شذرات من فضائله « الملامح الشخصية « الصفحة الأولى
د ـ عبادته ونسكه:
كان الإمام الجواد عليه السلام أعبد أهل زمانه، وأشدهم حبّاً لله عزّوجلّ وخوفاً منه، وأخلصهم في طاعته وعبادته، شأنه شأن الأئمة الطاهرين من آبائه عليهم السلام الذين عملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى.
ومن مظاهر عبادة الإمام الجواد عليه السلام نشير الى ما يلي:
1 ـ نوافله:
كان عليه السلام كثير النوافل، ويقول المؤرخون إنه: كان يصلّي ركعتين يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة، وسورة الاخلاص سبعين مرة(35). وانه عليه السلام إذا دخل شهر جديد يصلّي اول يوم منه ركعتين يقرأ في أول ركعة «الحمد» مرة، و «قل هو الله أحد » لكل يوم الى آخره ـ يعني ثلاثين مرة ـ.
وفي أول الركعة الاخرى «الحمد» و «انا أنزلناه» مثل ذلك ويتصدق بما يتسهل، يشتري به سلامة ذلك الشهر كله(36).
وجاء في الرواية أنه صام أبو جعفر الثاني عليه السلام لمّا كان ببغداد يوم النصف من رجب، ويوم سبع وعشرين منه، وصام معه جميع حشمه، وأمرنا أن نصلّي بالصلاة التي هي اثنتى عشرة ركعة: تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، فاذا
فرغت قرأت «الحمد » أربعاً، و«قل هو الله أحد » أربعاً، والمعوّذتين أربعاً، وقلت: «لا إله إلاّ الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم » أربعاً، «الله الله ربي لا اُشرك به شيئاً » أربعاً، «لا اُشرك بربّي أحداً » أربعاً(37).
2 ـ حجه:
وكان الإمام عليه السلام كثير الحج، وقد جاء في الرواية: «رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام في سنة خمس عشرة ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع الشمس، وطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلمّا كان الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ومسح بيده ثم مسح وجهه بيده، ثم أتى المقام، فصلّى خلفه ركعتين ثم خرج الى دبر الكعبة الى الملتزم، فالتزم البيت،... ثم وقف عليه طويلاً يدعو، ثم خرج من باب الحناطين.
قال الراوي: فرأيته في سنة ( 219 هـ ) ودّع البيت ليلاً، يستلم الركن اليماني والحجر الاسود في كل شوط، فلمّا كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريباً من الركن اليماني وفوق الحجر المستطيل... ثم أتى الحجر فقبّله ومسحه وخرج الى المقام فصلّى خلفه ثم مضى ولم يعد الى البيت، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة اشواط وبعضهم ثمانية»(38).
3 ـ أذكار الإمام وأدعيته ومناجاته:
وهنا نورد بعضاً من أذكار الإمام وأدعيته ومناجاته التي كان يناجي بها ربّه الأعلى كأحد مظاهر التسبيح والتمجيد في محراب عبادته لله جلّ جلاله:
من أدعيته عليه السلام في حال القنوت:
«اللهم أنت الأول بلا اولية معدودة، والآخر بلا آخرية محدودة، أنشأتنا لا لعلّة اقتساراً، واخترعتنا لا لحاجة اقتداراً، وابتدعتنا بحكمتك اختياراً، وبلوتنا بأمرك ونهيك اختباراً، وايدتنا بالآلات، ومنحتنا بالأدوات، وكلّفتنا الطاقة، وجشمتنا الطاعة، فأمرت تخييراً ونهيت تحذيراً، وخوّلت كثيراً، وسألت يسيراً، فعصي أمرك فحلُمت، وجهل قدرك فتكرّمت.. »(39).

من أدعيته اذا انصرف من الصلاة:
«رضيت بالله ربّاً، وبالاسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبمحمد نبياً، وبعليٍّ ولياً، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن بن علي، أئمة.
اللهم وليّك الحجة فاحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وامدد له في عمره، واجعله القائم بأمرك، المنتصر لدينك وأره ما يحبّ وتقرّ به عينه في نفسه وفي ذرّيته وأهله وماله وفي شيعته وفي عدوه، وأرهم منه ما يحب وتقرّ به عينه، واشف به صدورنا وصدور قوم مؤمنين »(40).

من دعائه عليه السلام عند الصباح والمساء لقضاء الحوائج:
قال الراوي: كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام أسأله ان يعلّمني دعاء، فكتب اليّ:
«تقول اذا اصبحت وأمسيت: الله الله الله، ربي الرحمن الرحيم، لا اشرك به شيئاً».
وإن زدت على ذلك فهو خير، ثم تدعو بما بدا لك في حاجتك، فهو لكل شيء بإذن الله تعالى، يفعل الله ما يشاء(41).

هـ ـ معجزاته وكراماته عليه السلام:
ورغم أنّ الإمام الجواد عليه السلام كان معجزة بذاته، حيث تصدى لإمامة المسلمين وهو صبي لم يبلغ السابعة من عمره، فإنّ الله جّل جلاله أجرى على يديه كرامات أخرى في مناسبات عديدة لكي يتم بها الحجة على العباد ويقطع بها ألسنة المعاندين وتطمئن بسببها قلوب الموالين.
وإليك بعض مصاديقها(42):

1 ـ قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: «دخلت على أبي جعفر الثاني عليه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت لذلك، فتناول إحداهنّ وقال: هذه رقعة ريّان بن شبيب ثم تناول الثانية فقال: هذه رقعة محمد بن حمزة وتناول الثالثة، وقال: هذه رقعة فلان فبهتّ، فنظر اليّ وتبسّم عليه السلام.
قال: وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار في صرّة وأمرني ان أحملها الى بعض بني عمّه، وقال: أما انه سيقول لك دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه.
قال: فأتيته بالدنانير فقال لي: «يا أبا هاشم دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً». ففعلت.
قال أبو هاشم: وكلّمني جمّال ان اُكلّمه ليدخله في بعض اموره، فدخلت عليه لاُكلّمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال: يا أبا هاشم: كل ووضع بين يديّ ثم قال ـ ابتداءً منه من غير مسألة ـ: يا غلام انظر الجمّال الذي أتانا به أبو هاشم فضمّه اليك ».

2 ـ قال أبو هاشم: ودخلت معه ذات يوم بستاناً فقلت له: جعلت فداك، إني مولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكت ثم قال لي بعد أيام ابتداءً منه ـ: «يا أبا هاشم ، قد أذهب الله عنك أكل الطين ».
قال أبو هاشم: فما شيء أبغض اليّ منه.

3 ـ قال علي بن أسباط: خرج عليّ أبو جعفر حدثان موت أبيه فنظرت الى قدّه لأصف قامته لأصحابنا فقعد، ثم قال: «يا عليّ، ان الله تعالى احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: ( وآتيناه الحكم صبيّاً)»(43).

4 ـ قال الراوي: «مضى أبو الحسن الرضا عليه السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم، لم يكن يعرفها غيري وغيره، فأرسل اليّ أبو جعفر عليه السلام: «إذا كان في غد فائتني. فأتيته من الغد، فقال لي: مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم؟. فقلت: نعم.
فرفع المصلّى الذي كان تحته، فإذا تحته دنانير فدفعها اليّ، وكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم».

5 ـ قال الراوي: «كنت بالمدينة، وكنت اختلف الى أبي جعفر عليه السلام وأبو الحسن عليه السلام بخراسان، وكان أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلّمون عليه، فدعا يوماً الجارية، فقال: قولي لهم: يتهيأون للمأتم.
فلمّا تفرّقوا قالوا: ألا سألناه مأتم مَن؟
فلمّا كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم مَن؟
قال: مأتم خير مَن على ظهرها.
فأتانا خبر أبي الحسن )الرضا عليه السلام بعد ذلك بأيّام، فاذا هو قد مات في ذلك اليوم».

6 ـ قال الراوي: كتب اليّ أبو جعفر عليه السلام: «إحملوا اليّ الخمس، فإني لستُ آخذه منكم سوى عامي هذا ».
فقبض عليه السلام في تلك السنة.
 

 
تتمة الموضوع...
و ـ من مكارم اخلاقه الاجتماعية
1 ـ السخاء 2 ـ الإحسان إلى الناس 3 ـ المواساة للناس 4-الجواد الكريم



35) حياة الإمام محمّد الجواد: 67.
36) مستدرك عوالم العلوم: 23 / 220.
37) مستدرك عوالم العلوم: 23 / 222.
38) حياة الإمام محمد الجواد: 68.
39) مستدرك عوالم العلوم: 23 / 212.
40) مستدرك عوالم العلوم: 23 / 214 ـ 215.
41) مستدرك عوالم العلوم: 23 / 218.
42) نقلنا هذه المصاديق عن إعلام الورى بأعلام الهدى: 97 ـ 100، ومستدرك عوالم العلوم: 23/218.
43) مريم (19): 12.