العهد القاجاري
لو اردنا تقصي اصول القاجاريين لوجدناهم ينتمون الى القبائل المتنقلة التي قدمت الى ايران في ماضي الزمان مع قدوم المغول اليها. وكان ان قدر للقاجاريين من بعد ذلك التعاضد مع الصفويين حتى اصبح لهم نفوذ في البنية السياسية لدى الدولة الصفوية التي قامت في ايران مطلع القرن السادس عشر للميلاد.
ومن بعد حروب طويلة ودامية سجلها التاريخ تمكن القاجاريون من الإمساك بزمام الحكم في ايران بعد القضاء على حكومة الزنديين وكريم خان الزند.
ان الثقافة البدوية التي كانت مهيمنة على القبيلة القاجارية، قد اوضحت بجلاء ماهية سياسة القاجاريين وكيفية تعاملهم مع نظام الحكم، وبكلمة يمكن القول ان الحكومة القاجارية كانت تقوم على اساس الملكية المستبدة او ما يعرف في ادبيات السياسة المعاصرة بالملكية الدكتاتورية او المطلقة.
وكان الشاه القاجاري في اطار هذه الرؤية الضيقة اعلى سلطة في البلاد وانه المهيمن على ارواح الناس واموالهم، وحتى المقربين اليه والسائرين في ظله، وما كان لأحد غير الشاه القاجاري التدخل في قضايا الحكم المهمة.
لكن مع هذا كان البلاط القاجاري يترك اثره على شخص الشاه او الملك، وقد تحول ذلك البلاط الى بؤرة فساد وارتشاء وتآمر وخيانة يغدو فيه المتملقون والمتزلفون ويروحون.
وكان قد ظهر على مسرح السياسة في ايران في العهد القاجاري بعض الشخصيات الوطنية مثل قائم مقام فراهاني والميرزا تقي خان امير كبير بيد ان الأجواء الخانقة الفاسدة التي كانت مستولية على البلاط القاجاري ما كانت لتحتمل وجود امثال هذين العظمين، وسرعان ما حذفتهما ادرات السياسة من عرصتها.
وشيئاً فشيئاً ادت عوامل عديدة الى زلزلة قوة القاجاريين، حتى ان عقود القرن التاسع عشر الميلادي قد شهدت ضعف الدولة القاجارية شيئاً فشيئاً.
هذا وان النفوذ الأجنبي في ايران لا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد قد صير من الشاه القاجاري وبلاطه إلعوبة السياسات الأجنبية.
على ان ضعف ملوك القاجار في تلك الفترة وانتكاس شخصياتهم، الى جانب ما كانت تمر به البلاد من ازمات متعددة على الصعيدين الأقتصادي والسياسي، جعل اطيافاً وشرائح مهمة من المجتمع الأيراني تبدي انزعاجها ونفرتها من الشاه القاجاري ورجال بلاطه.
وخلال فترة حكم ناصر الدين شاه رابع ملوك الدولة القاجارية، وهي فترة قاربت النصف قرن من عمر الزمن تقريباً، شهدت ايران رغبات عدة في اصلاح الأمور وكانت هذه الأصلاحات تدخل حيز العمل والتنفيذ، بيد انه لم يكتب لها الإستمرار، لأنها بطبيعة الحال كانت تتعارض مع مصالح الطبقة الحاكمة وفي مقدمتها الشاه القاجاري نفسه. والذي يؤسف له هنا ان المتملقين الذين كان همهم مصالحهم كانوا يحلون في البلاط محل الشخصيات الإصلاحية. ولا ريب ان فشل الإصلاحات في تلك الفترة الذي كان السبب فيه ملوك القاجار وفساد الحكم، جعل نظام الحكم في ايران يمر في فترة سيئة انذاك.
ومن السمات البارزة في تلك الفترة الأزمة الأقتصادية الخانقة: هذه الأزمة كانت تزداد من يوم لآخر. والى جانب هذا كان الجيش في طريقه الى الإنحلال، حتى انه بلغ من التفتت حالاً جعله لا يتجاوز مئات الآلاف من المقاتلين تحت امرة قادة من الروس. لقد زاد النفوذ الأجنبي في ايران في تلك الفترة وازداد معه ظلم النظام الحاكم فيها، الأمر الذي ادى الى تفاتم الأوضاع شيئاً نشيئاً.
ان الذي حفظ كيان الدولة القاجارية من السقوط في تلك الفترة، المنافسة التي كانت ما بين روسيا القيصرية وبريطانيا، فكل من هاتين الدولتين ومن اجل الحفاظ على مصالحها كانت تدعم النظام القاجاري.
لقد كانت الأوضاع في ايران انذاك تسير بأتجاه اثارة القلاقل والفتن وبث الفرقة والإختلاف، للحؤول دون تبلور تيار قوي معارض. وربما كان لهذه السياسة اثرها في اطالة عمر الدولة القاجارية بيد انها لم تتمكن من الحيلولة دون سقوطها الذي شهدناه منتصف النصف الأول من القرن العشرين.