سيرته « إمامته « السيرة « الصفحة الأولى
عصر الإمام علي بن محمّد الهادي (ع)

المرحلة الاُولى من حياة الإمام الهادي(عليه السلام) هي في ظلال والده الإمام محمد الجواد(عليه السلام) وقد كانت فترة قصيرة جداً لم تتجاوز ثماني سنين ـ على أكثر التقادير ـ وقد قضاها في المدينة المنورة، وكان في شطر منها بعيداً عن والده، وذلك لأن المعتصم العباسي قد استدعاه في سنة (218 هـ ) الى بغداد.
والمرحلة الثانية من حياة الإمام الهادي(عليه السلام) تناهز أربعاً وثلاثين سنة حيث تحمّل فيها أعباء منصب الإمامة منذ سنة (220 هـ ) الى سنة (254هـ ) واستمرت (34 سنة).وعاصر فيها كلاً من:

  • الإمام الهادي(ع) والمعتصم العباسي
  • الثورات في عصره
  • المنتصر والعلويين
  • اضطهاد الشيعة
  • الإمام الهادي(ع) والمتوكل العباسي
  • الوشاية بالامام (ع)
  • الإمام في طريقه الى سامراء
  • الإمام (ع) في سامراء
  • تفتيش دار الإمام (ع)
  • اعتقال الإمام الهادي (ع)
  • محاولة اغتيال الإمام الهادي (ع)
  • دعاء الإمام (ع) على المتوكل
  • هلاك المتوكل
  • الإمام الهادي(ع) وبغا الكبير
  • الواثق ومحنة خلق القرآن
  • موقف الإمام الهادي(ع) من مسألة خلق القرآن
  • إخبار الإمام الهادي(ع) بموت الواثق
المعتصم
هو محمد بن الرشيد، ولد سنة (180 أو 178)، واستولى على كرسي الخلافة سنة (218 هـ ) اُمه ماردة كانت أحظى الناس عند الرشيد. وقالوا عنه: انّه كان ذا شجاعة وقوة وهمّة وكان عريّاً من العلم. وكان إذا غضب لا يبالي من قتل، وكان من أشدّ الناس بطشاً، كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره.
وهو أوّل خليفة أدخل الأتراك الديوان وكان يتشبّه بملوك الأعاجم ويمشي مشيتهم، وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفاً.
وهجاه دعبل الخزاعي بالأبيات التالية:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة
ولم يأتنا في ثامن منهم الكُتْبُ
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة
غداة ثَوَوْا فيه وثامنهم كلب
وإنّي لأزهى كلبهم عنك رغبةً
لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم
وصيف واشناس وقد عظم الخطب

وسار على ما كان عليه المأمون من امتحان الناس بخلق القرآن وقاسى الناس منه مشقة في ذلك وقتل عليه خلقاً من العلماء وضرب الإمام أحمد بن حنبل في سنة عشرين ومائتين. وفيها تحوّل المعتصم من بغداد وبنى سرّ من رأى بعد أن اعتنى باقتناء الترك وبذل الأموال الطائلة فيهم حتى ألبسهم الديباج ومناطق الذهب وأصبحوا يؤذون الناس ببغداد حتى هدّده أهل بغداد بمحاربته إن لم يخرجهم منها،. ولهذا بنى سامراء وأخرجهم من بغداد.
وغزا المعتصم الروم سنة (223 هـ ) و فتح عمورية ومات في ربيع الأوّل سنة (227 هـ ) ودامت حكومة المعتصم ثماني سنين وثمانية أشهر.
الإمام الهادي(عليه السلام) والمعتصم العباسي
بعد اغتيال الإمام الجواد (عليه السلام) من قبل المعتصم عهد المعتصم إلى عمر بن الفرج أن يشخص بنفسه إلى المدينة ليختار معلماً لأبي الحسن الهادي(عليه السلام) البالغ من العمر آنذاك ست سنين وأشهراً، وقد عهد إليه ان يكون المعلم معروفاً بالنصب والانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) ليغذيه ببغضهم.
ولما انتهى عمر إلى يثرب التقى بالوالي وعرّفه بمهمته فأرشده الوالي وغيره إلى الجنيدي الذي كان شديد البغض للعلويين، فأرسل خلفه وعرّفه بالأمر فاستجاب له بعد أن عيّن له راتباً شهرياً، وعهد إليه أن يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به.
بادر الجنيدي الى ما كان اُمر به من مهمّة تعليم الإمام(عليه السلام) إلاّ انه قد ذهل لما كان يراه من حدَّة ذكائه، والتقى محمد بن جعفر بالجنيدي فقال له:« ما حال هذا الصبي الذي تؤدبه؟» فأنكر الجنيدي ذلك وراح يقول:
« أتقول: هذا الصبي ؟!! ولا تقول هذا الشيخ؟ انشدك بالله هل تعرف بالمدينة من هو أعرف مني بالأدب والعلم؟»
قال: لا.
فقال الجنيدي: « إني والله لأذكر الحرف في الأدب، وأظن أني قد بالغت، ثم إنّه يملي أبواباً استفيده منه، فيظن الناس اني اُعلمه، وأنا والله أتعلّم منه ».
وانطوت الأيام فالتقى محمد بن جعفر مرة أخرى بالجنيدي، فقال له: ما حال هذا الصبي ؟
فأنكر عليه الجنيدي ذلك وقال: « دع عنك هذا القول، والله تعالى لهو خير أهل الأرض، وأفضل من برأه الله تعالى، وإنه لربما همَّ بدخول الحجرة فأقول له: حتى تقرأ سورة، فيقول: أيّ سورة تريد أن أقرأها ؟ فاذكر له السور الطوال ما لم يبلغ إليها فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصح منها، وكان يقرأها بصوت أطيب من مزامير داود، انّه حافظ القرآن من أوله إلى آخره، ويعلم تأويله وتنزيله.
وأضاف الجنيدي قائلاً: هذا الصبي صغير نشأ بالمدينة بين الجدران السود فمن أين عَلِم هذا العلم الكبير؟ يا سبحان الله !!
ثم نزع عن نفسه النصب لأهل البيت (عليهم السلام) ودان بالولاء لهم واعتقد بالامامة ». [1]
لقد كان لأدب الإمام الهادي (عليه السلام) وحسن تعامله مع معلمه «الناصبي» أثر كبير في تحوله الاعتقادي وايمانه بزعامة أهل البيت (عليهم السلام).
ثمّ إنّ الجنيدي نفسه صرّح لغيره أنه تعلم من الإمام(عليه السلام) ولم يأخذ الإمام(عليه السلام) العلم منه، وتلك خاصة للإمام وآبائه (عليهم السلام)، فإنّ الإمام الرضا(عليه السلام) لما سُئل عن الخلف بعده أشار إلى الإمام الجواد(عليه السلام) وهو صغير ربّما في عمر كعمر الإمام الهادي(عليه السلام)، واحتج الرضا (عليه السلام) بقوله تعالى: ( وآتيناه الحكم صبياً )فالصغر والكبر ليس مورداً للإشكال فإن الله سبحانه جعل الامامة امتداداً للنبوة لتقتدي الناس بحملة الرسالة فهم القيّمون عليها والمجسّدون لها تجسيداً كاملاً ليتيسّر للناس تطبيق أحكام الله تعالى بالاقتداء بالائمة(عليهم السلام).
وتعكس لنا هذه الرواية الاهتمام المبكر من قبل المعتصم بالامام الهادي(عليه السلام) من أجل تطويق تحركه وعزله عن شيعته ومريديه كما يتّضح ذلك من أمره بأن يمنع اتصال الشيعة به. يُضاف الى ذلك أن المبادرة لتعليم الإمام في سنّ مبكّرة لا يبعد أن يكون للتعتيم على علم الإمام وهو في هذا العمر كما حدث لأبيه الجواد(عليه السلام) حين تحدّى كبار العلماء ولم يعهد منه أنه كان قد تعلّم عند أحد.
فهذا الإسراع يعدّ محاولة للحيلولة دون بزوغ اسم الإمام الهادي(عليه السلام) وسطوع فضله عند الخاص والعام، لأنّ ما سوف يصدر منه يمكن أن يُنسب الى معلّمه ومربّيه.
غير أن الإمام(عليه السلام) بخلقه وهدوئه استطاع أنّ يفوّت الفرصة على الخليفة وبلاطه ويُظهر للناس علمه وإمامته التي عيّنها الله له.

الواثق
هو هارون بن المعتصم، اُمه رومية، ولد في شعبان (196 هـ ) واستولى على الخلافة في ربيع الأوّل (227 هـ ). وفي سنة (228 هـ ) استخلف على السلطة أشناس التركي وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجاً مجوهراً.
وكان كثير الأكل جداً حتى قال ابن فهم: أنه كان يأكل في خوان من ذهب وكان يحمل كل قطعة منه عشرون رجلاً.
وكان الواثق كأسلافه الحاكمين في الإسراف وقضاء الوقت باللهو والمفاسد.
وقيل عنه أ نّه كان وافر الأدب مليح الشعر، وكان أعلم الخلفاء بالغناء، وله اصوات وألحان عملها نحو مائة صوت وكان حاذقاً بضرب العود، راوية للأشعار والأخبار.
وكان يحب خادماً له أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوماً ثم انه سمعه يقول لبعض الخدم: والله انه ليروم ان أكلمه ـ اي الواثق ـ من أمس فما أفعل، فقال الواثق في ذلك شعراً:
يا ذا الذي بعد أبي ظل مختفراً
ما أنت إلاّ مليك جاد إذ قدرا
لولا الهوى لتحاربنا على قدر
وان اقف منه يوماً فسوف ترى [2]
وفي سنة (229 هـ ) حبس الواثق كتّاب دولته وألزمهم أموالاً عظيمة، فأخذ من أحمد بن اسرائيل ثمانين ألف دينار ومن سليمان بن وهب ـ كاتب ايتاخ ـ اربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن ابراهيم بن رباح وكتّابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب مليوناً من الدنانير، ومن نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير مائة وأربعين ألف دينار [3].
فكم كان مجموع ثرواتهم بحيث أمكنهم دفع تلك الضرائب؟
وإذا كانت هذه ثروة الكاتب العادي، فكم هي ثروة الوزير نفسه؟
ولعلّ من نافلة القول أن هذه الأموال إنّما اجتمعت عند هؤلاء على حساب سائر أبناء الاُمة الإسلامية الذين كانوا يعانون من الفقر وحياة التقشّف التي أنتجها الظلم الى جانب التفاضل الطبقي الفاحش.
الإمام الهادي(ع) وبغا الكبير
وفي سنة (230 هـ ) أغار الأعراب من بني سليم على المدينة ونهبوا الأسواق وقتلوا النفوس، ولم يفلح حاكم المدينة في دفعهم حتى ازداد شرّهم واستفحل فوجّه إليهم الواثق بغا الكبير ففرّقهم وقتل منهم وأسر آخرين وانهزم الباقون[4].
وللإمام حين ورود بغا بجيشه الى المدينة موقف تجدر الإشارة اليه، فإنّ أبا هاشم الجعفري يقول: كنت بالمدينة حين مّر بها بغا أيّام الواثق في طلب الأعراب.
فقال أبو الحسن(عليه السلام): اُخرجوا بنا حتى ننظر الى تعبئة هذا التركي. فخرجنا فوقفنا فمرّت بنا تعبئته فمرّ بنا تركي فكلّمه أبو الحسن(عليه السلام) بالتركية فنزل عن فرسه فقبّل حافر دابته، قال (أبو هاشم) فحلّفت التركي وقلت له: ما قال لك الرجل؟ فقال: هذا نبيّ؟ قلت: ليس هذا بنبيّ. قال: دعاني باسم سُمّيت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد الساعة[5].
وهذه الوثيقة التاريخية تتضمن بيان مجموعة من فضائل الإمام الهادي(عليه السلام) وكمالاته واهتماماته العسكرية والتربوية لأصحابه، وتشجيعه لبغا الذي واجه هذا الهجوم التخريبي للأعراب على مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله).
وبالاضافة الى كرامات الإمام(عليه السلام) المتعددة لا تستبعد أن يكون الإمام(عليه السلام) قد استفاد من هذه الفرصة لكسب فرد في جيش بغا إذ بامكانه أن يكون حامل صورة ايجابية ورسالة خاصة عن الإمام(عليه السلام) يمكنه ايصالها في الموقع المناسب الى قائده بغا. وسوف نرى مواقف خاصة لبغا تجاه الإمام الهادي(عليه السلام) في المستقبل الذي ينتظره، فضلاً عن موقف له مع أحد الطالبيين بعد أن حاول قتل عامل المعتصم فتمرّد بغا على أمر المعتصم ولم يلق هذا الطالبي الى السباع[6]. ومن هنا قال المسعودي عنه: كان بغا كثير التعطّف والبر على الطالبيين.
الواثق ومحنة خلق القرآن
وامتحن الواثق الناس في قضية خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلاّ شهادة من قال بالتوحيد، فحبس بهذا السبب عالماً كثيراً.
وفي سنة احدى وثلاثين )بعد المائتين(ورد كتاب إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخر أمره.
وفي هذه السنة قتل احمد بن نصر الخزاعي وكان من اهل الحديث وقد استفتى الواثق جماعة من فقهاء المعتزلة بقتله فأجازوا له ذلك، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه ، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها، وصلبت جـثته في سرّ من رأى، واستمر ذلك ست سنين إلى ان ولي المتوكل فأنزله ودفنه، ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها: «هذا رأس احمد ابن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلاّ المعاندة فعجله الله إلى ناره» ووكل بالرأس من يحفظه.
وفي هذه السنة استفك من الروم الفاً وستمائة أسير مسلم فقال ابن داود ـ قبحه الله ـ ! من قال من الاسارى « القرآن مخلوق » خلصوه واعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الاسر[7].
قال الخطيب: كان احمد بن أبي داود قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن.
ومن جملة من شملهم ظلم الواثق أبو يعقوب بن يوسف بن يحيى البوطي صاحب الشافعي الذي مات سنة (231 هـ ) محبوساً في محنة الناس بالقرآن، ولم يجب إلى القول بأنه مخلوق وكان من الصالحين[8].
وجيء بأبي عبدالرحمن عبدالدين محمد الآذرمي (شيخ أبي داود والنسائي) مقيّداً الى الواثق وابن أبي داود حاضر، فقال له: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلم يَدعُ الناس إليه أم شيء لم يعلمه؟ فقال ابن أبي داود: بل علمه. فقال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضاً على فمه ودخل بيتاً ومدّ رجليه وهو يقول: وسع النبي(صلى الله عليه وآله) أن يسكت عنه ولا يسعنا! فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار وأن يرد الى بلده ولم يمتحن أحداً بعدها ومقت ابن أبي داود من يومئذ.
وعن يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد الى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير[9].
موقف الإمام الهادي (ع) من مسألة خلق القرآن
لقد عمت الاُمة فتنة كبرى زمن المأمون والمعتصم والواثق بامتحان الناس بخلق القرآن وكانت هذه المسألة مسألة يتوقف عليها مصير الاُمة الإسلامية، وقد بيّن الإمام الهادي (عليه السلام) الرأي السديد في هذه المناورة السياسية التي ابتدعتها السلطة فقد روي عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطين أنه قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى بعض شيعته ببغداد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا الله واياك من الفتنة فإن يفعل فاعظم بها نعمة وإلاّ يفعل فهي الهلكة. نحن نرى ان الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين. جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون »[10].
إخبار الإمام الهادي(ع) بموت الواثق
كان الإمام الهادي (عليه السلام) يتابع التطورات السياسية ويرصد الأحداث بدقة. فعن خيران الخادم قال: قدمت على أبي الحسن (عليه السلام) المدينة فقال لي: ما خبر الواثق عندك ؟ قلت: جعلت فداك خلفته في عافية، انا من أقرب الناس عهداً به، عهدي به منذ عشرة أيام قال: فقال لي: ان اهل المدينة يقولون انّه مات، فلما ان قال لي: (الناس)، علمت انه هو، ثم قال لي: ما فعل جعفر ؟ قلت: تركته أسوء الناس حالاً في السجن، فقال: أما إنه صاحب الأمر. ما فعل ابن الزيات ؟ قلت: جعلت فداك الناس معه والأمر أمره. فقال: اما انه شؤم عليه. ثم سكت وقال لي: لا بد ان تجري مقادير الله تعالى واحكامه. يا خيران، مات الواثق وقد قعد المتوكل جعفر وقد قتل ابن الزيات. فقلت: متى جعلت فداك ؟ قال: بعد خروجك بستة أيّام[11].
وهذه الرواية دون شكّ تظهر لنا حدّة الصراع والتنافس على السلطة داخل الاُسرة العباسية الحاكمة، كما تظهر لنا مدى متابعة الإمام (عليه السلام) للاوضاع العامة والسياسية أولاً بأول. واهتمامه الكبير هذا يوضح مستوى الحالة السياسية التي كانت تعيشها قواعد الإمام (عليه السلام) الشعبية ومواليه، فكان يوافيهم بمآل الاحداث السياسية، ليكونوا على حذر أولاً; ولينمّي قابلياتهم في المتابعة وتحليل الظواهر ثانياً.

المتوكّل
هو جعفر بن المعتصم بن الرشيد، اُمّه اُم ولد اسمها شجاع. أظهر الميل الى السنّة، ورفع المحنة وكتب بذلك الى الآفاق سنة (234 هـ )، واستقدم المحدّثين الى سامرّاء وأجزل عطاياهم وأمرهم أن يحدّثوا بأحاديث الصفات والرؤية.
وقالوا عنه: انّه كان منهمكاً في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سُرِّيّة (أمة يتسرّى بها). وقال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفاً بقبيحة اُم المعتزّ، والتي كانت اُم ولد له، ومن أجل شغفه بها أراد تقديم ابنها المعتزّ على ابنه المنتصر بعد أن كان قد بايع له بولاية العهد، وسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى، فكان يُحضره مجلس العامّة ويحطّ منزلته ويتهدّده ويشتمه ويتوعّده[12].
وكان المتوكل مسرفاً جداً في صرف بيت المال على الشعراء الذين يتقرّبون إليه بالمديح ـ في الوقت الذي كان عامة الناس يشتكون الفقر والحاجة ـ حتى قالوا: ما أعطى خليفة شاعراً ما أعطى المتوكّل، وفيه قال مردان ابن أبي الجنوب:
فامسِك ندى كفّيك عني ولا تزد
فقد خفتُ أن أطغى وأن اتجبّرا

فقال المتوكل: لا أمسك حتى يغرقك جودي، وكان قد أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفاً[13].
ولعلّ من وصف المتوكل بالجود سوف يتراجع عن وصفه إذا سمع أن المتوكّل قال للبحتري: قُل فيّ شعراً وفي الفتح بن خاقان، فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني، فقل في هذا المعنى، فقال البحتري:
يا سيّدي كيف أخلفتَ وعدي
وتثاقلت عن وفاء بعهدي؟
لا أرتني الأيام فقدك يا فتـحُ
ولا عَرَّقتْك ما عشتَ فقدي
أعظم الرزء أن تقدّمَ قبلي
ومن الرزء أن تؤخّر بعدي
حذراً أن تكون إلفاً لغيري
إذ تفرّدت بالهوى فيك وحدي

وقد قتل المتوكل والفتح بن خاقان في مجلس لهوهما في ساعة واحدة وفي جوف الليل في الخامس من شوّال سنة (247 هـ ) كما سوف
يأتي بيانه.
الإمام الهادي(ع) والمتوكل العباسي
وقد عُرف المتوكل ببغضه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولآل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، ففي سنة (236 هـ ) أمر بهدم قبر الإمام الحسين(عليه السلام) وهدم ما حوله من الدور. ومنع الناس من زيارته وأمر بمعاقبة من يتمرّد على المنع.
قال السيوطي: وكان المتوكّل معروفاً بالتعصّب فتألّم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء. فمما قيل في ذلك:
بالله إن كانت اُمية قد أتت
قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله
هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا
في قتله فتتبّعوه رميما[14]

ولم يقف المتوكّل عند حدّ في عدائه ونصبه لأهل البيت(عليهم السلام) وايذاء شيعتهم فقد قتل معلّم أولاده إمام العربية يعقوب ابن السكّيت حين سأله: من أحب إليك؟ هما ـ يعني ولديه المعتز والمؤيد ـ أو الحسن والحسين؟ فقال ابن السكّيت: قنبر ـ يعني مولى علي ـ خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل أمر بسلّ لسانه فمات، وذلك في سنة (244 هـ )[15].
وأهم حدث في زمن المتوكّل فيما يخص حياة أهل البيت(عليهم السلام) بحيث يكشف عمّا وصل إليه الرأي العام الإسلامي من التوجه إليهم والاهتمام بهم في الوقت الذي كان العباسيون يفقدون فيه موقعهم في النفوس هو حدث إشخاص المتوكّل للإمام علي الهادي(عليه السلام) من مدينة جدّه ووطنه الى سجون سرّ من رأى بعيداً عن حواضر العلم والدين والأدب.
ففي سنة (234 هـ ) أي بعد سنتين[16] من سيطرته على كرسي الخلافة أمر المتوكل يحيى بن هرثمة بالذهاب إلى المدينة والشخوص بالإمام إلى سامراء، وكانت للإمام (عليه السلام) مكانة رفيعة بين أهل المدينة، ولمّا همّ يحيى بإشخاصه اضطربت المدينة وضج اهلها كما ينقل يحيى نفسه، حيث قال: دخلت المدينة فضج أهلها ضجيجاً عظيماً، ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي ـ اي الإمام الهادي (عليه السلام) ـ وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم ملازماً المسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا فجعلت أسكتهم، وأحلف لهم أني لم أومر فيه بمكروه وأنه لا بأس عليه ثم فتّشت منزله فلم أجد إلاّ مصاحف وأدعية، وكتب علم، فعظم في عيني[17].
ونستفيد من هذه الرواية اُموراً منها:
1. قوة تأثير الإمام الهادي (عليه السلام) وانشداد الناس إليه وتعلقهم به لكثرة احسانه إليهم، ولأنه يجسّد الرسول والرسالة في هديه وسلوكه.
2. خشية السلطة العباسية من تعاظم أمر الإمام (عليه السلام) ومن سهولة اتصال الجماعة الصالحة به، وإشخاصه إلى سامراء يعتبر إبعاداً له عنهم ومن ثم يمكن وضعه تحت المراقبة الشديدة.
3. تأثر قائد الجيش العباسي ـ يحيى بن هرثمة ـ بالامام (عليه السلام) وتعظيمه له; لكذب الاتهامات حوله بالنسبة لعدّ العدة والسلاح للاطاحة بالخليفة العباسي.
4. عزوف الإمام (عليه السلام) عن الدنيا وملازمة المسجد متخذاً من سيرة آبائه نبراساً له، ومن المسجد طريقاً لبث علوم أهل البيت (عليهم السلام) وتصحيح معتقدات الاُمة.
5. عزل الإمام (عليه السلام) عن شيعته ومحبيه، فسامراء مدينة أسسها المعتصم العباسي وكانت تسكنها غالبية تركية (قوّاد وجنود) ولم يكونوا يعبؤون بالدين والقيم قدر اهتمامهم بالسيطرة والسلطة.

الوشاية بالامام (ع)
يبدو من بعض المصادر أن أحد أسباب إشخاص المتوكّل العباسي للإمام الهادي(عليه السلام) الى سامراء هو وشاية إمام الحرمين الذي كان معروفاً بالنصب لأهل البيت(عليهم السلام) وقد كانت هذه الوشايات متتابعة ومتكرّرة وهذا دليل على عدم الارتياح لتواجد الإمام الهادي(عليه السلام) بالمدينة وتأثيره الكبير على الحرمين معاً وهما مركز الثقل العلمي والديني في الحاضرة الإسلامية. ويشهد لذلك ما قالوا: من أنه كتب بريحة العباسي[18] صاحب الصلاة بالحرمين إلى المتوكل: «إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منهما فإنه قد دعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير».
وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى فوجّه المتوكل بيحيى بن هرثمة في سنة (234 هـ ) وكتب معه إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتاباً جميلاً يعرفه انه قد اشتاقه ويسأله القدوم عليه وأمر يحيى بالمسير معه كما يحب، وكتب إلى بريحة يعرّفه ذلك.
وإليك نصّ رسالة المتوكل الى الإمام الهادي(عليه السلام)، حسبما رواه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني:
عن محمد بن يحيى، عن بعض اصحابنا قال: اخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث واربعين ومائتين وهذه نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجباً لحقّك يقدّر الاُمور فيك وفي أهل بيتك، ما اصلح الله به حالك وحالهم وثبت به عزّك وعزّهم، وأدخل اليُمن والأمن عليك وعليهم. يبتغي بذلك رضى ربّه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبدالله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله). إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك[19] به، ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيّتك في ترك محاولته، وأنّك لم تؤهل نفسك له، وقد ولّى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله والى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق اليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك.
فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما رأيت، شخصت ومن أحببت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت، وان أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند مشيعين لك، يرحلون برحيلك، ويسيرون بسيرك، والأمر في ذلك إليك حتى توافي أمير المؤمنين.
فما أحد من اخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحد له أثرة ولا هو لهم أنظر وعليهم أشفق، وبهم أبرُّ وإليهم أسكن منه إليك إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»[20].
إنّ المتوكل قد كان يهدف في رسالته اُموراً إعلامية ودعائية أولاً تأثيراً في أهل المدينة، محاولة منه لتغيير انطباعهم من جهة فالغالبية من أهل المدينة تعرف المتوكل وعداءه لأهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم.
وحاول ثانياً أن يُبدي للإمام الهادي(عليه السلام) انه يحترم رأيه ويقدره ويعزه لذا فقد أبدل والي المدينة بغيره ومن ثم جعل له الحرية في الشخوص إلى الخليفة كيف يشاء الإمام (عليه السلام). وتلك أساليب إن كانت تغري العامة فالإمام(عليه السلام) كان يدرك ما يرومه المتوكل ويهدف إليه في استدعائه.
وعلى أيّة حال فقد قدم يحيى بن هرثمة المدينة فأوصل الكتاب إلى بريحة، وركبا جميعاً إلى أبي الحسن (عليه السلام) فأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلهما ثلاثاً، فلما كان بعد ثلاث عاد إلى داره فوجد الدواب مسرّجة والأثقال مشدودة قد فرغ منها.
ولا نغفل عن تفتيش يحيى لدار الإمام(عليه السلام) ممّا يعني أنه كان مأموراً بذلك في الوقت الذي كان الكتاب ينفي عن الإمام أي اتّهام ضدّه.
ومن هنا نعلم أن استقدام الإمام(عليه السلام) كان أمراً إلزامياً له وان كان بصيغة الاستدعاء وإلاّ فلِم هذا التفتيش الذي يكشف عن وجود سوء ظن بالإمام(عليه السلام) بعد تلك الوشايات؟!
وخرج (عليه السلام) بولده الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) وهو صبي مع يحيى ابن هرثمة متوجهاً نحو العراق واتبعه بريحة مشيّعاً فلما صار في بعض الطريق قال له بريحة: قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك وعليّ حلف بأيمان مغلظة: لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو أحد من خاصته وأبنائه لأجمّرنّ نخلك ولاقتلنّ مواليك ولاُعورنّ عيون ضيعتك ولأفعلنّ ولأصنعنّ، فالتفت إليه أبو الحسن فقال له: ان أقرب عرضي إياك على الله البارحة وما كنت لأعرضنك عليه ثم لأشكوك إلى غيره من خلقه. قال: فانكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه فقال له: قد عفوت عنك[21].
وأهم الاشارات ذات الدلالة في هذه الرواية: أن المتوكل أمر يحيى بن هرثمة برعاية الإمام (عليه السلام) وعدم التشديد عليه، وقد بلغ ذلك بريحة وخشي ان يشتكيه الإمام للمتوكل، فتوعد الإمام فعمد الإمام (عليه السلام) إلى تركيز مفهوم اسلامي وهو مسألة الارتباط بالله سبحانه، فإنّه هو الذي ينفع ويضر ويدفع عن عباده، لذا اجاب الإمام (عليه السلام) بريحة بأنه قد شكاه إلى الله تعالى قبل يوم من سفره وان الإمام (عليه السلام) ليس في نيته أن يشتكي بريحة عند الخليفة مما اضطر بريحة أن يعتذر من الإمام (عليه السلام) ويطلب العفو منه، فهو يعرف منزلة الإمام وآبائه(عليهم السلام) وصلتهم الوثيقة بالله سبحانه، فأخبره الإمام (عليه السلام) بأنه قد عفى عنه، وكان الإمام يدرك أبعاد سلوك الخليفة إزاءه وما يرمي إليه من تفتيش داره وإشخاصه من المدينة إلى سامراء، وإبعاده عن أهله ومواليه ومن ثم وضعه تحت الرقابة المشددة ومعرفة الداخلين على الإمام المرتبطين به وبالتالي ضبط كل حركات الإمام(عليه السلام) وتحرّكات قواعده، فوجوده(عليه السلام) في المدينة يعني بالنسبة للخليفة تمتع الإمام (عليه السلام) بحرية في التحرك، فضلاً عن سهولة وتيسر سبل الاتصال به من قبل القواعد الموالية للإمام (عليه السلام).
وقد كان الإمام (عليه السلام) في كل تحرّكاته وحتى في كتبه ووصاياه إلى شيعته يتصف باليقظة والحذر، ومن هنا كانت الوشايات به تبوء بالفشل، وحينما كانت تكبس داره ـ كما حصل ذلك مراراً ـ لا يجد جلاوزة السلطان فيها غير كتب الأدعية والزيارات والقرآن الكريم، حتى حينما تسوّروا عليه الدار لم يجدوه إلاّ مصلّياً أو قارئاً للقرآن.
وقال ابن الجوزي: ان السبب في اشخاص الإمام (عليه السلام) من المدينة إلى سامراء ـ كما يقول علماء السّير ـ هو ان المتوكل كان يبغض علياً أمير المؤمنين(عليه السلام) وذريّته وخشي تأثيره في أهل المدينة وميلهم إليه[22].
وهذا التعليل ينسجم مع كل تحفّظات الإمام(عليه السلام) تجاه السلطان.
الإمام في طريقه الى سامراء
وحاول ابن هرثمة في الطريق إحسان عِشرة الإمام(عليه السلام) وكان يرى من الإمام (عليه السلام) الكرامات التي ترشده الى عظمة الإمام ومكانته وحقيقة أمره وتوضح له الجريمة التي يرتكبها في إزعاج الإمام(عليه السلام) والتجسّس عليه.
عن يحيى بن هرثمة قال: رأيت من دلائل أبي الحسن الأعاجيب في طريقنا، منها: انا نزلنا منزلاً لا ماء فيه، فأشفينا دوابنا وجمالنا من العطش على التلف وكان معنا جماعة وقوم قد تبعونا من أهل المدينة، فقال أبو الحسن: كأنّي أعرف على أميال موضع ماء. فقلنا له: ان نشطت وتفضلت عدلت بنا إليه وكنا معك فعدل بنا عن الطريق.
فسرنا نحو ستة أميال فأشرفنا على واد كأنه زهو الرياض فيه عيون وأشجار وزروع وليس فيها زراع ولا فلاح ولا أحد من الناس، فنزلنا وشربنا وسقينا دوابّنا واقمنا الى بعد العصر، ثم تزودنا وارتوينا وما معنا من القرب ورحنا راحلين فلم نبعد أن عطشت.
وكان لي مع بعض غلماني كوز فضة يشده في منطقته وقد استسقيته فلجلج لسانه بالكلام ونظرت فإذا هو قد أنسى الكوز في المنزل الذي كنا فيه فرجعت اضرب بالسوط على فرس لي، جواد سريع واغد السير حتى اشرفت على الوادي، فرأيته جدباً يابساً قاعاً محلاً لا ماء ولا زرع ولا خضرة ورأيت موضع رحالنا ورؤث دوابنا وبعر الجمال ومناخاتهم والكوز موضوع في موضعه الذي تركه الغلام فأخذته وانصرفت ولم أعرفه شيئاً من الخبر.
فلما قربت من القطر والعسكر وجدته(عليه السلام) ينتظرني فتبسم ولم يقل لي شيئاً ولا قلت له سوى ما سأل من وجود الكوز، فأعلمته أني وجدته.
قال يحيى: وخرج في يوم صائف آخر ونحن في ضحو وشمس حامية تحرق فركب من مضربه وعليه ممطر وذنب دابته معقود وتحته لبد طويل.
فجعل كل من في العسكر وأهل القافلة يضحكون ويقولون هذا الحجازي ليس يعرف الري فسرنا أميالاً حتى ارتفعت سحابة من ناحية القبلة واظلمت واضلتنا بسرعة وأتى من المطر الهاطل كأفواه القرب فكدنا نتلف وغرقنا حتى جرى الماء من ثيابنا الى ابداننا وامتلأت خفافنا وكان أسرع وأعجل من أن يمكن أن نحط ونخرج اللبابيد، فصرنا شهرة ومازال(عليه السلام) يتبسم تبسماً ظاهراً تعجباً من أمرنا.
قال يحيى: وصارت إليه في بعض المنازل امرأة معها ابن لها أرمد العين ولم تزل تستذل وتقول معكم رجل علوي دلوني عليه حتى يرقى عين ابني هذا. فدللناها عليه، ففتح عين الصبي حتى رأيتها ولم أشكّ انها ذاهبة فوضع يده عليها لحظة يحرك شفتيه ثم نحّاها فإذا عين الغلام مفتوحة صحيحة ما بها علّة[23].
ومرّ الركب ببغداد ـ في طريقه الى سامراء ـ فقابل ابن هرثمة واليها اسحاق بن ابراهيم الطاهري فأوصاه بالإمام(عليه السلام) خيراً واستوثق من حياته بقوله: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والمتوكل مَن تعلم، وإن حرّضته على قتله كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) خصمك.
فأجابه يحيى: والله ما وقفت له إلاّ على كل أمر جميل[24].
وحين وصل الركب الى سامراء بدأ ابن هرثمة بمقابلة وصيف التركي ـ وهو ممّن كان يشارك في تنصيب الخليفة وعزله ومناقشته في أعماله ـ وممّا قاله وصيف ليحيى: والله لئن سقطت من رأس هذا الرجل ـ ويقصد به الإمام الهادي(عليه السلام) ـ شعرة لا يكون المطالب بها غيري.
قال ابن هرثمة: فعجبت من قولهما وعرّفت المتوكّل ما وقفت عليه من حسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته وأني فتشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم وانّ أهل المدينة خافوا عليه، فأحسن جائزته وأجزل برّه[25].
غير أن هذا الإكرام الذي ادّعاه ابن هرثمة يتنافى مع ما أمر به المتوكل من حجب الإمام(عليه السلام) عنه في يوم وروده الى سامراء، ويزيد الأمر إبهاماً وتساؤلاً هو أمره بإنزال الإمام(عليه السلام) في مكان متواضع جدّاً يُدعى بخان الصعاليك[26].
قال صالح بن سعيد: دخلت على أبي الحسن(عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك في كل الاُمور أرادوا اطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع، خان الصعاليك[27].
وليس ببعيد أن تكون الصورة التي نقلها يحيى للمتوكل عن الإمام(عليه السلام) ومدى نفوذ شخصيّته حتى عند الولاة والقوّاد مدعاةً للضغط على الإمام(عليه السلام) والسعي للتضييق الحقيقي عليه من خلال الحيلولة بينه وبين ارتباطه بقواعده وإن كان ذلك بالتظاهر بالإكرام كما نراه في النص الذي نُقل عن يحيى، ولا يغيب عن مثل يحيى مدى كره المتوكل لآل أبي طالب بشكل عام وللإمام الهادي(عليه السلام) بشكل خاص.
الإمام (ع) في سامراء
إنّ حجب المتوكل للإمام الهادي(عليه السلام) لدى وروده والأمر بإنزاله في خان الصعاليك لو لاحظناه مع ما جاء في رسالة المتوكل للإمام الهادي(عليه السلام) يحمل بين طيّاته صورة واضحة من نظرة المتوكل الى الإمام(عليه السلام). فهو لا يأبى من تحقير الإمام وإذلاله كلما سنحت له الفرصة. ولكنه كان يحاول التعتيم على ما يدور في قرارة نفسه ولهذا أمر بعد ذلك بإفراد دار له فانتقل اليها. مع العلم بأن المتوكل هو الذي كان قد استدعى الإمام(عليه السلام) وكان يعلم بقدومه عليه، ولابد أن يكون قد استعد لذلك.
وعلى أية حال فالذي يبدو من سير الأحداث أن المتوكل حاول بكل جهده ليكسب ودّ الإمام ويورّطه فيما يشتهي من القبائح التي كان يرتكبها المتوكل.
وحاول المتوكل غير مرّة إفحام الإمام(عليه السلام) بالرغم من أنه كان يضطر الى الالتجاء إليه حين كان يعجز علماء البلاط أو وعّاظ السلاطين عن تقديم الأجوبة الشافية في الموارد الحرجة.
وإليك جملة من هذه الموارد:
1. إنّ نصرانياً كان قد فجر بامرأة مسلمة فأراد المتوكل أن يقيم عليه الحد فأسلم. فقال ابن الأكثم: قد هدم ايمانه شركه وفعله. وقال بعضهم يضرب ثلاثة حدود. وقال آخرون غير ذلك، فأمر المتوكل بأن يكتب الى الإمام الهادي(عليه السلام) وسؤاله عن ذلك فلما قرأ الكتاب، كتب: يضرب حتى يموت.
فأنكر ابن الأكثم وسائر فقهاء العسكر وطالبوا الإمام بالحجة من الكتاب والسنة فكتب(عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم: (فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنّا به مشركين فلم يك ينفعهم ايمانهم لمّا رأوا بأسنا سنّت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون). فأمر المتوكل فضرب حتى مات[28].
2. وحين نذر المتوكل أن يتصدّق بمال كثير واختلف الفقهاء في تحديد المال الكثير، أشار عليه أحد ندمائه بالسؤال من الإمام(عليه السلام) قائلاً: ألا تبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه؟ فقال له المتوكل: من تعني؟ ويحك! فقال له: ابن الرضا. فقال له: وهو يحسن من هذا شيئاً؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا وإلاّ فاضربني مائة قرعة. فبعث من يسأل له ذلك من الإمام فأجاب الإمام بأن الكثير ثمانون. فلما سُئل عن دليل ذلك أجاب قائلاً: (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة) فعددناها فكانت ثمانين[29].
إنّ هذا التنكّر من المتوكّل للإمام(عليه السلام) أو هذا التعجب من أنه قادر على الإجابة وقد عرفنا موارد منها ليشير الى مدى حقد المتوكل وتعمّده في تسقيط الإمام(عليه السلام) أمام الآخرين. ولكنه لم يفلح حتى أنه كان يبادر للتعتيم الإعلامي على فضائل الإمام(عليه السلام) ومناقبه، كما نرى ذلك بعد ردّه على اسئلة ابن الأكثم حيث قال ابن الأكثم للمتوكل: ما نحب أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه وانّه لا يرد عليه شيء بعدها إلاّ دونها وفي ظهور علمه تقوية للرافضة[30].
3. ومن جملة القضايا التي حاول إحراج الإمام فيها قضية زينب الكذّابة حيث أمر الإمام(عليه السلام) بالنزول الى بركة السباع.
قال أبو هاشم الجعفري: ظهرت في أيام المتوكل امرأة تدّعي أنها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال المتوكّل: أنت امرأة شابة وقد مضى من وقت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما مضى من السنين، فقالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مسح عليّ وسأل الله أن يردّ عليّ شبابي في كل أربعين سنة، ولم أظهر للناس الى هذه الغاية فلحقتني الحاجة فصرت اليهم.
فدعا المتوكل مشايخ آل أبي طالب وولد العباس وقريش وعرّفهم حالها فروى جماعة وفاة زينب في سنة كذا، فقال لها: ما تقولين في هذه الرواية؟
فقالت: كذب وزور، فإنّ أمري كان مستوراً عن الناس، فلم يعرف لي حياة ولا موت، فقال لهم المتوكل: هل عندكم حجّة على هذه المرأة غير هذه الرواية؟ فقالوا: لا، فقال: هو بريء من العبّاس إن لا أنزلها عمّا ادّعت إلاّ بحجة.
قالوا: فأحضر ابن الرضا(عليه السلام) فلعلّ عنده شيئاً من الحجة غيرما عندنا. فبعث إليه فحضر فأخبره بخبر المرأة فقال: كذبت فإنّ زينب توفيت في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا، قال: فإنّ هؤلاء قد رووا مثل هذه وقد حلفت أن لا أنزلها إلاّ بحجّة تلزمها.
قال: ولا عليك فههنا حجّة تلزمها وتلزم غيرها، قال: وماهي؟ قال: لحوم بني فاطمة محرّمة على السباع فأنزلها الى السباع فإن كانت من ولد فاطمة فلا تضرّها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: إنّه يريد قتلي، قال: فههنا جماعة ولد الحسن والحسين(عليهما السلام) فأنزل من شئت منهم، قال: فوالله لقد تغيّرت وجوه الجميع، فقال بعض المبغضين: هو يحيل على غيره لم لا يكون هو؟
فمال المتوكل الى ذلك رجاء أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع فقال: يا أبا الحسن لم لا تكون أنت ذلك؟ قال: ذاك إليك قال: فافعل، قال: أفعل. فاُتي بسلّم وفتح عن السباع وكانت ستة من الأسد فنزل أبو الحسن إليها فلما دخل وجلس صارت الاُسود إليه فرمت بأنفسها بين يديه، ومدّت بأيديها، ووضعت رؤوسها بين يديه فجعل يمسح على رأس كل واحد منها، ثم يشير اليه بيده الى الاعتزال فتعتزل ناحية حتى اعتزلت كلّها وأقامت بازائه.
فقال له الوزير: ماهذا صواباً فبادر بإخراجه من هناك، قبل أن ينتشر خبره فقال له: يا أبا الحسن ما أردنا بك سوءاً وإنّما أردنا أن نكون على يقين ممّا قلت فاُحبّ أن تصعد، فقام وصار الى السلّم وهي حوله تتمسّح بثيابه.
فلمّا وضع رجله على أوّل درجة التفت إليها وأشار بيده أن ترجع، فرجعت وصعد فقال: كلّ من زعم أنّه من ولد فاطمة فليجلس في ذلك المجلس، فقال لها المتوكّل: انزلي، قالت: الله الله ادّعيتُ الباطل، وأنا بنت فلان حملني الضرّ على ما قلت، قال المتوكلّ: ألقوها الى السباع، فاستوهبتها والدته[31].
إنّ هذه المواقف من الإمام(عليه السلام) لم تكن لتثني المتوكل عما كان يراوده من الضغط على الإمام(عليه السلام) ومحاولة تسقيطه وعزله عن عامة الناس وخواص أتباعه. وكان رصده للإمام(عليه السلام) لا يشفي غليله فكان يفتش دار الإمام (عليه السلام) بشكل مستمر وكان ذلك واحداً من أساليبه لإهانة الإمام(عليه السلام) أو طريقاً للعثور على مستمسك يسوّغ له الفتك بالإمام(عليه السلام).

تفتيش دار الإمام (ع)
لم تحقق وسائل السلطة ـ في التضييق على الإمام ومراقبته ـ أهدافها في ضبط بعض القضايا التي تؤكد صحة الوشايا بالإمام، فكثيراً ما سعى بعض المتزلفين للخليفة بالإمام (عليه السلام) وأوغروا صدره ضد الإمام (عليه السلام) واخبروا الخليفة كذباً وزوراً بأن لديه السلاح وتجبى إليه الاموال من الأقاليم، إلى غيرها من الأكاذيب التي كانت تدفع بالخليفة إلى ارسال جنده وبعض قواده إلى دار الإمام(عليه السلام) وتفتيشها، ثم استدعاء الإمام (عليه السلام) إلى بلاط المتوكل الذي كان ثملاً على مائدة شرابه، حتى أنّ المتوكل الثمل بعد أن أعظم الإمام وأجلسه إلى جانبه ناوله الكأس.
فقال له الإمام (عليه السلام): يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني فأعفاه.
ثم قال له المتوكل: أنشدني شعراً.
فأجابه الإمام (عليه السلام): اني لقليل الرواية للشعر.
فقال له المتوكل: لا بد من ذلك.
فانشده الإمام(عليه السلام) الأبيات التالية:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
غلب الرجال فما أغنتهم القُلَلُ
واستنزلوا من بعد عز من معاقلهم
فاودعوا حفراً يابئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
أين الاسرة والتيجان والحللُ
أين الوجوه التي كانت منعمة
من دونها تضرب الاستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

فبكى المتوكل، ثم أمر برفع الشراب وقال: يا ابا الحسن أعليك دين ؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فدفعها إليه ورده إلى منزله مكرّماً.
ومرّة اُخرى حين مرض المتوكل من خُرّاج خرج به وأشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحدٌ أن يمسّه بحديدة، فنذرت اُمّه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن عليّ بن محمد مالاً جليلاً من مالها وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت الى هذا الرجل فسألته فإنّه لا يخلو أن يكون عنده صفة يفرّج بها عنك.
فبعث إليه ووصف له علّته، فرّد إليه الرّسول بأن يؤخذ كسب الشاة فيداف بماء ورد فيوضع عليه. فلمّا رجع الرّسول فأخبرهم أقبلوا يهزؤون من قوله، فقال له الفتح: هو والله أعلم بما قال، واُحضر الكسبُ وعمل كما قال ووضع عليه فغلبه النوم وسكن، ثم انفتح وخرج منه ما كان فيه وبشّرت اُمه بعافيته، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت خاتمها.
ثم استقلّ من علّته فسعى إليه البطحائي العلوي بأنّ أموالاً تحمل إليه وسلاحاً، فقال لسعيد الحاجب: اهجم عليه باللّيل وخذ ما تجد عنده من الأموال والسلاح واحمله إليّ، قال إبراهيم بن محمّد: فقال لي سعيد الحاجب: صرت الى داره بالليل ومعي سلّم فصعدت السطح، فلمّا نزلت على بعض الدرج في الظلمة لم أدر كيف أصل الى الدار.
فناداني: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة فنزلت فوجدته عليه جبّة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه، فلم أشكّ أنه كان يصلي، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتّشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة في بيته مختومة بخاتم اُمّ المتوكل وكيساً مختوماً وقال لي: دونك المصلّى، فرفعته فوجدت سيفاً في جفن غير ملبّس، فأخذت ذلك وصرت إليه.
فلمّا نظر الى خاتم اُمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه، فأخبرني بعض خدم الخاصّة أنها قالت له: كنت قد نذرت في علّتك لمّا آيست منك إن عوفيت حملت إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار.
فضمّ الى البدرة بدرة اُخرى وأمرني بحمل ذلك إليه فحملته ورددت السيف والكيسين وقلت له: يا سيّدي عزّ عليّ، فقال لي: (سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون).
غير أنّ الإمام(عليه السلام) لم يأبه لكل أدوات المراقبة والتضييق عليه بل كانت أساليبه أدقّ وكان نفوذه في جهاز السلطة يمكّنه من التحرّك بالشكل الذي يراه مناسباً مع تلك الظروف.
ومما يعزز ذلك ما رواه الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) بإسناده عن محمد بن الفحام، ان الفتح بن خاقان قال: قد ذكر الرجل ـ يعني المتوكل ـ خبر مال يجيء من قم، وقد أمرني أن أرصده لأخبره، فقلت له، فقل لي: من أي طريق يجيء حتى أجيئه؟ فجئت إلى الإمام علي بن محمد(عليهما السلام) فصادفت عنده من احتشمه فتبسم وقال لي: لا يكون إلاّ خيراً يا ابا موسى، لِم لم تعد الرسالة الاولى ؟
فقلت: أجللتك يا سيدي. فقال لي: المال يجيء الليلة وليس يصلون إليه فبت عندي.
فلما كان من الليل وقام إلى ورده قطع الركوع بالسلام وقال لي: قد جاء الرجل ومعه المال، وقد منعه الخادم الوصول إليّ فاخرج وخذ ما معه.
فخرجت فاذا معه زنفِيلجه[32] فيها المال: فأخذته ودخلت به إليه، فقال: قل له هات المحنقة التي قالت له القمية انها ذخيرة جدتها، فخرجت له فأعطانيها، فدخلت بها إليه، فقال لي: قل له الجبة التي أبدلتها منها ردّها إليها. فخرجت إليه فقلت له ذلك، فقال: نعم كانت ابنتي استحسنتها فأبدلتها بهذه الجبة وأنا أمضي فأجيء بها.
فقال: اخرج فقل له: ان الله يحفظ ما لنا وعلينا. هاتها من كتفك،
فخرجت الى الرجل فأخرجها من كتفه فغشي عليه، فخرج إليه (عليه السلام)، فقال له: قد كنت شاكاً فتيقنت[33].
وفي الرواية دلالات كثيرة لكنّ أهمّ ما يلفت النظر فيها هو:
أولاً: إن الإمام كان يعرف شك السلطة وهو آخذ حذره ومستيقظ ومتأهّب للأمر; لذا أجاب من سأله عن المال بأنه سيصل ولا سبيل للمتوكل وجلاوزته عليه، وفعلاً وصل المال سالماً.
ثانياً: إن حامل المال إلى الإمام (عليه السلام) كان يُريد ان يختبر الإمام (عليه السلام) أو يبحث عن وسيلة لليقين بإمامته (عليه السلام) لذا نجد الإمام يرشد مستلم المال إلى امور لا يعرفها إلاّ حامله كالجبة التي كان قد أخفاها تحت كتفه وزاد(عليه السلام) الأمر وضوحاً بقوله: أتيقنت؟ مشيراً الى ما كان يكنّه هذا الرجل في نفسه، وما يروم أن يصل إليه وهو معرفة الإمام بهذه الاُمور وقد أيقن واطمأن حينما أخبره رسول الإمام(عليه السلام) بما كان يضمره.
ثالثاً: إن أنصار الإمام(عليه السلام) وأتباعه كان لهم حضور فاعل في البلاط وهم عيون الإمام بدل أن يكونوا عملاء السلطة. وفيما يلي من خبر اعتقال الإمام(عليه السلام) أيضاً شواهد اُخرى على هذه الحقيقة.
اعتقال الإمام الهادي (عليه السلام)
إن المتوكّل بعد رصده الدائم للإمام وتفتيشه المستمر والمتكرّر لدار الإمام(عليه السلام) أمر باعتقال الإمام (عليه السلام) وزجّه في السجن، فبقي فيه أياماً وجاء لزيارته صقر بن أبي دلف فاستقبله الحاجب وكانت له معرفة به، كما كان عالماً بتشيّعه، وبادر الحاجب قائلاً: ما شأنك؟ وفيم جئت ؟
قال صقر: بخير.
قال الحاجب: لعلك جئت تسأل عن خبر مولاك ؟
قال صقر: مولاي أمير المؤمنين ـ يعني المتوكل ـ.
فتبسم الحاجب وقال: اسكت مولاك هو الحق (يعني الإمام الهادي(عليه السلام) فلا تحتشمني فإني على مذهبك.
قال صقر: الحمد لله.
فقال الحاجب: تحب أن تراه؟
قال صقر: نعم.
فقال الحاجب: اُجلس حتى يخرج صاحب البريد.
ولما خرج صاحب البريد، التفت الحاجب إلى غلامه فقال له: خذ بيد الصقر حتى تدخله الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخلِّ بينه وبينه.
فأخذه الغلام حتى أدخله الحجرة وأومأ إلى بيت فيه الإمام، فدخل عليه الصقر، وكان الإمام جالساً على حصير وبازائه قبر محفور قد أمر به المتوكل لارهاب الإمام، والتفت (عليه السلام) قائلاً بحنان ولطف:
يا صقر ما أتى بك ؟
قال صقر: جئت لأتعرّف على خبرك.
وأجهش الصقر بالبكاء رحمة بالإمام وخوفاً عليه:
فقال (عليه السلام): « يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء...
فهدّأ روعه وحمد الله على ذلك، ثم سأل الإمام عن بعض المسائل الشرعية فأجاب عنها، وانصرف مودّعاً للإمام[34]، ولم يلبث الإمام في السجن إلاّ قليلاً ثمّ أطلق سراحه».
محاولة اغتيال الإمام الهادي (ع)
وقد دبرت السلطة الحاكمة آنذاك مؤامرة لقتل الإمام (عليه السلام) ولكنها لم تنجح فقد روي: أنّ أبا سعيد قال: حدثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن اسرائيل الكاتب ونحن بداره بسر من رأى فجرى ذكر أبي الحسن(عليه السلام) فقال: يا أبا سعيد أحدثك بشيء حدثني به أبي؟
قال: كنا مع المنتصر وأبي كاتبه فدخلنا والمتوكل على سريره فسلّم المنتصر ووقف ووقفت خلفه وكان إذا دخل رحّب به وأجلسه فأطال القيام وجعل يرفع رجلاً ويضع أخرى وهو لا يأذن له في القعود ورأيت وجهه يتغير ساعة بعد ساعة ويقول للفتح بن خاقان:
هذا الذي يقول فيه ما تقول؟ ويرد عليه القول، والفتح يسكته ويقول: هو مكذوب عليه، وهو يتلظى ويستشيط ويقول: والله لاقتلن هذا المرائي الزنديق وهو يدعي الكذب ويطعن في دولتي. ثم طلب أربعة من الخزر أجلافاً ودفع إليهم أسيافاً، وأمرهم أن يقتلوا أبا الحسن إذا دخل وقال: والله لأحرقنه بعد قتله، وأنا قائم خلف المنتصر من وراء الستر، فدخل أبو الحسن وشفتاه تتحركان وهو غير مكترث ولا جازع، فلما رآه المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه، وانكب عليه يقبّل بين عينيه ويديه، وسيفه شقه بيده وهو يقول:
يا سيدي ياابن رسول الله ياخير خلق الله يابن عمي يا مولاي يا أبا الحسن. وابو الحسن(عليه السلام) يقول: اعيذك يا أمير المؤمنين من هذا.
فقال: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟
قال: جاءني رسولك.
قال: كذب ابن الفاعلة.
فقال له: ارجع يا سيدي، يا فتح يا عبيدالله يا منتصر شيعوا سيدكم وسيدي، فلما بصر به الخزر خرّوا سجداً، فدعاهم المتوكل وقال: لِمَ لم تفعلوا ما امرتكم به؟
قالوا: شدة هيبته، ورأينا حوله اكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأملهم، وامتلأت قلوبنا من ذلك.
فقال: يا فتح هذا صاحبك وضحك في وجهه.
وقال: الحمد لله الذي بيض وجهه وأنار حجته »[35].
إنّ هذا النص قد كشف لنا بوضوح عن كل نوازع المتوكل التي تدور حول القتل والحرق للإمام(عليه السلام) فضلاً عن الاتّهام بالزندقة والطعن في دولته.
والمتوكّل بعد كل هذه المحاولات التي باءت بالفشل لم يهدأ له بال وهو يريد إذلال الإمام(عليه السلام) بأي نحو كان، من هنا بادر في يوم الفطر ـ وفي السنة التي قتل فيها ـ الى الأمر بالترجّل والمشي بين يديه قاصداً بذلك أن يترجّل الإمام الهادي (عليه السلام) بين يديه، فترجّل الإمام(عليه السلام) كسائر بني هاشم واتكأ على رجل من مواليه فأقبل عليه الهاشميون وقالوا: يا سيدنا ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه ويكفينا الله به من تعزّر هذا؟ قال لهم أبو الحسن(عليه السلام): في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم على الله من ناقة ثمود، لما عقرت الناقة صاح الفصيل الى الله تعالى فقال الله سبحانه: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب)[36].
دعاء الإمام (ع) على المتوكل
والتجأ الإمام أبو الحسن الهادي (عليه السلام) إلى الله تعالى، وانقطع إليه، وقد دعاه بالدعاء الشريف الذي عرف (بدعاء المظلوم على الظالم) وهو من الكنوز المشرقة عند أهل البيت (عليهم السلام)[37].
هلاك المتوكل
واستجاب الله دعاء وليّه الإمام الهادي (عليه السلام)، فلم يلبث المتوكل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيام حتى هلك.
وتم ذلك باتفاق المنتصر ابن المتوكل مع مجموعة من الاتراك حيث هجم الاتراك على المتوكل ليلة الاربعاء المصادف لاربع خلون من شوال (247 هـ ) يتقدمهم باغر التركي وقد شهروا سيوفهم، وكان المتوكل ثملاً سكراناً، وذعر الفتح بن خاقان فصاح بهم: ويلكم أمير المؤمنين؟!
فلم يعتنوا به ورمى بنفسه عليه ليكون كبش الفداء له إلاّ انه لم يغنِ عن نفسه ولا عنه شيئاً، وأسرعوا إليهما، فقطّعوهما إرباً إرباً، بحيث لم يعرف لحم أحدهما من الآخر ـ كما يقول بعض المؤرخين ـ ودفنا معاً.
وبذلك انطوت أيام المتوكّل الذي كان من أعدى الناس لأهل البيت(عليهم السلام).
وخرج الاتراك، وكان المنتصر بانتظارهم فسلّموا عليه بالخلافة وأشاع المنتصر ان الفتح بن خاقان قد قتل أباه، وانه أخذ بثأره فقتله، ثم أخذ البيعة لنفسه من أبناء الاسرة العباسية وسائر قطعات الجيش.
واستقبل العلويون وشيعتهم النبأ بهلاك المتوكل بمزيد من الابتهاج والافراح فقد هلك الطاغية الذي صيّر حياتهم إلى مآسي لا تطاق.[38]
المنتصر بالله
هو محمّد بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد، اُمه اُم ولد رومية اسمها حبشيّة. بُويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة (247 هـ ) وخلع أخويه المعتزّ والمؤيد من ولاية العهد وقالوا عنه: انّه أظهر العدل والانصاف في الرعيّة فمالت إليه القلوب مع شدّة هيبتهم له، وكان كريماً حليماً وممّا نقل عنه قوله: لذّة العفو أعذب من لذّة التشفّي وأقبح أفعال المقتدر الانتقام. ولكنّه لم يمتّع بالخلافة إلاّ أشهراً معدودة دون ستة أشهر.
وقال الثعالبي: ومن العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك ـ وهو شيرويه ـ قتل أباه فلم يعش بعده إلاّ ستة أشهر. وأعرق الخلفاء في الخلافة ـ وهو المنتصر ـ قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر[39].
المنتصر والعلويين
وكان المنتصر ليّناً مع العلويين المظلومين في عهد أبيه. فعطف عليهم ووجّه بمال فرّقه عليهم وكان يؤثر مخالفة ابيه في جميع احواله ومضادة مذهبه طعناً عليه ونصرة لفعله.[40]
وكان محسناً لآل أبي طالب حيث رفع عنهم ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ورد على آل الحسين فدكاً.
فقال يزيد المهلبي في ذلك:
ولقد بررت الطالبية بعدما
ذموا زماناً بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم
بعد العداوة بينهم إخوانا[41]

يقول أبو الفرج عنه: وكان المنتصر يظهر الميل إلى اهل البيت(عليهم السلام) ويخالف اباه في افعاله فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه[42].
ولما ولي المنتصر صار يسب الاتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه وهموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيباً شجاعاً فطناً متحرزاً فتحيلوا إلى أن دسّوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين الف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات[43].
المستعين
هو أحمد بن المعتصم بن الرشيد فهو أخو المتوكّل، ولد سنة (221 هـ ) واُمه اُم ولد اسمها مخارق، اختاره القوّاد بعد موت المنتصر، ثم تنكّر له الأتراك لمّا نفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل، وقتل وصيفاً وبُغى. ولهذا خافهم وانحدر من سامراء الى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع، فقصدوا الحبس وأخرجوا المعتز وبايعوه وخلعوا المستعين، ثم جهّز جيشاً كثيفاً لمحاربة المستعين واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين.
الثورات في عصره
لم يدم حكم المستعين سوى أربع سنوات وأشهر، وقد تميّزت فترة حكمه بالاضطرابات التي تعود الى قوّة الأتراك وضعفه أمامهم، كما تعود الى الظلم والإجحاف بالاُمة الى جانب تنازع العباسيين على السلطة، وإليك فهرساً بما وقع في أيام حكم من وثبات وثورات:
1- وثبة في الاردن بقيادة رجل من لخم.
2- وثب في حمص اهلها بعاملهم كيدر الاشروسني.
3- وثبة الجند في سامراء وضربة لاوتاش التركي وهو احد القادة.
4- وثبة المعرة بقيادة القصيص وهو يوسف بن ابراهيم التَّنوخي.
5- وثبة الجند بفارس بعاملهم الحسين بن خالد.
6- وثبة اسماعيل بن يوسف الجعفري الطالبي في المدينة.
فوقعت بينهما وقعات ودام القتال أشهراً وغلت الأسعار وعظم البلاء وانحل أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلعه وقام في ذلك اسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة، فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ومائتين وأشهد عليه القضاة وغيرهم فاُحدِر إلى واسط فأقام بها تسعة اشهر محبوساً موكلاً به أمينٌ ثم رُدّ إلى سامراء.
وأرسل المعتز إلى احمد بن طولون ان يذهب إلى المستعين فيقتله فقال: والله لا اقتل أولاد الخلفاء، فندب له سعيد الحاجب فذبحه في ثالث شوال من السنة وله احدى وثلاثون سنة[44].
المعتز
هو محمد بن المتوكل، ولد سنة (232 هـ )، بويع له وعمره تسع عشرة سنة، ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه، وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب، فقد كان الخلفاء قبله يركبون بالحلية الخفيفة من الفضّة.
كان المعتز مستضعفاً من قبل الأتراك واُلعوبة بأيديهم. وأول سنة تولى فيها السلطة مات اشناس الذي كان الواثق قد استخلفه على السلطة وخلف خمسمائة الف دينار، فأخذها المعتز وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله ابن طاهر، وقلده سيفين، ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه وتوجّه بتاج من ذهب وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين وقلده سيفين، ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشرابي وألبسه تاج الملك فخرج على المعتز بعد سنة فقتل وجيء إليه برأسه.
وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد وضربه وقيده فمات بعد أيام، فخشى المعتز ان يتحدث عنه انه قتله او احتال عليه، فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به اثر، وكان المعتز مستضعفاً مع الأتراك، فاتفق ان جماعة من كبارهم أتوه وقالوا:
يا أمير المؤمنين اعطنا ارزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان المعتز يخاف منهم فطلب من اُمه (قبيحة) مالاً لينفقه فيهم، فأبت عليه وشحّت نفسها، ولم يكن بقي في بيوت المال شيء بينما كانت اُمه تملك الأموال العظيمة، حيث انفقت على صالح بن وصيف مالاً عظيماً بعد قتله، ولهذا اجتمع الأتراك على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف، ومحمد بن بُغا، فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة فبعثوا إلى المعتز أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت الدواء وأنا ضعيف، فهجم عليه جماعة وجرّوا برجله وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في يوم صائف، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك، ثم احضروا القاضي بن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم احضروا من بغداد إلى دار الخلافة ـ وهي يومئذ سامراء ـ محمد ابن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد فسلّم المعتز إليه الخلافة وبايعه[45].
ومات المعتزّ بعد خلعه من الخلافة بطريقة غريبة; بعد خمس ليال من خلعه، حيث أدخلوه الحمّام، فلما اغتسل عطش فمنعوه الماء، ثم اخرج فسقوه ماء بثلج فشربه وسقط ميتاً، وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين.
اضطهاد الشيعة
لقد ذكر المؤرخون موقف المعتز المعادي لآل محمد(صلى الله عليه وآله) واضطهادهم واضطهاد شيعتهم ومن نماذج سيرته أنه أعمل السيف في العلويين وآخرين حتّى ماتوا في سجونه، وممّن قتل في عهده:
1- جعفر بن محمد الحسيني وقد قتل في وقعة حدثت بالري بينه وبين احمد بن عيسى عامل محمد بن طاهر[46].
2- ابراهيم بن محمد العلوي فقد قتله طاهر بن عبد الله في وقعة كانت بينه وبين الكوكبي بقزوين[47]، وغير هؤلاء كثير ممن أعمل ولاة العباسيين فيهم السيف والقتل.
أما من مات في الحبس فكثير أيضاً، منهم: عيسى بن اسماعيل الحضرمي واحمد بن محمد الحسيني[48].

وكان عصر الإمام (عليه السلام) قد تميز بالتحولات السياسية حيث تنامى بعودة الأتراك في بلاط العباسيين، وكان كل قائد منهم يميل إلى واحد من المرشحين للخلافة، فيتحين الفرص لدفعه إلى واجهة السلطة وتسميته باسم الخليفة ليلعب ما يشاء في أمور البلاد باسمه. فبعدما مضى المعتصم ملك الواثق ابنه واستوزر ابن الزيات، وغضب على جعفر بن المعتصم أخيه، وما لبث أن مات واستخلف المتوكل وقتل ابن الزيات، وشهد عصره قدراً من الاستقرار، وقبل أن يموت الواثق سئل عن الخليفة بعده فقال: لا يراني الله أتقلدها حياً وميتاً، (ويبدو من هذه الكلمة: أنه كان يعرف ماذا تعني الخلافة في عصره أو ليست تعني القمع والدجل والمؤامرات والانغماس في الشهوات، ثم أليس أنه نفسه قد سجن أخاه المتوكل بعد أن ولاّه إمارة الحج لما عرف أن ينافسهم الأمر ولم يقبل فيه شفاعة أحد؟).
وبعد الواثق وُلّي المتوكل الذي شهد عصره قدراً من الاستقرار ولكنه كان استقراراً قائماً على العنف والتضليل.
وأبرز مظاهر عنفه سياسته الإرهابية تجاه البيت العلوي وأمره بهدم قبر سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) حيث أمر سنة 236 بهدم قبر الإمام وما حوله من الدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضعه، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية من وجدناه عنده بعد ثلاثة أيام بعثنا به إلى المطبق (السجن)، فهرب الناس وأشنعوا من المصير إليه، وقد أثار المتوكل بهذه السياسة حفيظة المسلمين وخاصة أهل بغداد الذين ردوا على الإهانات التي ألحقها بالعلويين بسبه في المساجد والطرقات[49].
ووقعت في عهده مجاعة رهيبة في العراق وهلك كثير من الناس، وقد طمع الروم في بلاد الإسلام بسبب ضعف الدولة العباسية فاستأنفوا غاراتهم على أراضي قاليقلا جنوبي آسيا الصغرى وهزموا أهلها هزيمة منكرة.
وتظهر من القصة التالية صورة عن طبيعة حكم المتوكل، وما بلغ من إرهابه ضد العلويين ومن ثورة هؤلاء ضده.
قال البختري: كنت بمنبج بحضرة المتوكل، إذ دخل عليه رجل من أولاد محمد بن الحنيفة حلو العينين، حسن الثياب، قد قرف عنده بشيء فوقف بين يديه والمتوكل مقبل على الفتح يحدثه.
فلما طال وقوف الفتى بين يديه وهو لا ينظر إليه قال له:
يا أمير المؤمنين إن كنت أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب، وإن كنت أحضرتني ليعرف من بحضرتك من أوباش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا.
فقال له المتوكل: والله يا حنفي لولا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم ويعطفني عليك من مواقع الحلم لانتزعت لسانك، ولفرقت بين رأسك وجسدك، ولو كان بمكانك محمد أبوك، قال: ثم التفت إلى الفتح فقال: أما ترى ما نلقاه من آل أبي طالب؟ إما حسني يجذب إلى نفسه تاج عز نقله الله إلينا قبله، أو حسيني يسعى في نقض ما أنزل الله إلينا قبله، أو حنفي يدل بجهله أسيافنا على سفك دمه.
فقال له الفتى: وأي حلم تركته لك الخمور وإدمانها؟ أم العيدان وفتيانها ومتى عطفك الرحم على أهلي وقد ابتززتهم فدكاً إرثهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فورثها أبو حرملة! وأما ذكرك محمداً أبي فقد طفقت تضع عن عز رفعه الله ورسوله، وتطاول شرفاً تقصر عنه ولا تطوله، فأنت كما قال الشاعر:

فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعباً بلغت ولا كلابا

ثم ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسني والحسيني والحنفي فلبئس المولى ولبئس العشير.
ثم مد رجليه ثم قال: هاتان رجلاي لقيدك، وهذه عنقي لسيفك، فبؤ بإثمي وتحمّل ظلمي فليس هذا أول مكروه أوقعته أنت وسلفك بهم، يقول الله تعالى: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً إن الله غفورٌ شكور)[50] فوالله ما أجبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مسألته ولقد عطفت بالمودة على غير قرابته فعما قليل ترد الحوض، فيذودك أبي ويمنعك جدي (صلوات الله عليهما).
قال: فبكى المتوكل ثم قام فدخل إلى قصر جواريه، فلما كان من الغد أحضره وأحسن جائزته وخلى سبيله.
وكانت قبضة المتوكل الحديدية وإرهابه الشديد سبباً لسخط الناس عليه، والذي تنامى حتى بلغ الجيش الذي ثار عليه بقيادة بغا الصغير وباغر، وقتل المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان وخلفه ابنه المنتصر في شوال عام 247 الذي أخذ يخالف أباه في كل شيء، وبالذات فيما يتعلق بالبيت العلوي وحتى أنشد يزيد المعلبي يقول:

ولقد برزت الطالبية بعدمــا
ذموا زماماً بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم
بعد العداوة بينهم إخوانا[51]

ولم يدم عهد المنتصر الذي وصفه بعض المؤرخين بالحسن، وقالوا: كان عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف راغباً في الخير جواداً كثير الإنصاف حسن العشرة[52].
فقد مات بعد ستة أشهر وذلك سنة (248) وبايع الناس أحمد بن محمد المعتصم (248 / 252) وأعطوه لقب المستعين بالله، ويبدو أن المستعين أراد أن يحدّ من نفوذ الأتراك الذين تحولت قوتهم العسكرية إلى قوة سياسية متنامية في البلاد، فواجه تحدياً من قبل بعضهم وبالذات من بغا وباغر الذين تمردا عليه وبايعا المعتز بن المتوكل وقامت حرب ضاربة بين أنصار الخليفتين حيث استقر الأول ببغداد والثاني بسامراء، وأثرت الحرب على الحالة الاقتصادية للبلاد وبعد أن تم الأمر للمعتز تم إبعاد المستعين إلى واسط ولكنه قتل بالتالي على يد عصابة سيرها بقيادة سعيد الخادم.
ولكن المعتز بقي يخشى جانب الأتراك الذين قتلوا أباه وخلعوا ابن عمه، وهكذا لم تصفو له الخلافة بل قتل بصورة شنيعة يصفها المؤرخون بما يلي: قد حل إليه جماعة من الأتراك فجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس في الدار فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده ثم أشهدوا على خلعه بعض علماء البلاد وأدخلوه سرداباً وحَصوا حصواً عليه وسدوا عليه الباب حتى مات.
وبعده استخلفوا المهتدي بن واثق عام 255 واضطربت البلاد في عهده فمن ثورة ببغداد إلى تمرد في الجيش، إلى انتفاضات للعلويين هنا وهناك.
وهكذا أصبحت الخلافة العباسية شعاراً لكل الطامعين في السلطة، وأصبحت المؤامرة والدجل سمة بارزة للسياسة.. وكل ذلك كان نهاية طبيعية للإرهاب والدجل الذي مارسه الرواد الأوائل لهؤلاء الخلفاء.. حيث إن المعتصم مثلاً حينما استقدم الأتراك وجعل منهم قوة عسكرية ضاربة، وأرهب بهم الناس وأخمد الانتفاضات والثورات، كان من الطبيعي أن تتحول هذه القوة ضد أسرته وأن تستبد بالأمر دونهم. حتى حكى بعض المؤرخين أنه لما جلس المعتز على سرير الخلافة قعد خواصهم وأحضروا المنجمين وقالوا لهم انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة، وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته فقالوا: فكم تقول أنه يعيش وكم يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك، فلم يبق في المجلس إلاّ من ضحك.
وهكذا كان الانحراف يبدأ في الظاهر قليلاً وسرعان ما يجرف كل خير وصلاح، وإنما كان الأئمة (عليهم السلام) وأنصارهم يدافعون عن قيم الحق والعدل والحرية، لكي لا تنتهي أمور الدين وشؤون الملة إلى مثل هذه المآسي الفظيعة.


المصادر:

- اعلام الهداية، الامام علي بن محمد الهادي(ع)، المولف: لجنة التأليف، تاريخ النشر: 1422 هـ، الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت(ع)
-موقع http://www.14masom.com

[1]مآثر الكبراء في تاريخ سامراء: 3 / 91 ـ 95
[2]تاريخ الخلفاء: 343 ـ 345
[3]الكامل في التاريخ: 5/269
[4]الكامل في التاريخ: 5/270
[5]أعلام الورى: 343
[6]مروج الذهب: 4/76
[7]يراجع تاريخ اليعقوبي: 2 / 482 ـ 483، وتاريخ الخلفاء: 401
[8]تاريخ ابن الوردي: 1 / 335
[9]تاريخ الخلفاء: 342
[10]أمالي الشيخ الصدوق: 489
[11]اُصول الكافي: 1 / 498 ح 1 ب 122
[12]تاريخ الخلفاء: 349 ـ 350
[13]تاريخ الخلفاء: 349 ـ 350
[14]تاريخ الخلفاء، السيوطي: 347
[15]تاريخ الخلفاء: 348
[16]أن تاريخ الرسالة التي استقدم بها المتوكل الإمام الهادي(عليه السلام) على ما في جملة من المصادر هو سنة (244 هـ ) وليس (234 هـ )، ويشهد لذلك ما صرّح به الشيخ المفيد(قدس سره) من أن مدّة إقامة الإمام الهادي بسرّ من رأى عشر سنين وأشهراً، وحيث استشهد في سنة (254 هـ ) فيظهر من ذلك أن استقدامه كان سنة (244 هـ ) أي بعد اثنتي عشرة سنة من حكم المتوكّل، وهو غير بعيد.
[17]تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: 203
[18]وقيل اسمه «تريخه»، وعن الطريحي في مجمع البحرين: «بريمة». بينما ذكر آخرون أن اسمه عبدالله بن محمد وكان يتولّى الحرب والصلاة بمدينة الرسول(صلى الله عليه وآله)، اُنظر الارشاد: 2/309.
[19]قرف: عابه أو اتّهمه.
[20]الكافي: 1 / 501
[21]اثبات الوصية: 196 ـ 197
[22]تذكرة الخواص: 322
[23]إثبات الوصية: 225
[24]مروج الذهب: 4/85
[25]مروج الذهب: 4/85، وتذكرة الخواص: 359
[26]الارشاد: 313 ـ 314
[27]الكافي: 1/498
[28]الكافي: 7/238
[29]الكافي: 7/463
[30]المناقب: 2/443
[31]بحار الأنوار: 50/149
[32]معرّب: زنبيلچه: زنبيل صغير
[33]امالي الشيخ الطوسي: 276 ح 528، والمناقب: 4 / 444
[34]رواه الصدوق في الخصال: 394 ومعالي الأخبار: 135 وكمال الدين ط النجف الأشرف: 365 و ط الغفاري: 382 ح9 ب 37 وعنه الطبرسي في اعلام الورى: 2/245. وعن الخصال وعلل الشرائع في بحار الأنوار: 50/194
[35]الخرائج والجرائح: 1/417 ـ 419 ح 1 ب 11 وعنه في كشف الغمة: 3/185
[36]بحار الأنوار: 50/209
[37]مهج الدعوات: 50/209
[38]الكامل في التاريخ: 10 / 349
[39]تاريخ الخلفاء: 356 ـ 358
[40]مقاتل الطالبيين: 396 ونحوه في تاريخ الخلفاء: 417
[41]تاريخ الخلفاء: 417، 418
[42]مقاتل الطالبيين: 419
[43]تاريخ الخلفاء: 419
[44]تاريخ الخلفاء للسيوطي: 358 ـ 359
[45]تاريخ الخلفاء للسيوطي: 359 ـ 360
[46]مقاتل الطالبيين: 434
[47]المصدر السابق: 433
[48]مقاتل الطالبيين: 434
[49]تاريخ الإسلامي السياسي: حسن إبراهيم حسن: ج3 ص5
[50]سورة الشورى: الآية42
[51]تاريخ الإسلام السياسي: ج3 ص7
[52]المصدر عن ابن الأثير: ج7 ص29