيين يريدون استعمار ايران على غرار ما فعلته شركة الهند الشرقية فيما يتعلق باخضاع الهند الى الهيمنة البريطانية.
ثانياً: الأسباب الأقتصادية والسياسية
ان معارضة سياسة منح الإمتيازات كانت واضحة المعالم ومشهودة حتى قبل اعطاء امتياز التنباك. ويمكن ملاحظة ذلك جلياً في اعتراض الملا علي الكني على اعطاء امتياز رويتر ومعارضة السيد جمال الدين الأسد آبادي لمشروع البنك الشاهنشاهي.
على ان رجال الدين كانوا يرون تحريم التنباك انذاك للحؤول دون تزلزل اسس الدين وللحفاظ على استقلال البلاد امام التسلط الأجنبي، ثم انهم كانوا يرون كذلك ان منح الإمتيازات للأجانب يغاير ما يؤمر به دستور الإسلام اي القرآن الكريم.
ومن الناحية الإقتصادية، فإن امتياز التنباك كان بامكانه ان يترك آثاراً وبصمات سلبية على المجتمع الإيراني.
يشار الى ان التبغ والتنباك في ذلك العصر كانا يشكلان جزءاً مهماً من المحاصيل الزراعية والتجارة في ايران. كما انهما كانا مصدر دخل للكثير من المزارعين والتجار، فضلاً عن ان اطيافاً كبيرة من الناس كانوا يستهلكون هاتين المادتين في حياتهم اليومية.
على اي حال مع الاخذ بنظر الإعتبار ما ذكرناه من اسباب، بدأت معارضة اعطاء هذا الإمتياز، وبدأت المعارضة الدينية ازاء امتياز التنباك من قبل علماء في شيراز كان تيزعمهم العالم السيد علي اكبر فال اسيري. وكان من العلماء البارزين في عصره. ثم امتدت المعارضة لتشمل مدن اخرى في ايران مثل تبريز ومشهد واصفهان والعاصمة طهران.
ووصلت المعارضة الدينية والشعبية اوجها ضد الحكومة القاجارية حينما اصدر المرجع الديني الأعلى في ذلك الوقت الميرزا آية الله العظمى السيد محمد حسن الشيرازي وكان في سامراء فتواه الشهيرة بتحريم التنباك الذي اعتبر استعماله انذاك بحكم محاربة امام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وعلى اثر ذلك اضطر الشاه ناصر الدين الى لغو امتياز التنباك بعد ان دفع غرامة الى الطرف المقابل في عقد الإمتياز اي الطرف البريطاني.
ج-اهمية النتائج وتأثير الحركة
تعتبر حركة التنباك اول مقاومة شعبية في ايران ضد الأجانب والإستبداد الملكي، وقد تركت هذه الحركة كبير اثر على ما اعقبها من وقائع واحداث. ومن اهم النتائج التي افرزتها حركة التنباك، عرض وزيادة الإقتدار السياسي لعلماء الدين.
علماء الدين كانوا يرون حرمة التنباك وكانت حرمة وقتية وبالإستناد الى الحكم الثانوي في تكاليف الشرع الشريف، ضرورة للحيلولة دون زلزلة اسس الإسلام وللحفاظ على استقلال البلاد وصد الأجنبي الطامع. ومنذ ذلك التاريخ تربعت في ذاكرة الشعب الإيراني قدرة علماء الدين، التي تجسدت فيما بعد في احداث الثورة الإسلامية عندما بلغت اوجها وقمة انتصارها في العامين 1978 و1979 ميلادي. وعلاوة على ذلك فأن حركة التنبك قد مهدت السبيل امام قيام الثورة الدستورية في ايران.